والخلاصة .. إن البحث في مشكلاتنا المعاصرة على ضوء سنة الله في الخلق ، يجب أن يكون أصلًا ومنطلقًا للخروج من أزمتنا الحضارية ، وهذا المنهج في الحل ينسجم مع المنهج الرباني ، الذي فطر الله عليه أمور خلقه ، وهو الطريق الأقوم لتوحيد الفكر ، الذي يحقق للأمة وحدتها وتماسكها .. ومادام الأمر كذلك ، فإن واجبنا اليوم تركيز اجتهادنا في بيان سنن الله ، وتجنيد طاقاتنا المختلفة في هذا الاتجاه ، بدل الاستمرار في إهدارها بالبحث النظري المجرد الذي كثيرًا ما يجعل الاجتهاد يدور في ساحة غير ساحته
9 ( مفاهيم في ضوء سنة الله في الخلق ) - - التغيير الاجتماعي
.رأينا في فصل سابق من هذه الدراسة أن سنن الله في الخلق تتصف بالعموم والشمول ، وأنها لا تحكم عالم المادة فحسب ، بل تحكم كل ما في هذا الوجود من مخلوقات ، وكل ما يجري فيه من أحداث .. ومن ذلك حياة المجتمعات البشرية ، التي تخضع كذلك لسنن صارمة مطردة ، لا تتخلف نتائجها عن أسبابها .
وقد بين الله عز وجل في محكم تنزيله السنن الأساسية ، التي على نهجها تمضي سيرة المجتمعات ، فتسمو أو تنحط أو تبيد .. وقد كان لهذا التوجيه الرباني الحكيم تأثير عظيم في تكوين الأمة الإسلامية منذ نشأتها ، فقد أولى المسلمون منذ بداية الدعوة جل اهتمامهم لتلك السنن ، وكانوا يسترشدون بها في شؤون حياتهم المختلفة ، مما أدى بالنتيجة إلى تماسك المجتمع الإسلامي الوليد حينذاك ، وأدى كذلك إلى ترسيخ المفاهيم الحضارية في كل المجتمعات ، التي دخلها الإسلام بعد ذلك .
ويُعد العلامة ( ابن خلدون ) صاحب الفضل الأكبر في وضع الأصول الأولى لعلم الاجتماع ، إذ كان من أوائل الدارسين الاجتماعيين ، الذين أقاموا دراساتهم على أساس من فهم السنن الاجتماعية ، وقد استطاع ابن خلدون بفضل ثقافته القرآنية العميقة ، واطلاعه الواسع على التاريخ، أن يعرض في ( المقدمة ) التي كتبها لدراسته التاريخية عددًا من السنن الاجتماعية بأسلوب علمي موضوعي .
وبدءًا من دراسات ابن خلدون ، بدأ علماء الاجتماع يلتفتون إلى دراسة أحوال الأمم والشعوب ، وفق المنهج الذي وضعه ابن خلدون نفسه ، فلاحظوا أن أي تغيير اجتماعي لا يتم إلا من بعد أن تتوافر الشروط الأولية الخاصة به ، وبمعنى آخر: فإن سنن التغيير الاجتماعي - شأنها شأن أية سنة من السنن الربانية - لا تتم إلا إذا توافرت شروطها ، وانتفت الموانع التي تحول دون تحقيقها .
وعلى هذا الأساس نستطيع أن نحدد أهم الشروط التي تتطلبها سنة التغيير ، مسترشدين في ذلك بأمثلة واقعية موثوقة رواها القرآن الكريم عن الأمم الغابرة ، وبخاصة منها الأمم التي بعث الله عز وجل إليها رسله ، يدعونها للالتزام بمنهج الله وشريعته - على أساس أن هذا الالتزام هو الطريق القويم لتغيير المجتمع ، وتأهيله للقيام بمهمة الاستخلاف خير قيام.
أ - الفكرة ( العقيدة ) :
.. ما من شك في أن أي نشاط إنساني لابد له أن ينطلق من ( فكرة مبدئية ) ، لأن الأفكار تبقى هي المحرك الأول لأي عمل ، أو جهد يزمع الإنسان القيام به .. ومما لا شك فيه كذلك أن أي نشاط لا ينطلق من فكرة صحيحة واضحة المعالم ، يكون جهدًا ضائعًا ، لأنه يفتقد - على هذه الشاكلة - الضابط الذي يضبط حركته واتجاهه.
ولقد سبق أن تحدثنا عن أن الفكرة ، التي يقوم عليها جهد ما ، يجب أن توافق سنة من السنن التي فطر الله عليها أمور خلقه ، حتى تكون هذه الفكرة قابلة للتنفيذ العلمي ، وحتى يكون الجهد مجديًا .. فإن لم تكن الفكرة موافقة لسنة ، كانت عديمة الجدوى في التغيير الذي ننشده ، وقد يترتب عليها - فوق ذلك - نتائج بالغة الخطورة.
والسؤال الذي يعترضنا هنا: ما هي الفكرة المبدئية الصحيحة الموافقة لسنة الله في الخلق ، والتي لابد منها لحصول التغيير المنشود في مجتمع من المجتمعات؟
إن مثل هذا السؤال يحتم علينا الرجوع إلى سجلات التاريخ ، لاستقراء الأحداث التي انتهت بولادة الحضارة الإنسانية ، لنتبين ( الفكرة ) التي قامت عليها هذه الحضارة ، كما يتحتم علينا كذلك الإصغاء إلى آراء الباحثين الذين تناولوا هذه المسألة:
أما الرجوع إلى سجلات التاريخ فإنه يقدم لنا بما لا يدع مجالًا للشك أن الفكرة الدينية أو (العقيدة) ، كانت دومًا هي الفكرة الأصلية، التي تولدت عنها الحضارات الإنسانية على مدار التاريخ، وأن أي استقراء منصف للتاريخ، يؤيد هذه الحقيقة تأييدًا كاملًا، ويكفينا مثلًا أن نستعرض من خلال سور القرآن الكريم المختلفة ، تاريخ الأمم الغابرة ، حتى نتبين صدق هذا الأمر .. ولنا عودة على هذا الموضوع فيما بعد.
وأما آراء المؤرخين والباحثين والمفكرين الذين تناولوا قضية الحضارات الإنسانية ، فإنها تجمع كذلك على أن التغيير الاجتماعي ، والنهوض الحضاري ، لابد وأن يرتكز في انطلاقته على الفكرة الدينية ، ولا يكاد ينكر هذه الحقيقة أي باحث منصف ، بما فيهم الباحثون الذين كانت لهم مناهجهم الخاصة في تناول القضية، فحتى هؤلاء لم يسعهم إلا الاعتراف بتأثير الفكرة الدينية في تكوين الحضارات ، ومنهم -على سبيل المثال- المؤرخ البريطاني الشهير (أرنولد توينبي) الذي أقام نظريته في تفسير التاريخ، ونشوء الحضارات، على أساس عامل التحدي الجغرافي، فإن هذا المؤرخ في مواضع عديدة من دراسته ، وقف يؤكد أهمية وتأثير الفكرة الدينية في استيلاد الحضارات ، ومما كتبه في هذا: (ولا يسع كاتب هذه الدراسة إلا أن يعترف بقناعته بهذا الرأي ، الذي هو أميل إلى مناصرة فكرة دور العقائد الدينية في مجريات التاريخ .. فإذا ما ألقينا ببصرنا على الحضارات ، التي ما برحت قائمة حتى يومنا الحاضر ، نجد أنه يكمن وراء كل منها نوع من العقيدة الدينية العالمية .. وعلى هذا النحو تصبح العقيدة الدينية جزءًا من نظام الاستيلاد الحضاري.
والحقيقة أن توينبي لم يكن أول ولا آخر الذين تحدثوا عن تأثير الدين في النهضة الحضارية ، فقد تحدث قبله وبعده كثيرون حول هذا الموضوع ، وقد أورد (مالك بن نبي) رحمه الله في كتابه شروط النهضة ، آراء عديدة في هذا الشأن ، ومنها مثلًا رأي المؤرخ ( هنري بيرين) صاحب كتاب (محمد وشارلمان) الذي قارن فيه بين الحضارتين الإسلامية والمسيحية ، وبين دور الديانتين في بعث هاتين الحضارتين.
كما نقل ( مالك بن نبي ) عن المفكرة (هرمان دي كيسرلنج) في كتابه ( البحث التحليلي لأوروبا ) قوله: (وكان أعظم ارتكاز حضارة أوروبا على روحها الدينية ، وقوله كذلك(إن الروح المسيحية ومبدأها الأخلاقي هما القاعدتان اللتان شيدت عليهما أوروبا سيادتها التاريخية) ويخلص مالك بن نبي -بعد استعراضه لآراء عديدة- إلى القول: (فالحضارة لا تنبعث إلا بالعقيدة الدينية ، وينبغي أن نبحث في أية حضارة من الحضارات عن أصلها الديني ، الذي بعثها ، ولعله ليس من الغلو في شيء أن يجد التاريخ في البوذية بذور الحضارة البوذية ، وفي البرهمة نواة الحضارة البرهمية .. فالحضارة لا تظهر في أمة من الأمم إلا في صورة وحي يهبط من السماء ، يكون للناس شرعة ومنهاجًا ، أو هي - على الأقل - تقوم أسسها في توجيه الناس نحو معبود غيبي بالمعنى العام ، فكأنما قدر للإنسان ألا تشرق عليه شمس الحضارة، إلا حيث يمتد بصره إلى ما وراء حياته الأرضية ، أو بعيدًا عن حقبته ، إذ حينما يكتشف حقيقة حياته كاملة ، يكتشف معها أسمى معاني الأشياء ، التي تهيمن عليها عبقريته ، وتتفاعل معها.