والوقائيات: [وضع ضوابط التعامل مع الناس مثل أكل الحرام، الغش، الخداع، ضبط الجوارح، الجلوس في مجالس الهوى والفتن .. إلخ] .
والمعينات [كصلاة الليل، كثرة التسبيح، الإحسان للمحتاجين، قراءة القرآن، طول التفكر، مجالسة الصالحين] .
ويربط بين هذه الأمور الأربعة مسألة مهمة جدًا وهي بمثابة قانون الصحة الإيمانية ألا وهي مسألة الصبر والمجاهدة، وهي خلاصة آيات الثبات كما قال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} [الكهف:28] ، ويقول تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت:69] .
إذًا عند المقارنة بين الصحة الجسمية والصحة الإيمانية نجد أن النتيجة واحدة، وهي أن قانون الصحة الإيمانية هو:
قانون الصحة الإيمانية:
سرعة العلاج + الصبر = استقرار الصحة الإيمانية
كما أننا نجد أن قاعدة الصحة الإيمانية تعني:
قاعدة الصحة الإيمانية = ضروريات + محظورات + وقائيات + معينات
مفردات قاعدة الصحة الإيمانية:
ذكرنا أن قاعدة الصحة الإيمانية هي عبارة عن:
1ـ ضروريات: وهذه الضروريات في الجانب الإيماني العبادي تشمل الصلاة والخشوع فيها، والتأثر والبكاء، وتشمل صيام شهر رمضان، وأداء الزكاة المفروضة، وحج بيت الله الحرام. وحول هذا المعنى نجد الحديث في الصحيح عن ضمام بن ثعلبة عندما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأركان الخمسة، وأجاب عنها، ثم قال: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة. وهنا لا بد أن نقف عند هذا الحديث الشريف. فضمام بن ثعلبة كان يصلي الصلوات المفروضة، ولكنها يا ترى هل هي كصلاتنا؟ وكان يصوم لله فهل هو كصيامنا؟ أنا أجزم أن الحديث حق، ولكني أقول: إننا لم نؤد العبادات بالشكل المطلوب منا، ودعونا ندلل على هذه المفاهيم بالشواهد التالية:
قال عدي بن حاتم: 'ما دخل وقت صلاة إلا وأنا أشتاق إليها'.
وقال أبو سليمان الداراني: 'ما رأيت أحدًا الخوف أظهر على وجهه من الحسن, قام ليلة بـ 'عم يتساءولن' فغشي عيه، فلم يختمها إلى الفجر'. إذن هناك فرق بين حالنا وحالهم، وهذا سر التأثير.
2ـ محظورات: وهذه المفردة الثانية من مفردات قاعدة الصحة الإيمانية، والمحضورات قسمان: محظورات مباشرة، ومحظورات غير مباشرة.
فالمحظورات المباشرة كشرب الخمر، وفعل الفواحش، وأكل الحرام. وهذه تأثيرها في الصحة الإيمانية مباشر. ومثال ذلك قول بعض السلف: [[إذا أكلت الحلال أطعت الله شئت أو أبيت، وإذا أكلت الحرام عصيت الله شئت أو أبيت] ].
وقول أحد السلف: 'رب نظرة حرمت قراءة سورة، ورب أكلة حرمت قيام ليلة'.
والمحضورات غير المباشرة: كالخواطر التي لا ترضي الله تعالى، واتباع خطوات الشيطان، وقد وضع مسروق الأجدع قاعدة توضح هذا المعنى بقوله: 'من راقب الله في خطرات قلبه عصمه الله في حركات جوارحه' فمن أراد الصحة والعافية الإيمانية فليتق الله تعالى، ولا يتساهل مع النفس والهوى والشيطان، حتى لا يتعب في الدنيا ويخسر في الآخرة. والوصية عند أبي سليمان الداراني قائلًا: 'من صفى صُفي له، ومن كدر كُدِّر عليه، ومن أحسن في نهاره كوفئ في ليله، ومن أحسن في ليله كوفئ في نهاره'. وقال: كان ها هنا شيخ يدور في المجالس يقول: 'من سره أن تدون له العافية فليتق الله عز وجل'.
3ـ الوقائيات: وهي التي يعلم منها التأثير المباشر على صحة الإيمان والقلب، من كثرة النوم والأكل والخلطة. وفي هذا يقول إبراهيم الخواص رحمه الله: 'دواء القلب بالتدبر، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين'.
وقال أحد السلف: 'يحرم العبد قيام الليل بأكل الشبهات، أو الإصرار على الذنب، أو غلبة هم الدنيا على القلب'. وفي الحديث الحسن: 'علامة المؤمن أن يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس'. ألا وإن تفلت القلب ممر إلى تفلته.
4ـ معينات: وهي كثيرة نافعة 'كزيارة القبور، والتفكر، والصدقة، وقيام الليل، ومسح دمع اليتيم، والزيارة في الله، والخلوة، وقراءة القرآن، والعمرة، وقراءة سير الصالحين، القعود إلى الإشراق..'. وهذه المولدات للطاقة الإيمانية كان يحرص عليها السلف الصالح كثيرًا، ويؤكدون عليها، لأنها تحافظ على الجو الإيماني العام، وتعصم بعد عصمة الله العبد، لأنها تملأ القلب بحب الله جل جلاله.
وبمقدار وجود هذه المقادير الإيمانية في القلب يستطيع مواجهة لحظات الغفلة، والصبر على معترك الحياة. وبمقدار نسيان هذه المقادير الإيمانية يكون التعرض للفتن. وهذا ما صرح به الإمام حسن البنا ـ رحمه الله ـ في آخر حياته بعد أن رأى جملة من إخوانه في معترك العمل السياسي على حساب العمل التربوي والإيماني وقد أثر ذلك فيهم، قال رحمه الله: 'لو استقبلت من أمري ما استدبرت لعدت بإخواني إلى المأثورات'!
مستويات الصحة الإيمانية:
القاعدة المشهورة الصحية هي: 'أن الإيمان يزيد وينقص يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي'. والمستوى المطلوب في الصحة الإيمانية والذي أطلت النظر فيه كثيرًا واطمأننت إليه، هو عين ما أخبر عنه شيخنا الأستاذ الراشد بكلام مجمل عظيم، يقول فيه: 'ويسألني كثير من الدعاة عن تقصير في النوافل والسنن يشعرون به، زاحمتهم عليها الواجبات الدعوية الثقيلة، وكثرة التحرك، والإداريات والعلاقات العامة، ويرغب هؤلاء أن يأنسوا بركعات أكثر، وتلاوة أطول، ولكنهم لا يستطيعون'. وكان جوابي دائمًا أن الفرض، والإكثار من السنن، وإطالة اللبث في المسجد .
ثم هو مطالب ثانيًا بالتقوى بكف نفسه عن المحرمات، من الكبائر مثل الزنا والربا وعقوق الوالدين، أو أنواع المعصية التي هي أصغر، مثل مقدمات الكبائر ولواحقها، في أنواع كثيرة حتى تصل إلى قلة المبالاة بإسباغ الوضوء مثلًا، أو نبرة قاسية في الكلام، أو تكبر على مستضعف. والذي أفهمه من قواعد الشرع ودلت عليه تجربتي أن الأهم هو هذه التقوى التي يتمتع بها المؤمن عن مقاربة السوء، وهي مقدمة على ممارسة النوافل وأثرها أعظم، والتوفيق الذي يرجوه الداعية في أعماله الدعوية أو في حياته الخاصة، بحيث يصيب النجاح أو يتوسع له الرزق؛ إنما هو نتاج هذه التقوى غالبًا، وبها يشاد الأساس، ثم ترفع النوافل جدران توفيقه على هذا الأساس.
ولا تحبسن أن اكتشاف هذا الميزان جاء سهلًا سريعًا، فإن كل مؤمن قد يقول ذلك، ولكن درجة الإيمان بهذه الحقيقة تختلف، وتظل قناعته تزداد حتى تتحول إلى يقين راسخ بجريان هذا الميزان وحكمه لحركات الحياة، فيكتشف بالتجربة اليومية أن الله يراقب عباده، فيجازي المحسن والمسيء أولًا بأول، وتحصل له قصص في ذلك على مدى ساعاته، ما أن يحصل له سوء ويفحص سلوكه إلا ويجده متعلقًا بمعصية اقترفها من قريب، أو فضل إلا ويجده من آثار امتناعه عن معابة تحاشاها'.