فهرس الكتاب
وتزداد محنة المسلم ، وفتنته ، عندما يرى ، أن ما يتمتع به من الحقوق والحريات ، وسيادة النظام والقانون ، في بلاد الغرب ، مفقود تمامًا في العالم الإسلامي وأن ما يقوله ، ويمارسه ، من الحرية ، في الدعوة إلى الإسلام ، في المراكز ، والحدائق ، والشوارع ، ووسائل الإعلام - على الرغم من أن هذه الحرية ، الواقعة تحت السيطرة ، بدأت تواجه اليوم بالزعات العنصرية ، التي تعبر عن طبيعة وحقيقة الحضارة الغربية - لا يمكن قوله وممارسته ، في كثير من مساجد العالم الإسلامي التي تحكمها أنظمة الاستبداد السياسي ، ويفوته أن هذا يشكل قمة الصراع ، والاستلاب الحضاري ، والغزو الثقافي.
فإذا عجز عن تجاوز الصورة ، إلى إدراك الحقيقة ، وتجاوز النتيجة إلى فهم المقدمة ، وأدرك أن حضارة الغرب ، التي تتيح له أقدارًا من الحرية ، وحقوق الإنسان - لا تخرج عن السيطرة بحال من الأحوال - وأن الغرب الذي يستقبله مهاجرًا ، أو لاجئًا سياسيًا ، هو الغرب نفسه ، الذي يدعم أنظمة الاستبداد ، والقمع السياسي ، في كثير من بلدان العالم الإسلامي ، ويخوف من عودة الوعي الإسلامي ، ويغري باستئصالها ، ويمد الأنظمة ، بالخبرات ، والأدوات ، والمعلومات ، لتكون في مواجهة الأمة .. إذا عجز عن إدراك هذه الحقيقة ، استلب حضاريًا ، وأصبح رهينة ، واقعًا في العمالة الثقافية.
حيث لابد أن ندرك أن اليد التي تمنح المسلم ، الحرية هناك ، هي اليد نفسها ، التي تمنعها هنا ، ليتم الاستقطاب ، والتحكم من جانب ، ولإعطاء دليل عملي واقعي ، على أن حضارة الغرب ، بعطائها ، تتميز عن حضارة المسلمين ، فتهفو النفوس إليها ، وتهاجر الأجنة إلى بلادها.
ولقد بلغت المحنة مداها ، وأخذت الفتنة أبعادها المرسومة ، حتى عند بعض المفكرين والأفراد الممتازين - إن صح التعبير - الذين بدأوا يشيدون بقيم الحضارة الغربية ، واحترامها للإنسان .. ولم يقتصر نقدهم ، على واقع المسلمين البائس ، بسبب انسلاخهم عن الإسلام ، لا بسبب انتمائهم له ، والتزامهم به ، وإنما تجاوزوا إلى نقد التاريخ الإسلامي ، ولم يعودوا يروا فيه إلا النقاط السوداء ، والممارسات الشاذة ، وبدأوا يعيشون عقدة مركب النقص ، أمام قيم الحضارة الغربية ، وآلياتها ، دون أن يبصروا صورتها الحقيقية ، أو وجهها الآخر ، على يد عملائها وسدنتها في العالم الإسلامي .
وأعتقد أن التحكم والسيطرة على العالم الإسلامي ، واستنفاد طاقاته ، لم تعد تقتصر على إقامة الحراسات ، والمخافر ، لمصلحة الحضارة الغربية ، ودعم أنظمة القمع والاستبداد السياسي ، والتمكين لها ، وامتصاص خبرات ، وطاقات ، وسواعد المسلمين ، وإنما تجاوز ذلك ، إلى محاولات التحكم بالمستقبل ، حتى لا تقوم للمسلمين قائمة .
إنها مرحلة التحكم بالأرحام ، والحد من النمو الديموغرافي للمسلمين ، وذلك بإقامة مؤتمرات للسكان ، والتمهيد لتشريعات ، وتوصيات ، الغاية منها الحصار السكاني ، بعد أن تحقق الحصار السياسي ، والاجتماعي ، والاقتصادي ، حتى لا تخرج الأصلاب ، وتحتضن الأرحام ، من يفكر بالخروج عن السيطرة في المستقبل .
ومن ميادين الصراع الحضاري الخطيرة ، التي لابد من التنبه لها أيضًا ، قضية الابتعاث ، وتلقي العلم والثقافة ، في معاهد ، وجامعات الحضارة الغربية ، ذلك أن الإلقاء بالطلبة في محاضن الحضارة الغربية ، دون توفير التحصين الثقافي المكين ، والوعي الحضاري اليقظ ، ودون تزويدهم بدليل التعامل مع قيم الحضارة ، وفهمها ، وحسن قراءتها ، سوف يجعل منهم ضحايا ، قد يعودون إلى بلادهم ، مشوهين حضاريًا ، أو قد ينتهون ، إلى الاستيطان ، يصبحون طاقات ودماءً في شرايين الحضارة الغربية ، ويستوي في ذلك الذين يذهبون لتلقي العلم التجريبي ، والذين يدرسون الإنسانيات ، وإن كانت دراسة الإنسانيات أشد خطرًا وأعظم أثرًا
أما الكثيرين من الذين يذهبون لأقسام الدراسات الشرقية ، وأقسام الشريعة ، والدراسات الإسلامية ، التي أقامها الغرب لأداء رسالة معينة ، دون تحصينهم بمعرفة الوحي ، وبناء مرجعيتهم بضوابط الشريعة وعزائم الإيمان ، بشكل صحيح ، فسوف يكونون الأخطر ، في آليات الصراع الحضاري ، لأنهم ينقلبون إلى ألغام في جسم الأمة ، قابلة للانفجار في كل لحظة ، حيث يتحدد دورهم ، في نقض الأسس ، وهدمها ، وتوهين القيم ، والتشكيك فيها ، لصالح الآخر ، ذلك أن العدوان على الإسلام ، والتحدي والاستفزاز من الخارج ، يجمع الطاقات ، ويقضي على الرخاوة ، ويقوي العزائم ، ويبعث الروح الحضاري .
إنه المحرض الحضاري ، الذي يساهم باسترداد الذات ، والاحتماء بالقيم ، وتجديد الانتماء ، وتمتين الالتزام في معركة المواجهة .. وقد تكون المشكلة ، كل المشكلة هنا ، هي في تدمير البيوت ، بأيدي أهلها.
والحقيقة الأخرى ، التي لابد أن نعرض لها ، في إطار الحوار ، أو الصراع الحضاري ، هي قضية اللغة، وما تحمل من دلالات ، تعتبر أوعية للتفكير ، وليس مجرد وسيلة للتعبير ، وما تحمله وتعبر عنه ، من حالات نفسية وشعورية ، وما تمتلكه من مصطلحات ، ومفاهيم هي خلاصات لعقل الأمة , وتجاربها وخبراتها . وليس من قبيل المجازفة القول: إن اللغة هي أداة الفعل الحضاري ، ووسيلة التكوين ، والتشكيل الثقافي .. إنها وعاء الهوية ، وأداة التواصل بين الأجيال .. هي التراث ، والحاضر ، والمستقبل ، لأنها طريقة الفهم للتراث ، والتاريخ ، والقيم .. لهذا كله ، كانت ، ولا تزال ، مستهدفة من الآخر ، في عملية الصراع ، والاستعمار ، والحوار الحضاري ، فالأمة الي تلغي لغتها في المعهد ، والجامعة ، والمدرسة ، والكتاب ، والمصدر ، والمرجع ، هي أمة متوقفة حضاريًا عن الامتداد والإبداع ، ومهزومة حضاريًا ، إن صح التعبير ، مهما حاولنا التخفيف من آثار ذلك ، والادعاء ، بأن اللغة هي وسيلة تعبير ، وتفاهم فقط ، لا علاقة لها بالتفكير ، أو الفعل الحضاري.
ولا يستع المجال هنا ، أن نعرض لدور القرآن ، في حماية اللغة العربية ، ولماذا أنزل بالعربية ، ودور سلامة اللغة ، في إدراك مدلولات النص القرآني ، وعمليات المسخ ، والتشويه ، والتحريف ، التي لحقت بالنصوص المقدسة الأخرى ، والتمزق ، والتبعثر الديني ، والعقيدي الذي نتج عن ذلك ، بسبب سوء الترجمات التي اتسعت لسوء المقاصد والنوايا.
وسوف تستمر هزيمتنا ، ويتوقف نمونا ، ويغيب إبداعنا ، وتحاصر رسالتنا ، إلى العالم ، طالما أننا نفكر بأوعية الآخرين ، ونصب أفكارهم في عقولنا ، من خلال لغاتهم .