وأما بالنسبة لنا، فمن حيث إننا نسعى جاهدين لنطل على مشارف دورة حضارية جديدة، ينبغي في سعينا هذا، أن نضع في اعتبارنا، كيف نتوقى من البداية هذه العلل والأدواء الحضارية، حتى لا نتوحل في عقابيلها، ونصاب بجراثيمها، ثم نذهب ونبحث عن العلاج حالما يستعصي، ولا يكون.
ومنهج الوقاية بين أيدينا ـ بحمد الله ـ ميسور مذخور، يكمن فيما لدينا من خلايا البقاء، إن الحضارة، تبقى ما بقي الإنسان بهويته، ومشخصاته، وخطوطها المتوازنة في روحه وبدنه، في دينه وتدينه، في أشواق روحه، وحاجات بدنه، في توجهاته وتطبيقاته، في مفهوماته ومدركاته، ووسائله وغاياته، في بواعثه ومقاصده، في ضميره وسلوكه، في شعوره ونزوعه، وحركته ونشاطه، في مسيرته وترداده بين سنن النفس، وسنن الكون، في عبوديته لربه، وتسخيره لكونه، في رغبته في الله ورهبته منه، ثم في التوازن الشامل في مجال التوجيه والمعرفة، بين خطوط الوحي، والكون، والعقل معا، والعمل للدنيا والآخرة جميعا.
الشق الخارجي:
إن هذا الشق لحماية المنجزات الحضارية للأمة، يلعب دورًا مهما، في درء الأخطار القادمة من وراء الحدود بجميع أشكالها، وفي منعها من غزونا، والتسلل إلينا من خلف الثغور.
وهذا أمر يجب أن يعنى بالقدرة على بناء أنظمة منيعة، وأجهزة دفاع قوية، تذود عن حمى المنجزات الحضارية كلها: عسكريا، واجتماعيا، ونفسيا، وثقافيا، وتربويا، وسياسيًا .. الخ..
وبناء الأجهزة على هذا النحو، يحتاج إلى جهد متكامل، وبصيرة نافذة، ووعي عال، وفكر يقظ، فلا يكفي مثلا، أن يكون لدى الأمة جيش دفاع قوي، مجهز بأحدث الأسلحة والعتاد، في حين نظامها التعليمي لا يحمي الأمة من الغزو الفكري المضلل، ولا يعد الشباب لمواجهة أخطاره، ولا يبث فيهم روح الرجولة والإقدام، ولا ينشر بينهم القدرة على الصمود ببسالة، وعلى الجهاد ببطولة.
الخلاصة:
والخلاصة هي: أننا ـ بإذن الله ـ واجدون ـ بكل تأكيد الشروط الضرورية، والأصول الأولى، الكفيلة بالبعث الحضاري المرتقب، والاستراتيجية الحضارية المناسبة، لتنقذنا مما تعانيه مجتمعاتنا وديارنا، من الحرمان والتخلف، وذلكم من خلال:
1- (( فعالياتنا الروحية ) )، ومعطياتنا القيمية،وعقيدتنا الموحية، وخطوطنا التربوية المأمولة في البيت، والمدرسة، والمناخ العام، والقدوة الصالحة.
2- (( استيعابنا لحضارة العصر ) )على أسس علمية وتعليمية متطورة، وتزاوج بين العلم والحرفة، يمكننا بها وبالجهد والمجاهدة من (( استنبات التقنية ) )في بلداننا.
3- (( تبني الأساليب الحضارية ) )الإيجابية، التي تناسبنا في الحضارة المعاصرة، دون أن نصاب بسلبياتها الفكرية والاجتماعية، مع الجد والاجتهاد في (( إبداع البدائل ) )للنظم الحضارية الحاكمة، على أيدي المتخصصين في دراسات النظم، التي تحكم مؤسسات شبيهة بمؤسساتنا المرجوة، سيما وأن ديننا بسعته يشتمل على الأصول العامة، والقواعد الكلية: والثوابت اللازمة كافة لانبثاق أرقى النظم الحضارية.
4- (( ضرورة التفاعل المطلوب بين ديناميكية كل من: الأفكار، والنظم، والزمن ) )من حيث إن النظم والأفكار، قديمها وحديثها، أمرا ينقصه الكمال، وليس فيها جميعًا شيء مقدس، ولكأن الزمن نهر جار يخط طريقه في حياة البشر، فتتحرك الأفكار والنظم والزمن، كل خلف الآخر، في دورة ديناميكية، تستهدف دائما ـ في مجال التطور ـ الوصل إلى الكمال.
5- (( تصحيح النظرة إلى الحضارة المعاصرة ) )بعد فحصها وفرزها، من خلال التعامل معها، والبحث في دروبها، والفقه العميق لعملية (( توارث ) )الحضارات (( حلولها ) )، و (( احلالها ) )ونشأة أطوارها، ودوراتها، كل في ظلال الآخر، وحضانته، ومناخه، وضرورة الإفادة من نقد العلماء، والمصلحين للحضارة الغربية، والتركيز على (( الكيف ) )و (( الجوهر ) )والإيجابيات في عوالم النظم، والفكر ، والمنهجية، كل بما يناسب بيئتنا ، وبنيتنا، وتركيبنا.
6- (( ثم حماية منجزاتها الحضارية المأمولة ) )بديمومة التطور والتقدم، والحركة، وحماية الأمة من أمراض الحضارة، من خلال العناية بسماتنا الذاتية، والاهتمام بسياجاتنا الواقية لقيمنا ومبادئنا من جراثيم الحضارة، والحرص على بناء أجهزتنا الدفاعية الحامية لثغورنا وأنظمتنا في كل مجال وأفق.
الخاتمة:
وبعد، فالحق الذي لا ريب فيه، أن بين أيدينا في كل ما سلف أعظم منهاج، وأكرم دين يمنحنا هذه الاستراتيجية، ويضع أصابعنا على شتى أصولها وفروعها، وكلياتها وجزئياتها، وجميع خطوطها المتوازنة والمقاطعة.
لقد أراد الله لديننا الإسلامي الحنيف، أن يكون مثابة للناس وأمنا، وشفاء ورحمة، وفضلا وهدى، ونعمة لا تطاولها في دنيا الناس نعمة.
جدير بمن حباه الله به، أن يقدر نعمته، وأن يلزم جادته، وألا يستدرك عليه، من حيث قد احتوى بين برديه خيري الدنيا والآخرة.
دين كفل الله به لأتباعه، الأمن والأمان، والمجد والعزة، والبشرى لهم بالتوفيق، ما مضوا على سننه، وساروا على دربه، وكانوا على مستوى التبصر والتغيير، والديناميكية والحركة، من السيء إلى الحسن، ومن الحسن إلى الأحسن، في خط بياني صاعد، في نطاق مبادئه وإطار عقيدته.
يقول الحق تبارك وتعالى:
(( يأيُّها النَّاسُ قد جاءتْكُم موعظةُُ من ربكم وشفاءُُ لما في الصدور وهدىً ورحمةُُ للمؤمنين قل بفضلِ الله وبرحمتهِ فبذلك فليفرحوا هو خيرُُ مما يجمعون. قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حرامًا وحلالًا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون. وما ظنُّ الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون . وما تكون في شأنٍ وما تتلو منه من قرآنٍ ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودًا إذ تفيضون فيه، وما يعزبُ عن ربك من مثقال ذرةٍ في الأرضِ ولا في السماءِ، ولا أصغرَ من ذلك ولا أكبرَ إلا في كتاب مُبين. ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون. لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم. ولا يحزُنك قولهم. إنّ العزة لله جميعًا هو السميعُ العليم. ألا إنّ لله من في السموات ومن في الأرض وما يتبعُ الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ) ). (( يونس: 57 ـ66 ) )
سدد الله على طريق الهدى خطانا، وبصرنا بأمور ديننا ودنيانا، وأعاننا على همومنا، وحقق آمالنا، وهدانا جميعا إلى سواء السبيل ....
وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين