فهرس الكتاب
والحضارة ، أية حضارة ، ترتكز إلى اللون ، أو العنصر ، أو القوم ، أو العرق ، أو الطبقة ، هي حضارة عنصرية ، أو عدوانية ، بطبيعتها وأصل تكوينها ، لا تستطيع أن تعيش بدون عدو أو عدوان ، فإن لم يوجد لها عدو حقيقي ، تصنع لنفسها عدوًا ، ولو كان وهميًا ، لمعالجة مشكلاتها الداخلية ، وتوجيه أنظار شعوبها إلى الخارج ، فهي كالنار التي سوف تأكل بعضها ، إن لم تجد ما تأكله.
لذلك رأينا كيف أن عسكر الحضارة الغربية حاولوا استعمار العالم واستنفاد خيراته ، وامتصاص خبراته ، وكيف أن مصانع ، ومعامل ، وجسور ، وأنفاق بلاد الحضارة الغربية ، إنما بنيت بأموال المستعمرات ، وسواعد العمال ، الذين جلبوا ، والأرقاء الذين خطفوا من بلادهم الأصلية.
وأن أموال ، وخبرات وطاقات العالم النامي ، وعلى الأخص العالم الإسلامي ، ما تزال موظفة بشكل أو آخر لصالح حضارة الغرب .
وكيف أن هذه الحضارات العرقية العنصرية ، بمجرد أن يتوقف عدوانها على الخارج تنفجر فيها النزعات العنصرية الداخلية ، وتقوم فيها الديكتاتوريات الاستبدادية.
إن فكرة الصراع الحضاري ، أو التحدي الحضاري ، أو ما يسمى صراع البقاء للأقوى ، أو الصراع الطبقي ، هي الأساس الذي تقوم عليه الحضارة الغربية ، بمذاهبها المتعددة ، وتطبيقاتها المتنوعة .. والصراع يعني - فيما يعني - محاولة إلغاء الآخر بشتى الأساليب والوسائل ، لذلك فإن أية حضارة ، أو ثقافة ، تفتقد النزوع الإنساني ، وتقوم على العرق أو الجنس ، أو اللون ، أو الطبقة ، هي حضارة تمييز وتعالٍ بطبيعتها - كما أسلفنا - الأمر الذي يقودها إلى الاعتقاد بأن البقاء مرهون بإلغاء الآخر ، لذلك تصبح الطبيعة العدوانية ، من أخص خصائصها ، إن لم نقل: إنها في الأصل تقوم على الفكرة العدوانية ، لأنها تنظر إلى الآخر نظرة دونية ، وتحاول أن تصرعه ، وتتغلب عليه ، وهذا يستدعي استعماره واسترقاقه ، واستنفاد طاقاته ، ليبقى صريعًا .
من هنا ، قلنا: بأنها لا تستطيع أن تعيش بدون عدو ، يضمن تماسكها ، واستمرارها .. فإن لم يكن لها عدو ، فلتصنع عدوًا .. وإن لم تستطع صناعة الأعداء ، لاستمرار التعبئة والمواجهة ، ترد سهامها إلى ذاتها ، فتتآكل من داخلها ، أو يتحول عدوانها إلى الداخل .
وفي ضوء ذلك ، يمكن أن نفسر دوافع الحملات الصليبية على العالم الإسلامي ، كما نستطيع أن نفسر دوافع الاستعمار الحديث ، الذي لم يختلف عن الحملات السابقة إلا بوضع الصليب ، الشعار المستفز لعالم المسلمين .. ويمكن أن نفسر في ضوئه أيضًا ، الحروب الكونية العالمية ، التي جاءت من أخطر صور العدوان وأعظمها ضحايا .. هذا على مستوى الموقف العدواني من الآخر ، ثقافة وحضارة
فإذا ما جئنا إلى الموقف العدواني ، على مستوى الذات ، فنرى أن معظم الأنظمة الفاشية ، والنازية ، والديكتاتورية ، ومؤسسات الاستبداد السياسي ، كانت من إفرازات الحضارة الغربية ، ومواليدها الشرعيين ، ولا يزال العالم يذكر نماذج المآسي الإنسانية ، من أمثال: موسليني ، وهتلر ، وستالين ، وفيردنياند ، وإيزابيلا ، ومحاكم التفتيش ، وفرانكو ، وغيرهم .. كما لا يزال يذكر مذهب ميكافيللي الذي يمثل الأساس الثقافي والفكري لحضارة الصراع الغربية .
ونحب أن نوضح أن إصابات العدوى التي لحقت بمؤسسات الحكم في العالم الإسلامي ، من حضارة الغرب العنصرية ، والتي جاءت بسبب الانسلاخ عن الإسلام ، والعدوان له ، وأفرزت نماذج لا علاقة لها بسماحة الإسلام ، وعدالته ، وإنسانيته ، هي دخيلة على الحضارة الإسلامية ، التي تعتبر الاعتراف بالآخر ، وحقه في حرية العقيدة والعبادة ، والعمل ، والاختيار .. دينًا من الدين.
