فهرس الكتاب
وقبل أن أترك هذه النقطة الخطيرة والمهمة ـ والكلام ما زال للشيخ العمري ـ بودي أن أؤكد على أن المعنى السابق هو مختصر ما كان يروى في ترجمة مالك بن أنس في قول ابن المبارك عنه: 'ما رأيت رجلًا ارتفع مثل مالك بن أنس، ليس له صلاة ولا صيام إلا أن يكون سريرة عند الله عز وجل'. والمعنى في أنه ليس له كثرة صلاة وصيام كونها هي المؤثرة فقط، وإنما تقوى الله وخشيته. وإلا فمالك رحمه الله هو من سيد العباد في زمانه، وطول الصلاة عند قوم لربما تعادل عشرات الركعات عند آخرين، فالجواب في هذا ليس واحدًا للجميع، فليعلم ذلك. والله أعلم.
خواؤنا الروحي:
أكد الدكتور عبد الستار فتح الله سعيد أن الأمة الإسلامية هي خير أمة أخرجت للناس، بشرط أن تعمل بما قاله الله من شروط وهي: تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، فإذا أدت هذه الشروط وصار لها العز والتمكين في الدنيا والآخرة، لكن الأمة فرطت في دينها، وتشوش عليها إيمانها، لذلك وقعت في نذير الله عز وجل: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} [طه:124] ، لذلك يجب أن ترد كل أزماتنا إلى هذا المحور الأساس الذي تقوم عليه حياتنا ومماتنا، والأمة الآن تحتاج إلى تصحيح إيمانها وتجديد دينها، والعودة إلى أصولها لتظل كما كانت خير أمة.
وقال الأستاذ الدكتور عبد الصبور شاهين: لعلنا لو تلمسنا واقع المجتمع المعاصر لم نجد سوى درجة الانتماء إلى [الإسلام] في أفضل الحوار، وربما زادت بشيء من الإقرار ببعض العقائد الغيبية الإيمانية، فأما درجة [الإحسان] فشيء غائب عن واقع المجتمعات المعاصرة إلا من رحم بك.
وقد سلطت 'مجلة المنار' الضوء على الصحة الإيمانية لدى الدعاة ـ كما أسلفنا في مقدمة الملف ـ وها هي الأرقام تتكلم وتفضي لنا عن حقائق يدمي لها القلب ويندي لها الجبين، فبعد أن كان السلف يعزي بعضهم البعض عند التخلف عن صلاة الجماعة، بعد أن كان بعضهم يختم ستين ختمة في رمضان، بعد أن كان الواحد منهم يأتي بنصف ماله والآخر بكل ما يملك تاركًا لأهله الله ورسوله بعد أن كان الواحد منهم يقوم الليل حتى تتفطر قدماه, ها هي الأرقام تتكلم وتعلن لنا البون الشاسع الذي بيننا وبينهم إيمانيًا ومن ثم كانت النتائج والآثار ـ ولا بد ـ تحكي أيضا بونًا كبيرًا بيننا وبينهم ...
الاستبيان:
عدد المشاركين في الاستبيان '198' [علما بأن الاستبيان قد أجري على عينات عشوائية من الدعاة في مختلف مناطق المملكة] .
وقبل أن نطلعك على الاستبيان ونتائجه ـ أيها القارئ الكريم ـ نريد إن سمحت لنا ـ أن نسألك هذا السؤال.
