4-تشجيع ودعم المصانع الوطنية، والورش الأهلية للتقليد الصناعي للمنتجات المستوردة.
5-رصد جوائز مالية مغرية لأفض منتج صناعي مقلد.
6-إلزام المصانع الوطنية، بإنشاء أقسام الأبحاث، والتطوير، حتى تسهل النقلة من التقليد إلى الاستيعاب، ومن ثم الإبداع.
7-توثيق الصلات بين الصناعة والجامعة، من أجل مشاركة الجامعيين في بحوث التصميم والتطوير، وفي مجالات التعليم المستمر، للعاملين في ميدان الصناعة.
منهج الخروج من المحنة
الآن وقد استبانت لنا محنة الإنسان المسلم، مع عصره وحضارته الباسقة، وبعد أن تحدد الشرطان اللازمان لخروجه منها، وبعد أن تأكد دور التقنية الحديثة في حضارة اليوم، وكيف نواجه تطورها ونواكب تقدمها. يبقى لنا أن نستعرض ما نعتقد أنه دراسة موضوعية ومنهج يحدد معالم طريق الخروج من المحنة، ومواجهة التحدي الذي فرضته حضارة باذخة مسيطرة بإنجازات تقنية هائلة، تُعمق الفجوة الحضارية، بين المسلم وعالمه المعاصر، إذ لا أقل من أن نبحث ـ ونحن نستمسك بعرى ديننا الحنيف ـ عن منهج يسد الفجوة، ويقيم جسور عبور لمركبة التنمية التي تحمل التقدم، والتطور، والنماء.
ركائز المنهج
يقوم المنهج الذي نقترحه على الركائز التالية:
الركيزة الأولى: شحذ الفعالية الروحية في الفرد والأمة:
إن قدرة أمتنا ـ وهي ترنو إلى وصل حاضرها الماثل، بماضيها المجيد ـ على شحذ الفعالية الروحية، وتحريك الدوافع، والبواعث، والنوازع، والكوامن في أرجائها ـ كافة، نحو المقاصد، والغايات، والأهداف، التي تصب بروافدها تجاه الإعداد الحضاري الواجب، هي قدرة موفورة مذخورة.
ومحور هذه العملية الروحية والحضارية، هو الإنسان، بل إن شئت فقل: إن الإنسان هو الخلية الحضارية الأولى، التي يجب تكوينها، وبناؤها، ورعايتها، المتناغمة مع شروط النهضة، وحيثيات الحضارة. إننا إذا اهتممنا بهذا الإنسان، ونمينا قدراته، وصقلنا مواهبه، ونفضنا عن عزيمته غبار التخلف، وشحذنا فعاليته، وفجرنا طاقاته، استيقظت روح العمل فيه، وتدفق عطاؤه، وغدا بإمكاناته الروحية والمادية مستعدًا للتلقي والإبداع، وملاحقة العصر، ومواكبة حضارته، بنظرة ثاقبة، وبصيرة نيرة، وعزيمة وثابه، تتجاوز مظاهر الخمول والكسل، وجميع صور البريق والزيف، والجمود، والتقوقع، وعبر كل هذا إلى أمل الحضارة، ولب المدنية، وجوهر التقدم.
إن الروحية الخاملة لا مكان لها اليوم في دنيا الناس، ولا قيمة لها أبدًا في آفاق الحضارة، ولا شك أن نصيب أمتنا من هذا الخمول الروحي أمر يفوق الوصف، فقد زحف على كل مقدراتنا ومقوماتنا الحضارية، حتى صارت منه وبسببه خرابًا بلقعًا، وقد تم هذا مع الأسى والحسرة، وبين يدي أمتنا رصيدها الضخم، وميراثها العظيم، من هذه المقومات العملاقة، التي يفيض بها دينها في كل نص، وأثر، وشعيرة من آثارها ونصوصها، وشعائرها.
إن الروحيات الفعالة في النفس المسلمة، إنما ترتبط بصورة مباشرة بعمق الإيمان، ومقدار الإخلاص للعقيدة، والاستمساك بقيمها ومبادئها.
وإذا كان ولابد للفعالية من مثيرات، ومستحثات، ومكونات فإنني ألمح في طليعتها:
* البيت بدوره الأساسي المطلوب.
* المدرسة بمناهجها الدينية المتلاقية والمتناغمة، وطرائقها المؤثرة المنتجة.
* المناخ العام، الذي تسهم به وفيه سائر المؤسسات، والهيئات ذات التأثير المباشر كافة.
* القدوة الصالحة.
إن دور البيت في شحذ الفعالية الروحية، هو أول الطريق، حيث يبدأ في رحابه الإعداد والتهيئة، ثم المتابعة المباشرة، لعملية التلقي التربوي في المسجد، والمدرسة، والجامعة.
وإذا لم يمارس البيت دوره، فإن مجهود هذه المؤسسات يظل ناقصا مهما تعاظم، والفعالية تبقى قاصرة مهما ارتفعت.
والتربية الدينية في المدرسة، طليعة المصادر الأساسية، لتنمية الأشواق الروحية في الأمة؛ لذا فإن برامجها يجب أن تكون على مستوى نبعها الدفّاق، بإثارة هذه الأشواق وتنميتها، ثم على مستوى الواجب المأمول منها، من حيث تلقائية الحلقات، وتناغمها، وحيوية العطاء وديناميكية الأسلوب، ومعاصرة الحلول، واتساق العلاج للمشكلات العصرية، وجاذبية العرض، والتركيز القوي على عملية التعلم من جانب الطالب، دون عملية التعليم من جانب المدرس، والحرص على بساطة الأسلوب، وعمق المفهوم، مع البعد عن القوالب الجامدة، والأنماط العتيقة، وعلى أن يصب هذا بجميع روافده ومعطياته، في قاع الشبيبة، وعقول الناشئة، إيمانًا، ونقاءً، وطهارة،ومناقب، ومحامد، وأخلاقًا، وسلوكًا، وقيمًا، ومثلًا، تغدوا في حياتهم خير حافز لهم، وأعظم عنوان عليهم.
وأما المناخ العام، فإنما نعني به المصلحة الانعكاسية لعطاء سائر المؤسسات، والهيئات التربوية، والتوجيهية، والإصلاحية، ذات التأثير، المباشر، وغير المباشر، في تأصيل الانتماء، وتأكيد الولاء للدين، والأمة والوطن، وزرع ركائزه في النفس المسلمة، وبسط أروقته في أرجاء الأمة، وشتى مواقعها.
هذا المناخ العام، إنما يسوق المجتمع كله في مسار جمعيّ، ويتوجه به توجها جمعيًا نحو الخريطة الحضارية المرسومة له. وهو وثيق الأواصر، بربه، ودينه، وقيمه، ومثله، ووطنه، ومجتمعه، يطوع لها حضارة عصره، أو يبدعها على هديه ووفق منظومته الحاكمة.
وأما القدوة الصالحة، التي تمارس دورها في شحذ الفعالية الروحية للأمة، فإنما نعني بها تلكم النماذج القيمة الرائدة، التي تقع على كواهلها، مهمة التغيير الديناميكي، عن طريق القيادة العملية، غير المنظورة، وغير المباشرة، والتي تتولى في نفسها، وبسلوكها، تجسيد المفاهيم، وترجمة القيم، والتعبير المثالي عن واقعيتها، دون جلبة أو ضجيج، ولكن بلغ واقعية مأنوسة اللهجة. إنها باختصار شديد، لغة العمل، ولهجة الواقع.
تلكم التي تفوق أبلغ المواعظ والدروس، وتختصر الطريق في مقام التربية والتوجيه، والتغيير، والإصلاح، والحضارة، والتقدم.
وتحضرني بهذه المناسبة قصة ذلك العالم القدوة، الذي آتاه الله ملكة الخطبة المؤثرة، ومقدرة الحديث المشوق، والذي كان بمثابة المحور الروحي للناس، يلتفون حوله، ويتعشقون سماعه، ويتلهفون إلى عظته، وما أن ينفض مجلسه، حتى يتطلعون إلى لقائه.
اقترب منه عبد ضاق ذرعًا برقه وعبوديته، وتاقت نفسه إلى الحرية، وهمس في أذنه برجاء أن تكون خطبة وعظه القادمة عن عتق الرقيق، لعل الله يهدي سيده ـ وكان من المواظبين على سماع الشيخ ـ فيتأثر بالخطبة، فيعتقه، فوعده الشيخ بذلك، وطال على العبد انتظاره في أن يبر الشيخ بوعده، حتى كان يوم تحدث فيه عن العتق، وما فيه من مثوبة وأجر، وما يناله المعتق من رضوان الله ومثوبته، وما يشعر به من سعادة وبهجة، وقد اقتحم العقبة، وفك رقبة، وحررها من إسار العبودية، وكان الشيخ كعادته موفقًا مؤثرًا، حين لمس بحديثه شغاف القلوب، فنالت الموعظة من قلب سيد العبد مكانها فأعتقه، وتحققت أمنية العبد، ونالت نفسه بغيتها، فجاء إلى الشيخ الواعظ يشكره، ويحمد له صنيعه، ثم عاتبه على تأخره، في إنجاز وعده، حتى كاد اليأس، أن يبلغ منه مبلغه، فأجابه الواعظ بتأثر واضح: لقد كنت أملك عبد يقوم على خدمتي، ويقضي حوائجي، وأنا في هذه السن المتقدمة، وأردت أن أعتقه، واحتجب إلى كل هذا الوقت، لجمع المال كي أستأجر به من يؤدي عمله بعد عتقه.
لقد أراد الشيخ الواعظ، أن يبدأ بنفسه، قبل أن يعظ غيره، فجاءت خطبته بكل الصدق، والعمق، والتفاعل، وكان فعلًا، قدوة لسواه؛ حيث لم تنفصم عظته عن فعله.