وخلاصة القول: إن حضارة الغرب ، هي حضارة القوة والصراع ، وتسلط الإنسان على الإنسان ، ولو بدت على غير ذلك ، بسبب التضليل الإعلامي .. إنها حضارة جباية ، وحقد ، وعدوان ، والتاريخ والحاضر يعتبران شاهد إدانة على ذلك في مواقع متعددة .. بينما نرى الحضارة الإسلامية ، حضارة إنسانية .. حضارة رحمة ، وحب ، وهداية ، واحتساب ، واعتراف بالآخر ، وليست حضارة حقد وصراع .. هي حضارة الإنسان ، التي تدعو إلى الحوار على كلمة سواء ، وتعتمد الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة ، وتتنكر للإكراه في الدين ، وتبتغي إلحاق الرحمة بالعالمين ، لأن الناس كل الناس ، هم محل الخطاب السماوي .. والقوة في الإسلام ، إنما تشرع حتى تحمي حرية الاختيار وتحقيق إنسانية الإنسان.
ونعتقد أن الحضارة الغربية ، وإن استطاعت بأشيائها ، وقوتها ، أن تطفو حضاريًا ، وتكسب بعض الجولات في الصراع الحضاري ، إلا أن العبرة دائمًا بالعواقب ، والمآلات ، وليس بالنتائج القريبة ، فكثيرًا ما حمل لنا التاريخ ، دلالات حضارية ، على أن الأفكار والعقائد ، تبقى أقوى من الأشياء والسياسات ، وأن قيم المغلوب عسكريًا ، كانت أقوى من عسكر الغالب ، وأن الحضارة الإسلامية ، هضمت الكثير من الموجات ، والاجتياحات الاستعمارية العدوانية ، وانتهى الغالب إلى اعتناق حضارة المغلوب ، وهذا ما لا نراه إلا في تاريخ الحضارة الإسلامية ، لأنها حضارة الفطرة ، حضارة الإنسان.
وقد يكون من أخطر إشكاليات الصراع الحضاري ، التي يعاني منها عالم المسلمين اليوم -إضافة إلى وجود العلمانيين ، والحداثيين المرتهنين لحضارة الآخر ، بسبب تشكيلهم الثقافي ، وتاريخهم التعليمي ، ونظامهم المعرفي ، الذين يشكلون طلائع متقدمة ، للحضارة الغربية في الداخل الإسلامي ، ويفعلون فعلهم في الإفساد ، والتخريب ، لصالح الغرب- هو في أنظمة الاستبداد ، وما يلازمه من القمع السياسي ، والظلم الاجتماعي ، التي وجدت لصالح الغرب ، بحيث أصبحت عوامل الطرد للطاقات المتميزة ، والخبرات ، والسواعد ، والأموال ، متوفرة في معظم بلاد العالم الإسلامي ، إلا من رحم الله ، وبذلك يدمر المسلمون طاقاتهم ، ويكسرون أسلحتهم ، ويكرسون تخلفهم بأنفسهم ، أو بمعنى آخر: يخربون بيوتهم بأيديهم ، في الوقت الذي نرى فيه ، عوامل الجذب ، والإغراء بالهجرة ، متوفرة في مجتمعات الحضارة الغربية .
ونستطيع أن نقول: إن خيرة الطاقات الإسلامية ، اليوم ، في العلوم التطبيقية ، والإنسانية على سواء ، مسخرة لخدمة الحضارة ، والتقدم ، والتحكم ، والسيطرة الغربية .
إن كثيرا من الجامعات ، والمعاهد ، ومراكز الدراسات ، والمخابر ، والشركات ، والمؤسسات المالية ، والاقتصادية الغربية ، تتوفر على أفضل الطاقات الإسلامية ، و تتقوى بها. ويُخشى أن تفتقد هذه الطاقات والخبرات ، انتماءها ، شيئًا فشيئًا ، بسبب أجواء الإرهاب السياسي ، والفكري ، في معظم بلاد عالم المسلمين .. وكم يبدو الأمر مذهلًا ، وخطيرًا مستقبلًا ، إذا أدركنا أن الهجرة لم تعد تقتصر على الأدمغة المتميزة ، والسواعد القوية ، والخبرات المقدورة ، وإنما تتجاوز ذلك إلى هجرة الأجنة في الأرحام .. إنها قمة المأساة من الناحية الحضارية ، أن يسعى الكثير من أبناء العالم الإسلامي المنكوب بأهله ، أن يستولدوا نساءهم في ديار الحضارة الغربية ، لاكتساب الجنسية والمواطنة ، هناك ، حيث يجد الإنسان نفسه ، ولو وهمًا ، يستمتع ببعض حقوقه ، ويشعر بإنسانيته ، المفقودة هنا.