ـ هل تعتقد أن الدعاة وأنت منهم يعانون من ضعف إيماني؟
والآن نطلعك على إجابة إخوانك الدعاة على هذا السؤال:
نعم [87%] لا [13%] لم يجب عليه أحد [49]
1.الفروض التي لا أصليها في وقتها خلال شهر واحد:
ج. [أكثر من 5]
ب. [3ـ 5]
أ. [1ـ 2]
2.. الفروض التي أصليها في وقتها في البيت من غير سبب:
ج. [أكثر من 5]
أ. [3ـ 5]
ب. [1ـ 2]
3.أصلي السنن الرواتب:
ج. [أحيانًا]
ب. [غالبًا]
أ. [دائمًا]
4.أصوم التطوع:
ج. [أحيانًا]
ت. [غالبًا]
أ. [دائمًا]
5.أصلي الوتر بعد من الركعات:
ج. [3]
ب. [3ـ 5]
أ. [7ـ 11]
6.أختم القرآن الكريم كل:
ج. [بالبركة]
ب. [شهرين]
أ. [شهر]
7.أنفق في سبيل الله:
ج. [أحيانًا]
ب. [غالبًا]
أ. [دائمًا]
8.أقوم الليل مرة كل:
ج. [3 أشهر فأكثر]
ب. [شهر ـ شهرين]
أ. [أسبوع ـ شهر]
9.أحافظ على أذكار اليوم والليلة:
ج. [أحيانًا]
ب. [غالبًا]
أ. [دائمًا]
10.أذكر الله الذكر المطلق:
ث. [قليلًا]
ب. [أحيانًا]
أ. [كثيرًا]
11.أبكي من خشية الله جل وعلا مرة في:
ج. [الشهرين]
ب. [الشهر]
أ. [الأسبوع]
الآثار والنتائج من هذا الواقع:
ولقد توجهنا بسؤال لفضيلة الدكتور عبد الستار فتح الله سعيد: هل أنتم ترجعون الهزيمة الحضارية للأمة إلى خوائها الروحي؟
فأجاب: نعم، العلاقة بينهما كعلاقة المقدمة والنتيجة، فالله سبحانه وتعالى وعد المؤمنين 'إن استقاموا على طريقته العظمى مكن لهم في الأرض وجنبهم السيئات، وجعلهم في أمن وطمأنينة {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النور:55] ، فهناك تلازم بينهما.
ووعد الله المفرطين بالبؤس والشقاء وتسلط الأعداء، قال تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى} [طه:123] ، وقال: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} [الجن:16] ، ولما كانت الأمة قد فرطت في دينها وتكاسلت عن جهادها، وصارت إلى ما حذرها منه النبي صلى الله عليه وسلم وهي أن تكون غثاءً كغثاء السيل، فقد استحقت الوعيد لا الوعد، ولا مخرج لها إلا بالعودة إلى دينها كما أخبر نبيها صلى الله عليه وسلم: 'ألا إنها ستكون فتنة، قلنا: وما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله تعالى فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم'.
إن من آثار تدني الإيمان المعيشة الضنك للفرد والأسرة والمجتمع والعالم، هذا ما أشار إليه أ.د عبد الصبور شاهين بقوله: بدون هذا الإيمان فإن الصلة تنقطع بين المخلوق وخالقه، وبذلك يفقد المخلوق السند، ويسقط في وهدة اليأس والضياع، وهو وقوله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [124] قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا [125] قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} [طه:124ـ126] .
أي: أن الذنوب والمعاصي لن تمنح أهلها استقلالًا عن الوجود الإلهي، بل سوف يرون في واقعهم معيشة ضنكًا، حين يحجب الله عنهم رزقه، ويحرمهم نعمته، وهذا هو ما يحدث في الدنيا، أما في الآخرة فسوف يحشرون {عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا} [الإسراء:97] ، أو كما قالت الآية السابقة من سورة [طه] .
وأضاف أ.د شاهين بقوله: قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران:110] ، وفي هذه الآية ـ كما نرى ـ ربط للخيرية في الأمة بما تقوم به من التزام بالإيمان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فليست خيرية الأمة المحمدية ذات طابع عنصري، كما يزعم اليهود لأنفسهم بأنهم [شعب الله المختار] ، ولكنها خيرية عمل صالح، وإيمان صادق، بحيث يدوم لها وصفها بالخيرية ما دامت تقوم بوظائفها: [تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله] ، فإذا لم تقم هذه الأمة بما نيط بها من وظائف فقدت خيريتها، أو بتعبير آخر: فقدت الوسام الإلهي الذي منحته في القرآن، وهذه هي النتيجة المترتبة على الخواء الروحي [النفسي] والإيماني.