فهرس الكتاب

الصفحة 1413 من 1942

والمطلوب من العلماء والمفكرين ألا ييأسوا، وأن يستمروا في محاولاتهم، أما إذا فقد هؤلاء الأمل فعلى الأمة السلام.

انظروا إلى تاريخ المصلحين على مدى الزمان وعلى رأسهم الأنبياء عليهم السلام سنجد بوضوح أن العملية التي قام بها هؤلاء ليست تغييرًا ماديًا وإنما فكريًا، ومن ذلك نهضت الحضارات.

أيضًا من قواعد التغيير أن الطموحين والمثقفين لديهم استعداد أكبر من غيرهم للتغيير. فالإنسان قليل الثقافة والطموح يرضى بالواقع ويحكمه هذا الواقع ويأسره والذي يقود عملية التغيير هم أهل الفكر والطموح والمشكلة الكبرى أن يصبح أهل الفكر بلا طموح وهذا الذي حدث في الأمة على مدى طويل.

سرعة انهيار الحضارات:

وعند تأملي للتاريخ وجدت أن الأمم تأخذ وقتًا طويلًا إلى أن تصل إلى القمة وتنهار في وقت قصير جدًا انظروا إلى حضارات بابل والإغريق واليونان تجدوا هذا واضحًا، بعكس ما حدث للإسلام الذي ساد الأرض في مائة عام ثم أخذ يتقدم ويزداد إلى أن وصل إلى قمة الحضارة وعندما انهار وصار التخلف والانحطاط في الأمة أخذ حوالي 800 عام .. لماذا؟

لأن كل الحضارات الأخرى قامت على مثقفين وفلاسفة وقادة عسكريين وملوك عظام استطاعوا أن ينهضوا بهذه الحضارة وبناؤهم لها كان بطيئًا لأنهم لا يملكون المنهج الفكري الذي يوصلهم إليها، وعندما مات هؤلاء انهارت حضارتهم.

أما الحضارة الإسلامية فإن قوتها ليس في رجالها بقدر ما هي في أصل المنهج العظيم الذي يتوافق مع طبيعة البشر ومع العقل والمنطق والفلسفة والتكنولوجيا.

وعلماء الغرب وقعوا في صراع غير عادل؛ لأنهم عندما أرادوا أن ينهضوا تصادموا مع الكنيسة.

أما في الإسلام فإن الذين قادوا صناعة الحضارة هم علماء الدين، لذلك فإن من أكبر ما يقع فيه المفكرون من خطر هو المقارنة بين حضارة الإسلام والحضارات الأخرى فليس هناك وجه للمقارنة فالحضارة الإسلامية تمتلك منهجًا يختلف اختلافًا جذريًا عن كل مناهج الأرض ويخطأ من يحاول أن يقيس الدولة الإسلامية بالدولة الغربية لأن الدولة الإسلامية تحمل توافقًا بين الدين والدنيا وبين الفكر والواقع.

وإذا وجد لدينا أصحاب فكر فهذا يجعلنا نطمئن أننا نسير في الاتجاه الصحيح، والحمد لله أن أصحاب الفكر لدينا في ازدياد.

وإذا عدنا للحضارة الإسلامية فإننا نرسم مخططًا سريعًا لها.

ـ نهضة سريعة غير عادية في أقل من 100 عام.

ـ عام 92 هجريًا فتح الأندلس، ثم نهضة عظيمة بمعدل أبطأ استمرت حوالي 400 عام ثم توقفت لمدة 100، ثم انحدار 800 سنة وصل إلى القاع مع سقوط الخلافة عام 1924 م، ثم جاءت حركات التحرر والإصلاح والنهضة فاستطاعت أن توقف هذا الانحدار وجعلته يثبت، ثم بدأنا بالصعود الذي لا يلاحظه كثير من الناس، لأنهم يقيسون الصعود بمقاييس مادية 'وصلنا للقمة أم لا؟ ' عندنا تكنولوجيا أم لا؟ ولكن ليس هذا هو التغيير وإنما هو في الثقافة وفي الطموح وفي الفكر، وقد بدأ في الأمة من جديد وآخر ما سينضج هو السياسية ... فالتغيير يحدث شعبيًا وفكريًا وعقليًا.

فاستعداد الطموحين والمثقفين للتغيير أكبر، كما أنه ينضج بالحوار، وكلما زاد الحوار نضج الإنسان ومما يزيد التغيير ويدعمه أيضًا .. الاحتكاك بالمتميزين.

أمريكا والانهيار الحضاري ... حقيقة أم وهم؟!

الأحد 22 ربيع الأول 1426 هـ -1 مايو 2005 م

مفكرة الإسلام: الحمد لله ناصر المؤمنين، وقامع الكافرين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعد:

[إنَّ التاريخ ـ وبالدقة ذاتها ـ لا يكرر أبدًا نفسه، ولكنه غالبًا ما يوجه صفعاته، إلى أولئك الذين يتجاهلونه كليًا]

بهذا سطَّر أحد أشهر المؤرخين المعاصرين الأمريكان [بول كينيدي] مدير مركز الدراسات الأمنية الدولية بجامعة بيل، وأستاذ التاريخ فيها, وصدق! فإنَّ أمريكا تتجاهل تاريخ الأمم السابقة التي سادت ثمَّ بادت {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ} .

ومن الجيد أن نقارن بين واقع الإدارة الأمريكية بواقع الأمم الكافرة التي تكبرت على منهج ربها وآذت عباده، فلعل الربط بين الواقع الحاضر وتاريخ الماضي يوضِّح لنا دلالات، ويجلي لنا أمورًا غامضات، وقد أمرنا تعالى في محكم التنزيل بأن نعتبر بما وقع للمؤمنين والكافرين من قصص وأخبار حيث قال: {فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى} .

ومن هذا المنطلق فلعلي أربط بين منطق الطغاة في القرآن الكريم وأفعالهم مع المؤمنين، مع منطق طغاة أمريكا وأفعالهم مع عباد الله كافرهم ومسلمهم، كي يُعْلَمَ أنَّ التأريخ يعيد دورة الأيام ولكن بأسماء أخر، وأفعال تبتكر، وجرائم تحضَّر، وما أشبه الليلة بالبارحة!!

ومن جميل كلام الإمام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: [فأمرنا أن نعتبر بأحوال المتقدمين علينا من هذه الأمَّة، وممن قبلها من الأمم، وذكر في غير موضع أنَّ سنَّته في ذلك مطَّردة وعادته مستمرة، فينبغي للعقلاء أن يعتبروا بسنَّة الله وأيَّامه في عباده، ودأب الأمم وعادتهم] .

[انظر: كتاب الجهاد لابن تيمية 2/ 70 ـ جمع الدكتور/ عبد الرحمن عميرة]

وعليه فقد أزمعت الرأي مستعينًا بالله في البحث والكتابة لتوضيح سياسات هذه الدولة ليعتبر المسلم قبل الكافر، مستشرفًا في ذلك المستقبل الذي بدأت خيوط نوره تلمع، وحجب ظلامه تزول وتُقْشَع، بأنَّ مصير هذه الدولة إلى سفول، ولو امتدت الأيام، فحقٌ على الله ما ارتفع شيء إلا وضعه، ولن يبقى إلا الإسلام العظيم يحكم البشرية في أرض الله.

فلن ألتفت إلى الزفَّة الإعلامية الصاخبة التي تظهر هذه الدولة بمظهر الكابوس المخيف، والإمبراطورية التي لا تقهر أو التي بدأت تعيد عهد سالفتها بريطانيا بأنها الدولة التي لا تغيب عنها الشمس، فإنِّي موقن حتمًا بأنَّنا في زمن حجب الحقائق، وتكميم الأفواه، وتغطية العيون، ولن يمنعنا مانع بأن نصدح بحقنا، ونرفع به عقيرتنا، ما أحيانا الله، وقد قال تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ، وما دمنا أحياءً نرزق، وأقلامنا في أيدينا توثق وتطلق، فلنوضح الحقائق، وإذا كانت العبارة الفرنسية تقول: [أعطني سطرًا واحدًا لأكثر الناس حرصًا، وأنا أجد كلمة واحدة يستحق عليها الشنق] ؛ فإنَّ كلام خير الحاكمين يقول: {وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} , ولعلي أستعرض في ثنايا هذا المقال شيئًا من الجرائم الأمريكية مقارنًا مع جرائم من سبقهم من طغاة الأرض، وفراعين الدهر، سائلًا المولى التوفيق في العرض، والسداد في الطرح:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت