فهرس الكتاب

الصفحة 1412 من 1942

وهكذا خرج المحتل من العراق نهائيًا بعد زهاء ثلاثة عقود من تشكيله حكومته العربية، وكذلك أخرج من سائر أرجاء الأرض العربية، وهكذا سوف يخرج المحتل اليوم بعد ثلاثة عقود من تشكيله حكومته أو قبلها.

وهذه الصورة صورة متكررة عبر تاريخ المسلمين الأول فما أرض من تخومهم أو أراضيهم التي أحتلت في حروب صليبية أو غارات معادية إلاّ ورجعت إسلامية بمجرد رجوع الغازي أو خروجه منها وبطل سحر حضارته التي تبدت للناس إبان الاحتلال على حقيقتها. وكذلك الأمر في التاريخ الحديث ولعل أفغانستان الجريحة وما دار فيها بين أنصار الإسلام وأنصار الشيوعية شاهد قائم، وما سينتهي إليه أمرها مع دولة الاستكبار سوف يكون شاهدًا للأجيال من بعدنا ومن يدري ربما يكون شاهد على هذا لنا، ومثل أفغانستان بلاد الشيشان.

ومع ذلك لم تستفد أمريكا من هذا التاريخ في احتلالها للعراق الواعد بتصدير الحرية والديمقراطية على ظهر الدبابة الأمريكية لأجل سلام ورخاء المنطقة. وليتها لم تستفد من التاريخ وحده بل إنها لم تستفد من دين ساستها البروتستانت الواعد في آخر الزمان بمعركة هرمجدون، ولا أظنهم يتوقعون نشوبها مع نظام ديمقراطي حر يرضونه في المنطقة!

فماذا بقي غير نهب الثروات باسم الديمقراطية، والتوطيد لدولة العدو الصهيوني وتقويض القوى النادة عن الطاعة الأمريكية باسم الحرية؟

ولعل ما غر أمريكا هو نجاحها في تصدير ثقافتها عبر السيف والبندقية والقنبلة النووية في بلدان قهرتها عسكريًا وتفوقت عليها حضاريًا كما في حالها مع اليابان مثلًا، فما أن أُلقيت القنابل النووية، حتى أعلنت البلاد الصفراء الاستسلام والخنوع الكامل بغير مقاومة تذكر وإلى اليوم، وهنا ظنت أمريكا أن مقوم نصرها هو التفوق العسكري وما حسبت أن سر نجاحها هو في تفوقها الحضاري الذي كفل لها البقاء في اليابان بعد مغادرتها!

وكل هذا يظهر أن السيف في الماضي أو الدبابة فما فوقها اليوم آلات، مهمتها فسح المجال لولوج الحضارة وتنوير الناس بها، فإذا كانت تلك الحضارة بمفهومها الشامل الذي ينظر إلى الطبيعة وما ورائها لاتوازي في معتقداتها وتعاليمها وقيمها ومبادئها وأخلاقها ما كان عليه المُتَغَلَّب عليهم بحد السيف أو فوهة البندقية، فجدير بحضارة المُتَغَلِّب أن تزول متى رفع حد السيف أو كُسر، وهذا ما ينبغي لأهل الإسلام السعي في التعجيل به ماداموا يعتقدون بأنه لاصلاح للإنسانية في دنياهم وآخرتهم إلاّ بحضارة الإسلام ومنهجه.

وهذا ما يفسر إنكسار الدول والحكومات الإسلامية دون انكسار الشعوب التي تبقى مقاومتها للحضارة الدون باقية مادام دين الإسلام باق في بنيها وهذا كله إذا لم تكن للمتغلب الظاهر مآرب أخرى ظاهرة غير تصدير حضارته!

وإذا فهم ما سبق فإنه يسرنا أن تصدر إلينا حضارة غربية أو شرقية على ظهر دبابة أو متن مروحية شريطة أن تثبت أنها الأصلح والأنفع وهيهات هيهات. وعليه فإن مصيرها ولابد إلى الزوال والاضمحلال بمجرد اختلال موازين القوى ولو بعد أجيال.

كما لايسؤونا تصدير تلك الحضارة إلى من بها قوام حياتهم إن كان لابد من ترحيلها عبر ظهور المجنزرات والآلات الحربية، ولاسيما إن كانت تلك الحضارة المنقولة أدعى للقبول من قِبَل تلك الشعوب وحينها يكون تحريرهم من الأنظمة الحائلة بينهم وبينها مهمة مقدسة نبيلة.

ولكننا لانرضى بحال أن يعتدي متكبر جبار على قوم لينهب خيراتهم، ويخضعهم لمصالحه وأهوائه، ونرى أن جرمه يتضاعف إذا فعله تحت شعار تصدير الحضارة أوالحرية.

إن أهل الإسلام يرفضون كل دعوى جوفاء بتصدير الحرية أو رغد الحياة من أناس يتفنن جندهم في ابتذال وإهانة من أرسلوا إليهم ومقدساتهم، فكيف ينقل الحرية أو يبعث الأمل من يعد الشذوذ والتعذيب والتنديس للمقدسات من الحرية، أو -على الأقل- أثبتت وقائعه أن رسله لايفهمون معنى الحضارة ولا الحرية!

[1] والذي يقول عن نفسه:'كنت أسمى في صباي المجنون لحركاتي غير المألوفة! وفي شبابي الطائش لنزعاتي إلى الطرب! وفي كهولي الجريء لمقاومتي الاستبداد! وفي شيخوختي الزنديق لمجاهرتي بآرائي الفلسفية! '

قواعد التغيير

العدد 1647 ـ 7 ربيع الأول 1426 هـ

مفكرة الإسلام: هناك مجموعة أصول ومبادئ تكررت على مدى الزمان ولاحظها الذين درسوا هذا الموضوع وأصبحت شبه أصل، وهي كثيرة ولكني سأذكر بعضها:

{إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11] لأن التغيير ينطلق من داخل النفس ولا يفرض على الإنسان.

التغيير المادي أسرع من التغيير الفكري. فمثال الأول أن أبني منزلًا جديدًا أو أغير السيارة أو الأثاث .. فهذه مسائل أسهل كثيرًا من أن أغير فكر أمة .. ولذلك من الخطأ الذي يقع فيه من يحاولون أن يسرعوا من عجلة الحضارة أنهم يركزون كثيرًا على قضية المادة، ونحن نرى أنه في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم لم يهتم ببناء البنايات الضخمة والعمارات الشاهقة والآثار العمرانية التي تبقى عبر الزمن لا في المدينة المنور ولا في مكة، فلم تكن هذه قضية الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن كان اهتمامه بالفرد وبالتغيير الفكري، ولذلك انطلقت حضارة الأمة من مكة والمدينة شرفهما الله؛ لأن التغيير الفكري؛ هو الذي تأصل ثم نتج عنه التغيير المادي.

ونجد في قصص الأنبياء أن إبراهيم عليه السلام كسر الأصنام التي كان يعبدها قومه ولكن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يكسر الأصنام التي كانت تعبدها قريش في المرحلة الأولى من الدعوة، مع أن تكسير الأصنام مطلوب، ونبي الله إبراهيم عليه السلام فعل شيئًا صحيحًا وهو القضاء على هذا الشرك لكن محمدًا صلى الله عليه وسلم فعل الشيء الأكثر فاعلية .. فنبي الله إبراهيم بعد أن فعل ذلك ألقي في النار وتم نفيه من بلده.

ومحمد صلى الله عليه وسلم عمل على تغيير الفكر إلى أن وصل إلى مرحلة أن الذي كسر الأصنام هم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وغيرهما من الذين كانوا يعبدونها من قبل.

إذن كثير من الناس خاصة المتحمسين والشغوفين بالفكر الغربي وبالنهضة المادية الغربية يريدوننا أن سنتعجل الخطوات في الانطلاق نحو التغيير المادي، وهذا أسهل ما يمكن .. لكن المشكلة الكبيرة في تغيير الإنسان، فأنا أستطيع أن أبني ناطحة سحاب وأملأها أجهزة كمبيوتر، لكن إذا كان ساكنوها متخلفين فما فعلت تغييرًا حقيقيًا للحضارة .. والأمر الأصعب هو تغيير الفكر.

دور العلماء:

وهنا يأتي دور علماء العلوم الإنسانية، فالذي يغير الفكر ليس الأطباء ولا المهندسون ولا أهل التكنولوجيا [رغم مكانتهم العظيمة في الحضارة] لكن أهل الأدب والإعلام والفلسفة والاجتماع والدعوة والعلم والفكر وعلى رأسهم علماء الشرع وهم الذين يغيرون فكر الأمة، فإذا تقاعس هؤلاء أو أصبحوا مقلدين لفكر الغربي فعلى الأمة السلام.

فالخطورة لا تأتي من الأطباء أو المهندسين ولكن تأتي من أن ينمسخ هؤلاء المفكرون أصحاب العلوم الإنسانية [يصيرون مسخًا] فتنمسخ الأمة معهم، ومن هنا تأتي خطورة المناهج التي تطبق بالجامعات في جانب العلوم الإنسانية، فليس هناك مشكلة في أن آتي بعلم الهندسة من الغرب أو علم الطب والأعضاء ولكن الخطورة أن آتي بالفلسفة الغربية وأطبقها في عالمنا الإسلامي لأن الفكر هو الذي ينهض بالأمم ويصنع الحضارات.

وهذه مسألة لا يمكن استعجالها ولكن يجب التريث فها حتى تُطبخ على نار هادئة إلى أن تنضج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت