فهرس الكتاب

الصفحة 1068 من 1942

فصاحب الحال الأول هو الذي يدعى بالحكمة فإن الحكمة هي العلم بالحق والعمل به ، فالنوع الأكمل من الناس من يعرف الحق ويعمل به فيدعون بالحكمة .

والثاني من يعرف الحق لكن تخالفه نفسه فهذا يوعظ الموعظة الحسنة .

فهاتان هما الطريقان الحكمة والموعظة وعامة الناس يحتاجون إلى هذا وهذا فإن النفس لها أهواء تدعوها إلى خلاف الحق وإن عرفته , فالناس يحتاجون إلى الموعظة الحسنة وإلى الحكمة فلا بد من الدعوة بهذا وهذا .

وأما الجدل فلا يدعى به بل هو من باب دفع الصائل فإذا عارض الحق معارض جودل بالتي هي أحسن ولهذا قال ( وجادلهم ) فجعله فعلا مأمورًا به مع قوله ادعهم فأمره بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة وأمره أن يجادل بالتي هي أحسن .

وقال في الجدال: ( بالتي هي أحسن ) ولم يقل: بالحسنة، كما قال في الموعظة،لأن الجدال فيه مدافعة ومغاضبة فيحتاج أن يكون بالتي هي أحسن حتى يصلح ما فيه من الممانعة والمدافعة , والموعظة لا تدافع كما يدافع المجادل .

فما دام الرجل قابلا للحكمة أو الموعظة الحسنة أو لهما جميعًا لم يحتج إلى مجادلة فإذا مانع جودل بالتي هي أحسن" (1) ."

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله:

"قال تعالى: ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(125) [النحل/125] (2) فذكر سبحانه مراتب الدعوة وجعلها ثلاثة أقسام بحسب حال المدعو:"

فإنه إما أن يكون طالبًا للحق راغبًا فيه محبًا له مؤثرًا له على غيره إذا عرفه فهذا يدعى بالحكمة ولا يحتاج إلى موعظة ولا جدال .

وإما أن يكون معرضًا مشتغلا بضد الحق ولكن لو عرفه عرفه وآثره واتبعه فهذا يحتاج مع الحكمة إلى الموعظة بالترغيب والترهيب .

وإما أن يكون معاندًا معارضًا فهذا يجادل بالتي هي أحسن فإن رجع إلى الحق وإلا انتقل معه من الجدال إلى الجلاد إن أمكن" (3) ."

وكلامهما رحمهما الله متفق في أن المدعوين تتنوع أساليب دعوتهم , وكلها يحتاج إليها بحسب موقفهم من الحق الذي يدعون إليه .

ثانيًا: الأهمية باعتبار أثرها في إظهار الحق وقطع الباطل:

لا شك أن الحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى من يسنده ويظهره في مواجهة المبطلين والمخالفين , والقيام بذلك من لوازم الإيمان ومقتضياته .

وإذا تأملنا في بعض الأدلة التي سبق إيرادها في المشروعية يتبين ذلك بجلاء .

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله:

"لمناظرة المبطل فائدتان: أحدهما أن يرد عن باطله ويرجع إلى الحق ."

الثانية أن ينكف شره وعداوته ويتبين للناس أن الذي معه باطل .

وهذه الوجوه كلها لا يمكن أن تنال بأحسن من حجج القرآن ومناظرته للطوائف فإنه كفيل بذلك على أتم الوجوه لمن تأمله وتدبره ورزق فهما فيه .

وحججه مع أنها في أعلى مراتب الحجج , وهي طريقة أخرى غير طريقة المتكلمين وأرباب الجدل والمعقولات فهي أقرب شيء تناولا وأوضح دلالة وأقوى برهانًا وأبعد من كل شبهة وتشكيك" (4) ."

ثالثًا: الأهمية بالنظر إلى نتائج نماذج منها في تاريخ الدعوة:

تتأكد أهمية المناظرة والجدل في مجال الدعوة بنظرة تأمل لشيء من روائع المناظرات في تاريخ الدعوة .

ولا شك أن القدح المعلى والنصيب الأوفى في ذلك هو لصاحب الرسالة ونبي الله الخاتم محمد صلى الله عليه وآله وسلم , فهو المؤيد بالوحي من ربه , قال تعالى: ( - - رضي الله عنه - تم بحمد الله - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - ( - (( - - رضي الله عنه - - ( صدق الله العظيم - رضي الله عنه -( - - - عليه السلام - قرآن كريم - - ( - - - (( ( ( تمت ( - عليه السلام - قرآن كريم ( - - صدق الله العظيم ( (( (- صلى الله عليه وسلم -- عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - (- رضي الله عنهم -- صلى الله عليه وسلم - قرآن كريم ( - ((5) , وقد ظهر باحتجاجه ومناظراته صلى الله عليه وسلم على المشركين واليهود والنصارى كما أسلفنا .

وهناك مناظرة ابن عباس رضي الله عنهما للخوارج إذ رد الله بها خلقًا كثيرًا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"وكذلك علي رضي الله عنه بعث ابن عباس إلى الخوارج فناظرهم ثم رجع نصفهم ثم قاتل الباقين" (6) .

وهناك مناظرات الإمام أحمد"في خلافة المعتصم بعد أن بقي في الحبس أكثر من سنتين وجمعوا له أهل الكلام من البصرة وغيرها من الجهمية والمعتزلة والنجارية مثل أبي عيسى محمد بن عيسى برغوث صاحب حسين النجار وناظرهم ثلاثة أيام وقطعهم في تلك المناظرات" (7) .

ومناظرة عبد العزيز الكناني لبشر المريسي في خلق القرآن إذ كانت من أسباب ارتفاع محنة عظيمة كان قد ذهب بسببها خلق من المسلمين فأزهقت أنفس معصومة وانتهكت حرمات مصونة (8) .

ومن ذلك مناظرة جرت بين المسلمين والنصارى أمام أحد ملوك التتار وهو الملك بركة خان فكان من نتائجها أن أسلم الملك , ويعد أول ملوكهم إسلامًا . (9)

وفي الهند إبان الاحتلال الإنجليزي لها نشطت حركة التنصير وبث الشبهات بين المسلمين وبسبب ذلك عقدت مناظرة كبرى بين الشيخ رحمت الله الهندي والقس فندر واتفقا على أن المهزوم يدخل في دين المنتصر ويترك دينه , وبدأت المناظرة وفاقت حجج الطرف الإسلامي حجج خصمه , وأثبت الشيخ رحمت الله في اللقاء الأول التحريف في كتاب النصارى في ثمانية مواضع , فلم يتابع النصراني هذه المناظرة وغادر مدينة أكبر أباد التي عقدت فيها المناظرة سرًا في اليوم الثالث , فتشجع المسلمون وارتفعت معونياتهم في مواجهة المنصرين . (10)

ولو ذهبنا نستقرئ المواقف التي رفعت فيها راية السنة مقابل البدعة وراية الإسلام مقابل الكفر في مثل هذه المناظرات والمجادلات الشرعية لطال بنا المقام، ولكن حسبنا الإشارة فيما ذكر .

ومما يجدر التنبيه عليه هو أن الانتصار ليس هدفًا ولا غاية , وإنما الهدف ظهور الحق وإقامة الحجة ( إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ(42) [الأنفال/42] (11) .

الفصل الثالث : ضوابط الدعوة بالمجادلة :

توطئة:

(1) الرد على المنطقيين 1 / 468.

(2) سورة النحل الآية 125.

(3) الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة 4 / 1276.

(4) الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة 4 / 1276.

(5) سورة النجم الآية 3 , 4.

(6) درء تعارض العقل والنقل 7 / 173.

(7) درء تعارض العقل والنقل 7 / 257.

(8) انظر المناظرة كاملة في كتاب الحيدة .

(9) انظر الدعوة إلى الإسلام لتوماس أرنولد ص 258 .

(10) انظر الحوار الإسلامي المسيحي لبسام داود عجك ص 193 - 196.

(11) سورة الأنفال الآية 42 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت