خامسًا: مصروفات المؤسسات الاجتماعية مثل المستشفيات والسجون وغير ذلك من مرافق الدولة.
سادسًا: توزيع الأرزاق على الفقراء واليتامى والأرامل وكل من لا عائلة له, فالدولة تعوله وتكفله, ومن العرض السابق يتضح لنا النظام الاقتصادي الدقيق الذي ابتكرته الحضارة الإسلامية في خطواتها الأولى ومبكرًا جدًا قبل أي حضارة أخرى سابقة أو حتى لاحقة, فهي صاحبة السبق في تنظيم الموارد والمصارف المالية الخاصة بالدولة، ويبقى بعد هذه الموارد والمصارف كلها أنه قد تفاجئ الدولة بكارثة أو مجاعة أو قحط شديد أو وباء قاتل، وهنا يكون ندب الأغنياء من المسلمين من غير إكراه للصدقة والعطاء لإنقاذ جمهور المسلمين كما فعل عثمان بن عفان مع المجاعة في عهد أبي بكر الصديق عندما تصدق بأموال طائلة لنجدة المسلمين وكما فعل عبد الرحمن بن عوف أيام عمر بن الخطاب وأمثال ذلك كثير عبر التاريخ الإسلامي مما يضمن استمرارية تدفق الأموال على خزينة الدولة دون إكراه أو مصادرة أو إجبار.
وهكذا نرى أن المنظومة الاقتصادية في الحضارة الإسلامية كانت تمثل معلمًا بارزًا من معالم تلك الحضارة ضمنت لتلك الحضارة وتلك الدولة المسلمة الاستقلالية والاستمرارية والتوسع والانتشار وأيضًا الشفافية في التعامل والحرية في اتخاذ قراراتها فإن الدولة متى اعتمدت على غيرها في المساعدات والقروض فقد تخلف طواعية عن سيادتها واستقلاليتها لصالح من تأخذ منه الأموال وهذا وقع بالفعل لكثير من بلاد المسلمين الآن وهذا رغم تراثهم العظيم والحافل من رصيد التجربة في الحضارة الإسلامية
الصحة الإيمانية .. وأثرها على واقع الأمة [2]
الرضا بقضاء الله:
هذا ما أكده الشيخ علي العمري بقوله: وصاحب الصحة الإيمانية هو الذي يربط الناس بالله ويذكرهم بلزوم الصبر ورضاه على أقدار الله، فلا يمكن أن يطق لسانه إلا بالرضا عن الله. وإننا لنعجب من بعض المسلمين والدعاة المؤمنين الذين يعيشون مع موجة اليأس التي تحيط بالناس وانسداد الأبواب، وقلة الأرزاق. بل لا بد أن يتميزوا بتذكير الناس بالرضا والقناعة بما قسم الله، وبيان قرته وعظمته وأن الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
حسن الخلق:
قال الأستاذ الدكتور عبد الصبور شاهين: وحين تستخدم اللغة العربية كلمة 'الإسلام' فإنها تعني: جملة الفرائض الظاهرة، كالصلاة والصوم والزكاة والحج، فأما حين تستخدم كلمة 'الإيمان' فإنها تعني الجانب الأخلاقي، وهو مرتبط بأحوال القلب، ولذلك جاء من توجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم: 'لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه', وجاء أيضًا' 'لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده والناس أجمعين'، وأمر 'الحب' خفي لا يعلمه إلا الله، والمؤمن الحق يستحي، بل يحذر أن يطلع الله سبحانه في قلبه على ما ينافي الحب الصادق لرسول الله، ولأخيه المسلم.
على هذا الجانب الأخلاقي يقوم بناء المجتمع الإسلامي، وبه ينهض مجتمع الإيمان الصحيح، أي أن عقيدة الإسلام لها ظاهر وباطن، فأما ظاهرها فهو الفرائض، وأما باطنها فهو الأخلاق والسلوكيات التي تجعل المؤمن متميزًا في سلوكه وتعامله، وهو الجانب الجوهري المرجو الذي يحرص عليه الإنسان المؤمن.
فغاية الإيمان من الالتزام بالأخلاق الدينية هي غاية علوية لا سفلية، أخروية لا دنيوية، ومن ثم كان الحيز المطلق هو الغاية للإيمان.
فأما الكفر فإنه لا يعرف غاية للالتزام بالأخلاق سوى 'المنفعة' وقد كان هذا المذهب 'النفعي' وراء كل الجرائم والمظالم التي ارتكبتها الحضارة الغربية في حق الشعوب المستضعفة، التي اتخذتها عرضًا لعدوانها، وجعلتها هدفًا لإجرامها، وسلطت عليها قوى الشر والبغي، والاحتلال والاستغلال.
أما الإيمان فحين تجلى في أخلاق المؤمنين فإنه التزم بدستور الأخلاق القرآنية، وتعاليم السنة المحمدية، يقول الله سبحانه: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة:190] ، ويقول في نفس السياق: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ} [البقرة:193] ، ولم يعرف التاريخ غزاة فاتحين يلتزمون بالعدل المطلق مع أعدائهم ـ إلا المسلمين.
محبة الله:
قال الشيخ إبراهيم الحارثي: قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة:165] أشد حبًا لله من كل شيء يمكن أن يراه الإنسان أو يسمع عنه أو حتى يخطر في باله، وحين يصل المؤمن إلى هذه الدرجة من الحب يكون قد استكمل الإيمان كما جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: [[لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين] ].
واضح هنا أشد الوضوح أن كمال الإيمان يتحقق بحب الله تعالى كما في الآية وبحب رسوله صلى الله عليه وسلم كما في الحديث، وهما في النهاية شيء واحد، ولكن هذا الحب يعني استسلامًا وانقيادًا كاملًا وشعورًا غامرًا بالحاجة إلى امتلاء القلب والعقل بالرضا بالله جل وعلا برسوله صلى الله عليه وسلم: 'ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا'.
صفاء الروح:
قال الشيخ الحارثي: المؤمن العامل للصالحات له حالة وجدانية فريدة، حالة تبدأ من القلب وتمتد نحو الجوارح عبر كل العروق والأوردة والشرايين لتجعل من ذلك الجسد، جسدًا طاهرًا يتمشى على الأرض بين الناس وروحه تحلق في أعلى عليين، وتحوم حول ملكوت الله وعظمته، تعيش بها ومعها ومن أجلها.
قاعدة الصحة الإيمانية:
أتحفنا الشيخ علي العمري بكلام نفيس في قاعدة الصحة الإيمانية ومفرداتها ثم ختم مستوياتها.
قال فضيلته: وكأي إنسان في الحياة يعتريه الضعف والفتور والمرض، كذلك الصحة الإيمانية يعتريها الضعف والمرض، ولأن المرض أنواع، كذلك الحالة الإيمانية التي تعتري الإنسان تتشكل بصور مختلفة.
ولو أردنا أن نشبه الصحة الجسمية بالصحة الإيمانية فإننا نقول: أن الجسم يؤثر فيه كثيرًا فعل المحرمات 'كشرب الخمر، وتعاطي المخدرات، وأكل الحرام .. ' وهذه التي نسميها 'محظورات' ويحافظ على الجسم وبقائه؛ 'الأكل الطبيعي، الشرب الطبيعي' وهذه تسمى 'ضروريات'.
وهناك أمور بعيدة عن قضية الأكل والشرب 'كالمشي، والتعرض للشمس وحسن التهوية' وهذه تسمى 'وقائيات' وهناك أمور أخرى 'كالابتعاد عن الدهنيات، والغازيات .. ' وهذه تسمى 'معينات'. كما أن الجسم قد يعتريه بعض الجروح والآلام وهذه قد تكون خفية وبعضها ظاهرة، بل ومعروفة السبب فإذا ما سارع الإنسان بمعالجتها نجا وإذا ما تمادي لربما سببت له مصائب وأحزان!. ومن هنا يمكننا أن نضع قانونًا لما يعتري الصحة الجسمية وهو ..
قانون الصحة الجسمية:
سرعة العلاج + الصبر = استقرار الصحة الجسمية
كما أننا نخلص إلى أن قاعدة الصحة الجسمية تعني:
قاعدة الصحة الجسمية = ضروريات + محظورات + وقائيات + معينات
وعلى ضوء هذه القاعدة يمكن أن نربط بينها وبين الصحة الإيمانية.
فالصحة الإيمانية كذلك هي الأخذ بالضروريات وهي [الأركان الأساسية في الدين، والواجبات الشرعية في جانب الإيمانيات مثل الصلاة المفروضة، والصيام، الزكاة، الحج، صلة الرحم .. ] .
والمحضورات هي [الإشراك بالله، والفواحش، وبدع العبادة، واتباع الهوى، والمشي وراء خطوات الشيطان، والتعرض للفتن، والتساهل في الصغائر ... ] .