والواقع أن الحضارة بمعناها الشامل ، وبمعناها الإنساني ، الذي يرمي إلى رفعة الإنسان والسمو به نحو الأخلاق الفاضلة ، والحياة الكريمة ، لا يمكن أن تتحقق بغير دفعة روحية تستمدها الحضارة من الدين .. ولكن أي دين ؟ أهو الدين بالمعنى العام المغبش الذي أشار إليه فالتر شوبرت؟ أم هو الدين بالمعنى الغيبي الذي ألمح إليه مالك بن نبي؟ أم هو الدين بالمعنى الإسلامي الذي جاءت به الأديان السماوية جميعها؟
إننا بالعودة إلى الواقع ، واستقراء الأحداث ، وفق التوجيه الرباني (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين ) (النمل:69) نجد أن نوعًا من المدنية (وليس الحضارة) قد تقوم أحيانًا على أساس المبدأ العام ، الذي نوه به فالتر شوبرت ، وقد تقوم أحيانًا وفق المعنى الغيبي ، الذي تحدث عنه مالك بن نبي .. ولكن مثل هذه المدنية مآلها إلى الانقراض ، وفي القرآن الكريم شواهد كثيرة على هذا ، قال تعالى: (ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا ، كذلك نجزي القوم المجرمين ) (يونس:13) .
فهذه الأمم التي تحدث القرآن عن سيرتها للعبرة ، كان لها نوع من المدنيات التي لم تستطع الرقي إلى أفق الحضارة السامي ، لأنها لم تأخذ بمنهج الإيمان ، ولم تجعله هاديًا لها للوصول إلى ذلك الأفق !
ونخلص من هذا العرض الموجز ، إلى أن الأساس الأبقى الذي يمكن أن تقوم عليه الحضارة الإنسانية الحقيقية ، هو العقيدة الدينية بلا جدال ، لأن هذا الأساس يستمد مقومات قوته وبقائه من خالق الكون والإنسان ، وهو سبحانه أعلم بما يصلح أمر الكون والإنسان.
فالإيمان بالله إذن شرط أولي لبسط النعمة ، أو بالمصطلح المعاصر (الحضارة) وفي هذا يقول رب العزة سبحانه (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ) (الأعراف:96) وأما الحفاظ على هذه النعمة (أو الحضارة) فمرتبط بالصلاح ، وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) (الأنبياء:105) .
ولسيد قطب رحمه لله قول بليغ حول أثر الدين في تكوين الحضارة حيث قال: ( حين ينهض الإنسان بالخلافة في الأرض على عهد الله وشرطه ، ويصبح وهو يفجر ينابيع الرزق ، ويصنع المادة الخام ، ويقيم الصناعات المتنوعة ، ويستخدم ما تتيحه له كل الخبرات ، التي حصل عليها في تاريخه كله .. حين يصبح وهو يصنع هذا كله( ربانيًا ) يقوم بالخلافة - على هذا النحو 0 عبادة الله .. يومئذ يكون هذا الإنسان كامل الحضارة ، ويكون هذا المجتمع قد بلغ قمة الحضارة ).
إذن .. فإن الفكرة الدينية عامل أساسي في التغيير الاجتماعي نحو الحضارة ، ولكن بشرط أن تكون هذه الفكرة نابعة من دين سماوي خالص ، لم ينله تشويه ولا تحريف .. وما دام الأمر كذلك ، فإننا لا نجد من بين الديانات السماوية دينًا مرشحًا اليوم للنهوض بالبشرية سوى الإسلام ، لأن الإسلام هو الدين الوحيد الذي حافظ - بفضل الله على صفاء عقيدة التوحيد ، كيوم نزلت أول مرة من السماء إلى الأرض ، والسر في هذا أن الله عز وجل قد تكفل بحفظ كتاب الإسلام العظيم ، فقال تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) (الحجر: 9) .. وسوف يبقى الإسلام بهذا الكتاب الكريم ، هو المصدر الوحيد القادر -دومًا وأبدًا- على النهوض بالبشرية إلى آفاق الحضارة السامية.
ب - الإنسان:
.. ويقدم لنا القرآن الكريم أدلة عديدة ، تدل على أن دعوة التغيير تبدأ عادة على يدي رجل فرد ، وبعد ذلك يأخذ الناس بالالتفات حول هذا الرجل صاحب الدعوة ، ليعمل هو وهم على إحداث التغيير المنشود .
ومع أن هذه هي القاعدة في التغيير ، إلا أننا نلاحظ - من خلال الشواهد القرآنية نفسها - وجود استثناءات لهذه القاعدة ، ومن ذلك مثلًا ما نلمسه في قصة أصحاب القرية التي ورد ذكرها في سورة يس: (واضرب لهم مثلًا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون * إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون ) (يس: 13 - 14) فقد أرسل الله عز وجل إلى أهل تلك القرية ثلاثة من رسله ، ولكن القوم كذبوهم وردوهم ردًا قبيحًا ، ولم يستجيبوا لدعوتهم .. وبينما هم يجادلون رسل الله جاءهم رجل .. رجل نكرة ، لكنه رجل صالح: (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين * اتبعوا من لا يسألكم أجرًا وهم مهتدون ) (يس: 20 - 21) واستمر الرجل يدعو القوم إلى الإيمان ، ويرغبهم فيه ، ويحذرهم من عذاب الله ، الذي يتربص بهم ، ويبين لهم ما هم فيه من ضلالة ، ولكنهم لم يسمعوا له ، ولم يستجيبوا .. ويوحي سياق القصة بعد ذلك أنهم لم يمهلوا الرجل أن قتلوه ، وانتهى أمره في لحظات ، كما بدأ في لحظات ، لكن حكاية القرية لم تنته عند هذا الحد ، بل تنزل أمر الله ليغير حال القرية عن بكرة أبيها: ( وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين . إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون ) ( يس 28 - 29 ) فكأن دعوة الرجل الصالح ، كانت الإنذار الأخير من رب العالمين لأهل تلك القرية ، التي استؤصلت من على وجه الأرض ، وباستئصالها تم التغيير المنشود.
ولقد يعترض معترض هنا فيقول: وأي تغيير هذا الذي انتهى بالدمار ؟
فنقول: هو تغيير لا شك في ذلك ، هو تغيير بالمعنى الأشمل للتغيير ، فمادام أهل القرية قد رفضوا دعوة الهداية والرشاد ، وأصروا على كفرهم ، وعلى انحرافهم عن الفطرة الربانية - على الرغم من الدعوات المتكررة ، التي جاءتهم - فقد أصبحوا بموقفهم ذاك يمثلون أزمة ، أو داءًا مزمنا بالنسبة للمجتمع البشري، ومثل هذا الداء المزمن لا ينفع فيه غير الاستئصال الجراحي .. وهذا ما كان فعلًا ..
وليس هذا المثال الذي قدمناه فريدًا في التاريخ البشري ، ففي القرآن الكريم أمثلة كثيرة نطالعها في الآيات ، التي تحدثت عن قصص الرسل ، الذين لم يؤمن معهم أحد من أقوامهم ، أو آمن معهم نفر قليل ، فانتهى أمر تلك الأقوام إلى الهلاك ( قوم عاد ، قوم نوح ، قوم ثمود ، قوم لوط .. وغيرهم كثير ) .
إذن كيف يكون التغيير الآخر ، التغيير الذي لا ينتهي بالهلاك ، بل يتوج بنهوض الأمة إلى آفاق الحضارة الإنسانية السامية؟
وللجواب عن هذا السؤال ، نعود من جديد إلى رحاب القرآن الكريم ، لنجد أن مثل هذا التغيير الطموح لا يمكن أن يتحقق ، أو يكتب له النجاح ، ما لم تستجب له نفوس الغالبية من الناس ، لأن المجتمع - من هذه الوجهة - يشكل في مجموعه جسدًا واحدًا ، لا يصلح إلا أن تصلح معظم أعضائه ، ولقد أخبرنا القرآن الكريم أن أنبياء الله - عليهم السلام - كانوا دومًا يتوجهون بدعواتهم إلى أفراد المجتمع كافة بلا تمييز ، من أجل هذه الغاية أملًا في كسب العدد الكافي منهم إلى صف الدعوة ، لأن هذا العدد أمر لازم حتى يتغير حال المجتمع .