فهرس الكتاب

الصفحة 1676 من 1942

والله تعالى يلفتنا إلى هذا فيقول:

(يا أيُّها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتًا عند الله أنْ تقُولُوا ما لا تفعلون ) (الصف 2ـ3 )

وينعى على أهل الكتاب عدم التزامهم فيقول:

(أتأمرون الناس بالبِّر، وتنسون أنفسكم، وأنت تتلون الكتاب أفلا تعقلون ) (البقرة440 ) .

ويقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم:

(( يُجاء بالرجل يومَ القيامة، فيُلقى في النار، فتندلق أقتابُهُ، فيدورُ كما يدورُ الحمارُ برحاهُ، فيجتمعُ أهل النار عليه، فيقولون: يا فلان ما شأنُك أليس كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروفِ ولا آتيهِ، وأنهاكم عن الشر وآتيه ) ) (رواه مسلم ) .

ورغم الأهمية القصوى، لشحذ الفعالية الروحية، في مرحلة الإقلاع الحضاري، فإن الحاجة لهذه المهمة تظل قائمة، لاستمرارية الحضارة، وعندما تنسى الأمة هذه المهمة، تبدأ مشاكلها مع البقاء.

ولكن من الذي يقوم بمهمة شحذ الفعالية الروحية، بعناصرها الأربعة السالفة في الأمة؟

إنها مهمة النفر القدوة المؤمنين، الموقنين، والقادرين، على مخاطبة عقول الأمة، وإيقاظ مشاعرها، وتشخيص عللها، وتوصيف الحلول العملية لمشكلاتها، حتى توجد لديها القدرة، على مواجهة تحديثات الحضارة، ومعطياتها الجديدة، وتتوافر عندها الإمكانات لترجمة رسالة الإيمان إلى تصور ذهبي، وسلوك حضاري، يُعني بالقدوة ، أكثر مما يضيء بالفلسفة، وتجتمع عليه القلوب، وتلتقي عليه الأفئدة، فينساب في جماعية نلمسها في تصرف جموع الأمة.

ثم هي أيضا مهمة جميع المؤسسات الإعلامية، والعلمية، والتربوية، التي لا بد لها أن تفرغ لشحذ الفعالية الحضارية، وإثارة الوعي الحضاري.

الركيزة الثانية: استيعاب حضارة العصر استيعابا كاملا

هناك حقائق لا مراء فيها، تبدو واضحة للدارس المتبصر، في تاريخ الحضارات، وحضارة الغرب المعاصرة على وجه الخصوص، نسردها فيما يلي كمدخل لشحذ قدرات أمتنا، وفعاليتها العلمية.

الحقيقة الأولى:

إن حضارة العصر التي تبدو لنا في غاية التعقيد، قامت على أساس العلم، ومدخلنا إليها لن يكون إلا عن طريق شحذ الفعالية العلمية للأمة، وسبيلنا إلى شحذ الفعالية العلمية هو جهازنا التعليمي المتطور.

الحقيقة الثانية:

إن التقنية الحديثة، نشأت في الغرب من تزاوج العلم والحرفة، ثم من إصرار المجتمع الغربي على هذا التزاوج، في صورة مراكز لتطوير الصناعات المختلفة.

الحقيقة الثالثة:

إن أرباب التقنية الحديثة لن يسمحوا بتعليم دقائقها لآخرين. هذا هو الواقع في عالمنا المعاصر. وعلينا أن نعي جيدا، أنه لن يمكننا الحصول على دقائق المعاصرة، حتى لو دفعنا من أجلها المال الوفير.

وفي ضوء هذه الحقائق، يجب علينا أن ندرك: أن طريقنا إلى التقنية الحديثة، لابد أن يمر بمراحل علمية تشبه التطور الزمني في بلاد الغرب، وليس منها ـ بطبيعة الحال ـ ما يسمى بـ (( نقل التقنية ) )من دولة متقدمة إلى دولة متأخرة.

إن التقنية (( لا تنقل ) )بالأجهزة والمعدات، ولكنها (( تستنبت ) )بالجهد والمجاهدة، و (( تستوعب ) )بالصبر والمثابرة، وتنمو بالعزيمة والإصرار، وقد آن الأوان لمن يعيش في وهم (( نقل التقنية ) )أن يستيقظ على الحقيقة.

إن أمتنا تستطيع ـ كما أشرنا إلى ذلك من قبل ـ أن تُسْقط عمر الحضارة العلمية، والتقنية المعاصره على عمر الإنسان فيها، فتبدأ معه منذ الطفولة، تَعلمه من خلال المزاوجة بين العلم والحرفة، وتأخذ بيده، لكي يتعلم، أن طريق التطور التقني طويل وشاق، وأن السير عليه يتطلب الثبات، والإصرار، والمثابرة.

على أن علينا أن نذكّر مرة أخرى، بضروريات لابد من مراعاتها، وفهمها، في عملية (( الاستيعاب ) )الكامل للحضارة التقنية المعاصرة، سبق أن فصلناها من قبل، ونوجزها هنا فيما يلي:

* إن (( الاستيعاب ) )الكامل للحضارة التقنية المعاصرة، يعني استيعاب الأصول والطرائق والنظم. أما الدقائق، فهذه لا يمكن لأصحاب الحضارة منحها، وإنما تدرك بالممارسة الواعية، والتفاعل البناء.

* ألا تسبق الحالة العلمية للأمة، الحالة التقنية فيه بكثير، وإلا أدى ذلك إلى انفصال العلم عن التقنية.

* لا يمنع ذلك من وجود فئة من المتخصصين في الجامعات، ومراكز البحوث، توقف نفسها للعلوم، وتتوفر عليها عند مشارفها، وتكون مهمتها التطوير المستمر للعلوم، لتصبح أكثر ملاءمة لتحقيق الهدف التقني المنشود.

إن (( استيعاب ) )العصر بحضارته الباسقة، وتحدياتها المضنية، ليس مقالًا يكتب، أو كتابا ينشر، أو حديثا يذاع، أو خطبة تلقى، أو كلامًا يقال، أو بضاعة تباع، ولكنه معاناة، وجهاد، تسهم فيه الأمة، بكل مؤسساتها، ومعاهدها، ومعاملها، ورجالها، وتعقد عليه العزم للبناء، والمثابرة، وتسقط في سبيله من حياتها، مظاهر الترف والدعة، والركون إلى الاستسلام والتواكل، حتى تستطيع أن تتهيأ لعملية الاستيعاب المعاصر، وتقيم البناء الحضاري على عمد ثابتة راسخة ومتينة، تلتزم فيه ومن خلاله، بإعادة النظر بصورة جذرية ومعمقة، في كل نظم حياتها، ووسائل معيشتها، في إطار عقيدتها السمحة، وفي نطاق قيمها الرفيعة، متمسكة بالسير على طريق الحق المستقيم، وهو طريق واضح وبين، وإن توالت خطواتها عليه بإذن ربها، تحقق وعده لها، مصداقا لقوله جل شأنه:

(وأنْ لَوِ اسْتَقَامُوا على الطَّرِيقَةِ لأسْقَيْناهُم ماءً غَدَقًا ) (( الجن:16 ) )صدق الله العظيم.

الركيزة الثالثة: تبني أساليب الحضارة المعاصرة أو إبداع البدائل:

إن المسلمين ـ بيقين ـ يملكون عقيدة سماوية كاملة، بمجموعة قيمها الحية، ومبادئها الفعالة. وأسسها الصحيحة، ومعانيها السامية، التي كانت وستظل إلى يوم الدين، نبراسًا لهم وللإنسانية عامة، تحثهم على الخير، وتدفعهم إلى النهوض والسمو، وكانت وستظل سياجًا واقيًا لهم من الهبوط والتدني، وجسرًا متينا يصلهم بعصرهم، ويربطهم بحضارته.

أجل: إننا ـ نحن المسلمين دون سوانا من خلق الله ـ نملك هذا الرصيد القيمي الضخم .. الذي يعتبر في ذاته خميرة البقاء، وتكمن في حناياه أسرار التقدم، وتستقر في رحمه خلايا الانطلاق والحضارة، وتتمركز في جوهره الركائز الأساسية، والشروط الضرورية للبعث الحضاري، ولكننا ـ للأسف ـ نملك النظم، فلا مناص لنا من أن نكون بإزاء هذا وذاك، وجها لوجه أمام خيارين، لا مفر منهما:

الخيار الأول:

أن نتبنى المؤسسات الحضارية الغربية بوضعها الحالي، آخذين في الاعتبار أن نظمها الحاكمة، ومدخلاتها الإنتاجية، تحتاج إلى تعديل، وتبديل، يأتي عن طريق الممارسة، والتجربة، والإصرار على تحقيق المباديء والقيم، والأخلاقيات في النظم المعدلة، للوصول بها إلى معطياتها الحضارية، دون التأثير بسلبياتها الاجتماعية، والفكرية.

الخيار الثاني:

أن نبدع البدائل، وهذا أمر لا يفتي فيه إلا المتخصص، في أعمال مثل هذه المؤسسات.

إن خيار إبداع البدائل للنظم، لابد من أن يوضح، ويحدد دور الفقهاء، وعلماء الشريعة بيننا، وهو دور العين السحرية الثاقبة، المتبصرة في نهاية خط الإنتاج.

بمعنى: أنه دور التحكم في النوعية، التي تحكمها المبادئ، والقيم والأخلاقيات الإسلامية، فما وافقها من النظم مضى، وما خالفها يعاد لأهل الاختصاص، للتغيير والتبديل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت