كما لم يأخذ أسلافنا لحضارتهم (( ميثولوجيا ) )اليونان، أو نحتهم، ومعنى هذا: ألا تقبل أمتنا جزئيات الحضارة القائمة، ومفرداتها كلها، بل عليها أن تحكم معايير قيمها، وإيحاءات دينها، في تحديد (( الإيجابيات ) )و (( السلبيات ) )، وتقرر ماذا تأخذ، وماذا تدع وأن تستفيد من خبرات أهل الحضارة المعاصرة أنفسهم، في (( نقد ) )حضارتهم، وتحليل أزمتها ومعضلاتها، كافتقاد العفاف، والطهر، في بعض مظاهر حياتها، وشيوع التحلل الخلقي، عند قطاعات من مجتمعاتها، والسفه المدمر في الإنفاق على التسليح، وإنتاج أسلحة الدمار، والتوسع المهول، في وسائل الترف والزينة، والاستهلاك لمجرد الاستهلاك، والإعلام المطلق لترويج المنتجات، وتسلط المادية القاتلة، والأنانية المسفة، والجمود العاطفي، والتفسخ الأسري، والإبادة الجماعية، وإفرازات القلق، والموت الجماعي، حتى بدا وكأن الإنسان قد تحول في ظل التقدم التقني الرهيب، إلى (( آلة ) )، أو (( رقم ) )أو (( نمط ) )مطرد لا تفرد فيه؛ أو تحول (( الإنسان ) )إلى عاهة مرضية مكررة من: (( التمزق ) )، و (( القلق ) )و (( الضياع ) )، و (( الاغتراب ) ). ومع ذلك فللحضارة الراهنة منجزات، لها قيمتها غير المنكورة في مجالات: (( النظم ) )، و (( الفكر ) )السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي، فضلا عن مجالات التقدم التقني. وأمتنا أحوج ما تكون، للإفادة من وسائلها المنهجية في البحث، وأساليبها في العرض، والنشر، والإعلام، والمؤسسات السياسية، والإدارية، والقضائية، والتعليمية، والاقتصادية على سائر المستويات.
لا ينبغي للأمة أن تعزل نفسها، عن المناخ والتيار الحضاريين الراهنين، وإلاّ تكون قد حكمت على نفسها بالتيبس، والجمود، والانقراض، وبقيت الحضارة الراهنة في شوطها، وإلى أجلها المقدور.
أجل: إن اللحاق بحضارة العصر يتنافى مع اعتزالها. كما أنه أيضا لا يعني (( احتضان ) )كل ما فيها على حالاته وعلاته، من غير فرز، ولا تصنيف، ولا انتقاء تقتضيه قيمنا، وزماننا، وبيئتنا، وبنيتنا، وتركيبنا الديني، والنفسي، والخلقي، والاجتماعي، وإلا وقعنا ثانية، فيما وقعنا فيه من قبل، فعندما نقلنا العلوم الإنسانية من الغرب، نقلناها بحرفيتها، مع أنها علوم قيمية، وليست علوما بحتة مجردة . . فبناء شخصية الطفل المسلم مثلا في العالم الإسلامي، تختلف عنه في الحضارة الغربية، (( والسيكلوجية ) )في العالم الإسلامي، تختلف عنه في الحضارة الغربية، (( والسيكلوجية ) )المطلوبة لهذا الطفل، تختلف عنها بالنسبة للطفل الغربي .. وعلم الاجتماع الذي يقوم عندنا على التكافل والتراحم اللذان أمر بها الدين، ونظر إلى الاجتماع الإنساني على أنه عبادة، يختلف عن علم الاجتماع في مجتمع يتطاحن ويتصارع، والبقاء فيه للأقوى.. وعلم الاقتصاد الذي يقوم في الغرب، في شقه هذا أو ذاك على المنفعة، يقوم في الإسلام على مجموعة من المبادئ العليا.
والحق .. أن قبول كل ما لدى الغرب دون تمييز، وفحص، وانتقاء، إن هو إلا مظهر من مظاهر القابلية للاستعمار، والارتماء في أحضانه، دون قناعة، طائعين، أو كارهين، إذ ليس الاستعمار فقد، مجرد جيوش جرارة، ومعسكرات، واحتلال مادي، خطر لبقاعنا وبلادنا، ولكنه أيضا وبصورة أخطر، استعمار الأدمغة والعقول، والأخلاق والسلوك، والايديولوجيات والمذاهب.
إن أمتنا ـ بل والإنسانية جميعا ـ في أمس الحاجة إلى الحضارة المؤسسة على: ركائز الوحي، وهداية الحق، وإلهام القيم، وتلكم جميعا بحمد الله متوافرة عندنا. ولديها القدرة الكاملة، على أن تعالج كل أدواء الإنسانية، من تخلف وفراغ، وخلل، وانحطاط، دون أن تتجاهل الواقع الآني للحضارة المعاصرة، وما تحقق فيها من مكاسب، وإيجابيات، ودون أن تصاب بسلبياتها، وجراثيمها، ومن غير أن تفرط قيد أنملة في أصولها الكلية، وثوابتها الخالدة، وجزئياتها القطعية.
الركيزة السادسة: حماية المنجزات الحضارية للأمة
منجزات الحضارة هي ثمار العمل الدائب، والجهد المضني، والتضحية الغالية، من الأمة جميعا، وحماية منجزات الحضارة، تعني أول ما تعني: أن المؤسسات الحضارية متطورة في عملها، متقدمة في نظمها، حركية في إنجازاتها.
ولعلنا نتفق، على أن قدرة الأمة على حماية نفسها، مما عرف بأمراض الحضارة، إبان تلقيها للعملية الحضارية، وفي مرحلة إقلاعها الحضاري أمر مهم وحيوي، وجزء لا يتجزأ من الإعداد الحضاري، والتواكب الواقعي مع الحضارة. وواقع أمم الحضارة يعج بمختلف المتناقضات، والعلل الإنسانية، والفكرية، والاجتماعية، والسلوكية، التي لا تخفي على أحد،. كما أن شيوع مذاهب النفعية، والتبرير فيها، ونبذ الضوابط، والخروج على الأعراف، والنظم، والمبادئ، والقيم المحلية، والعالمية أصبحت أمورا لا يقبلها عاقل.
إن العمل على حماية المؤسسات الحضارية في أمتنا، إنما يستهدف التأكيد على عصمة المنطلق، واستقامة الدرب، وانضباط الخط، بما يتناغم مع إيحاءات عقيدتنا السمحة، ومعطيات ديننا العالمي الحضاري، الخالد الخاتم، وهذه الحماية لها شقان: ذاتي وخارجي..
الشق الذاتي:
ونعني به أن يتسم الفرد المسلم، بأعلى سمات الحرص، واليقظة والتبصر؛ حتى يحمي مجتمعه، ويحرس المنجزات الحضارية لأمته، وحتى يظل التجاوب الواعي منه لكل ما يمر به مجتمعه من تحولات وتغيرات، ذا أثر متجدد، ومردود فعال، يفرض حول المجتمع سياجا من الضمانات، لحماية قيمة الصالحة، من الذبول والزوال.
إن هذا الشق مطلوب، لحماية المنجزات الحضارية، من الأمراض التي تصيب الحضارات، عندما يصاب المجتمع بالغفلة والوهن. ويركن إلى الترف والدعة، وينسى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحيط به ملذاته وأهواؤه ، وتصدأ نفسه فيصبح عالة على غيره من الأمم: (( زبونا ) )يأكل ما يزرعون، ويلبس ما ينسجون، ويستهلك ما يصنعون .. ثم هو مطلوب لديمومة التعديل في النظم، في إطار المبادئ والقيم، وفي نطاق الوقاية من هذه الأمراض الحضارية، فلا يسمح مثلا لنظامه الاقتصادي بأن يوجد إنسان مترف، وبجواره فقير معدم، أو أن يغدوا الفرد (( ترسًا ) )في الآلة، أو يتحول إلى آلة صماء لا رأي له، ولا مشورة، أو أن يكون نظامه الاجتماعي متفككًا بحيث تنتفي منه روح الأخوة، وتنعدم فيه روح الأسرة، أو أن يعمل نظامه الثقافي على تبلد الفكر، وركود المعرفة، فإن واحدا من هذه الأمراض يكفي لإصابة المجتمع بالعجز عن حماية ما أنجزه وحققه،ومن ثم فلا بد من أن تكون نظم الحضارة نظما فعالة، قائمة على ديمومة الرقابة الذاتية، لنفسها ضد الأمراض الحضارية التي تصيبها من داخلها ، وخاصة التي تتصل بتحويلات المجتمع، من التوازن إلى الخلل، ومن الاستقامة إلى العوج، ومن الفطرة إلى الجنوح، ومن الروح إلى المادة، ومن الواجب إلى النفعية، ومن عبادة الله إلى عبادة غيره، وكلها علل فطن لها المجتمع الغربي، فغدا الآن يسعى إلى طب نفسه منها، وإنقاذ حضارته من أوضارها، عن طريق إعادة النظر في أسس هذه الحضارة وقاعدتها، والنظم الحاكمة لها، في محاولة لإعادة وصلها بعلوم القيم والأخلاق، والهندسة الاجتماعية والإنسانية.
وهذا في الواقع، أمر في غاية الأهمية بالنسبة لنا ولهم.
أما بالنسبة لهم، فلأنهم قوم وضعوا أيديهم على بعض أمراض الحضارة، وحاولوا أن يبحثوا لها عن علاج، وأن يتعرفوا على أثر الروح وجودا أو عدما، وأن يدركوا مفعولها في مسيرة البشر الحياتية والحضارية، كوقاية وبلسم وشفاء، وري يلطّف من هجير المادة وجفافها ..