فهرس الكتاب

الصفحة 1677 من 1942

ونؤكد هنا: أن أهل الاختصاص، هم القادرون دون سواهم، على التغيير والتبديل؛ من حيث بات من السمات الواضحة، لعالم الحضارة المعاصرة، أنه عالم التخصص، في كل شيء، ولا سيما في مجالات العلوم، والمعرفة، والتقنية، حتى غدا الأمر، وكأن في كل فرع من فروع العلوم الإنسانية، والتطبيقية، والمجردة، مدارس متخصصة تنبثق عنها دقائق وتفصيلات، يوقف علماء وباحثون حياتهم عليها في محاريب العلم، ومعامل التجارب.

فمهمة إبداع البدائل، لا بد أن يضطلع بها متخصص في دراسات النظم، التي تحكم مؤسسات شبيهة بالمؤسسات المرجوة كما أسلفنا، آخذين في الاعتبار أن البديل المقترح، إنما هو من قبيل المحاولة الإسلامية وليس هو الإسلام؛ لأننا من خلال التجربة والاحتكاك قد نكتشف تقصير النظم المقترحة، في تحقيق كل جوانب مبادئنا وقيمنا، وأخلاقياتنا، فنلجأ إلى تغيير هذه النظم، أو إصلاحها حتى تكون أكثر تحقيقا لما ندين له، ونؤمن به.

والحق: أن الصراط المستقيم في مثل هذا، ليس واضحًا من غير هداية الله تعالى، وهدايته لا تأتي إلا باستمرار المجاهدة وديمومتها، من أجل هذا فإننا نتوجه إلى الله تعالى في كل صلاة ضارعين إليه: (( اهدنا الصراط المستقيم ) ) (الفاتحة:6 ) ، آملين في وعده: (( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ) ) (العنكبوت:69 ) .

والحق الذي نؤمن به، أن القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، قد اشتملا على جميع الأصول العامة، والقواعد الكلية، والمبادئ والقيم والأخلاقيات كلها اللازمة لانبثاق أرقى النظم الحضارية، وهذه الثوابت في حد ذاتها كافية جدا لهذا المهمة.

أما النظم الحضارية نفسها، فهي محاولات بشرية، تنطلق من القيود كلها، إلا القيود الأخلاقية، والمبادئ الأساسية، والأطر القيمية، التي يحددها الكتاب والسنة، وهما ـ بيقين ـ خير أساس لقيام حضارة إنسانية مثلى، لا تطاولها حضارة.

الركيزة الرابعة: ضرورة التفاعل بين ديناميكية الأفكار .. وديناميكية النظم

لقد عرّف ابن خلدون، الحضارة في مقدمته بأنها: نمط من الحياة المستقرة ينشئ القرى والأمصار، ويضفي على حياة أصحابها، فنونا منتظمة من العيش، والاجتماع، والعمل، والعلم، والصناعة، وإدارة شؤون الحياة، والحكم، وترتيب وسائل الراحة والرفاهية. وهذا القول يعني: أن الحضارة، ترتكز على ركيزتين أساسيتين هما: (( الثقافة ) (( المدنية ) ).

و (( الثقافة ) )تعني: التطور في الأفكار النظرية، لنظم السياسة، ونظريات الاقتصاد. وأسس القانون، ومبادئ التاريخ وغيرها، من العلوم الإنسانية والاجتماعية.

و (( المدنية ) )تعني: التقدم في العلوم العملية، والتجريبية، كالطب والصيدلة، والهندسة، والزراعة، والكيمياء، وما إليها، مما يرتبط بالقرى والأمصار، على حد تعبير ابن خلدون، فلا يمكن للطب أن يمارس، أو يتطور، دون وجود مستشفيات، ومرافق علاج، ولا الهندسة أن تُطبق، دون وجود ورش، ومعامل، وتجارب، ولا الاختبارات الزراعية أن تجرى دون أن ترتبط بالحقول والمزارع.

ولا شك أن (( الثقافة ) (( المدنية ) )، هما العنصران الأساسيان للحضارة، تلتحمان، وتتكاملان. على برامج التعليم ـ إن أرادت أن تكون ذات مفعول حضاري متطور ـ أن تعبر عن هذا التكامل، والتلاحم بين الثقافة والمدنية.

من هذا نستخلص: أن مدلول الحضارة هو مزيج من الرقي، في مجالات شتى: كالأخلاق، والسلوك والتربية، والعلوم التجريبية، والبحتة.

ومفهوم الحضارة الإسلامية، يحتوي هذا المدلول، ويتجاوزه إلى مفهوم عقدي، وفكري، ووظيفي أوسع وأعمق، وحري بأمتنا، التي تستهدف الحضارة، وتستعد لها، أن تتشبث بهذا المفهوم الفكري الإيماني للحضارة، وألا تفرط في التسلسل المنطقي لإنشائها، حتى يمكنها البدء في دورة حضارية جديدة، تمهيدا للبعث الحضاري المنشود، وأن تحرص على أن يرتكز الجانب المادي للحضارة، على الجانب الفكري الذاتي لأمتنا، لتنشأ حضارتنا في نطاق مناخنا الروحي، المشبع بصفاء العقيدة، الفواح بشذا المبادئ، وأنفاس القيم.

على أن الحالة الفكرية لأية أمة من الأمم تتكون عادة من ثلاثة ألوان من الفكر هي:

1-الفكر التراثي:

وهو عبارة عن تراكمات فكرية تراثية، بكل ما فيها من إيجابيات وسلبيات، وحوافز ومثبطات، وصعود وهبوط، وتقدم وانحطاط. وموقف الأمة من هذا الفكر، أجدى أن يكون موقف الباحث الأمين في دربه، المقلب في نظرياته، المتمكن من الأخذ منه بما يحقق الأصالة، ويبرز شخصية الأمة، في توازن وقصد، لا إفراط فيه ولا تفريط.

2-الفكر الوافد (الغازي) :

وهو الفكر الغازي المتسرب من الحضارات المعاصرة، وهو أخطر ما تواجهه الأمة في انطلاقاتها نحو حضارة عصرية حديثة؛ لأن أجنبي التربة، غريب النزعة.

وموقف الأمة منه، أحرى أن يكون موقف الحذر والتيقظ، تأخذ منه ما يتناسب مع قيمها، وتفتح له من النوافذ، بقدر ما يتلاءم مع تصوراتها للمبادئ الإنسانية، كما عرفها لها ديننا الحنيف.

3-الفكر الذاتي:

وهو ذلك البناء العقلي، الذي ينمو من مجموعة القيم والمبادئ، التي تمثل عقيدة الأمة، والذي استقر في وجدانها، عن طريق الإسلام، الذي تؤمن به، وترسب في ذهنها، على أيدي رجال أوتوا الحكمة. (( ومن يُؤْتَ الحكمة فقد أُوتى خيرًا كثيرًا ) ) ( البقرة:269 ) .

إن تعاقب الأجيال، وقيام حضارات، واندثار أخرى، ليجعلنا نؤكد على أن الأفكار يجب ألا تورث مع الأرض. وإنما هي مهمة كل جيل، أن يبصر لنفسه، وكذلك الحال في عالم النظم، التي هي وليدة عالم الأفكار، من حيث كانت ديناميكية الأفكار تستدعي ديناميكية النظم، وديناميكية النظم، تستدعي، ديناميكية الأفكار وهكذا يدور كل منها مع الآخر ، وجودًا وعدمًا، وتكون النتيجة تبعا لذلك، طردًا وعكسًا من حيث: (( السمو الحضاري ) )أو (( الانحطاط الحضاري ) ).

الركيزة الخامسة: تمييز الحضارة المعاصرة وتصحيح النظرة إليها

إن التحديات الحضارية المعاصرة، تقتضينا بالضرورة، أن نصحح نظرتنا إلى الحضارة الغربية المعاصرة، المسيطرة على مجريات الأحداث، في كل أرجاء الأرض، بنظمها، وأدواتها، ومنجزاتها، وكل ما يصدر عنها، وهذا التصحيح، ما يأتي من خلال البحث في دروبها، عن الإيجابيات التي تزخر بها، كي نستفيد منها، ونقلدها، ونحتوي سبلها، وعن السلبيات التي تلتصق بها، لعزلها، حتى لا نتأثر بها، وبذلكم، يكون موقفنا من هذه الحضارة، موقفًا موضوعيًا محايدًا نكثف فيه جهودنا على الإعداد، ونركز فيه طاقاتنا على الاحتشاد، لدورة حضارية جديدة، وإقلاع حضاري رشيد.

وإذا استلهمنا تاريخنا، وجدنا أن أسلافنا المسلمين، قد أفادوا من سوابق النظم الساسانية، والبيزنطية، التي وجدوها في البلاد المفتوحة، في كل مجال، وأخذوا منها ما وافق مبادئ الإسلام العامة، وكلياته، وأصوله، ولم يتعارض مع أحكامه القطعية، وبدا ذلك (( الاقتباس المباح ) )، جليا في بعض جوانب تراثنا. فاستفادت الأمة من مناخ هاتين الحضارتين، وتمثلت خير ما فيهما، ثم تجاوزته، بما قدمت من منجزات، ذات خصائص قيمية، تصل إلى عمق (( الكيف ) (( الجوهر ) )، ولا تقف عند حدود (( الكم ) )، و (( الشكل ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت