نحن والحضارة والشهود (الجزء الأول)
تقديم بقلم: عمر عبيد حسنه
الحمد لله الذي أورثنا الكتاب واصطفانا لحمل الرسالة الخاتمة، جماع الرسالات السماوية، فقال تعالى: { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا } ( فاطر:32) ، وقال: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه... } (المائدة:48) ، وجعل الرسالة الخاتمة رسالة إنسانية للعالمين، وجعل الغاية من النبوة إلحاق الرحمة بالعالمين فقال تعالى: { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } (الأنبياء:107) .
والصلاة والسلام على من انتهت إليه رسالات الأنبياء، وتحققت فيه كمالات الرسل، فبرسالته تكامل الدين وكمل، واختُتمت النبوة، وتم البناء، فجاءت نبوته ورسالته على خط النهاية من الرسل، قال تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا } (المائدة:3) ، وقال: { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن كان رسول الله وخاتم النبيين } (الأحزاب:40) ، وقال تعالى: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده } (النساء:163) . وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: [ إن مَثلي ومَثَلَ الأنبياء من قبلي، كمثل رجلٍ بنى بيتًا فأحْسَنهُ وأجْمَلَهُ، إلا موضعَ لبنةٍ من زاويةٍ، فجعلَ الناسُ يطوفونَ بهِ ويعجبون لَهُ، ويقولون: هلاّ وُضِعَتْ هذه اللبنةُ، قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين ] (أخرجه البخاري) .
وبعد:
فهذا كتاب الأمة الثمانون: (نحن والحضارة والشهود ) للأستاذ الدكتور نعمان عبد الرزاق السامرائي، في سلسلة كتاب الأمة الذي يصدر عن مركز البحوث والدراسات في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة قطر، مساهمة في التشكيل الثقافي، والوعي الحضاري، واسترداد دور الأمة المسلمة في الشهود الحضاري والحضور الإنساني، وإعادة تأهيلها لتكون محلًا لشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم عليها، ومن ثم تتمتع بصفة المعيارية التي تجعلها مؤهلة لأن تكون شهيدة على الناس، تسهم بمعالجة أزمة الحضارة الإنسانية اليوم، مهتدية في ذلك بقيمها ومرجعيتها وتجربتها الإنسانية التاريخية، بعد هذا التيه من الغياب والشتات والتراجع الحضاري.
إن عملية التحضير لردم فجوة التخلف وعودة الشهود الحضاري والتأهيل لمعاودة الإقلاع واستئناف دور الأمة في البناء الحضاري وبناء رؤية مستقبلية، سوف لا يتحقق لها النجاح ما لم تأخذ في اعتبارها استيعاب الماضي، بكل معطياته، كما تقتضي الإحاطة بالحاضر، بكل مكوناته، كمقدمة للمستقبل، ومن ثم إبصار المستقبل وتوفير واكتساب أدوات بنائه واستكمالها.
ولعلنا لا نأتي بجديد إذا أكدنا أن أي انطلاق من جديد، أو أي إقلاع حضاري، لابد له من الإحاطة بمرحلة القدوة على وجه الخصوص، ذلك أن نهوض أي مجتمع أو معاودة توليده مرهون إلى حد كبير بإعادة استدعاء وتمثل ظروف وشروط ميلاده الأول، فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، أو كما يقول الإمام مالك رحمه الله.
ذلك أن استقراء الشهود الحضاري، أو استقراء النهوض الحضاري على مستوى الذات (والآخر ) بشكل موضوعي ومنهجي، يؤكد أن فترات التألق والنهوض والإبداع وامتلاك القدرة على التجاوز والإقلاع إنما تمت عند امتلاك القدرة على إعادة بناء المنطلقات، وتوفير الظروف والشروط الملائمة لامتدادها وتجسيدها في واقع الحال.. وفي تاريخنا الحضاري، على تقلباته المتعددة، وتضاريسه المختلفة نبصر هذه المعادلة، بما لا يدع مجالًا للشك.. إن فترات التألق والإبداع والنهوض إنما بدأت بتصويب المنطلقات وإصلاح الخلل.
فالعطاء الحضاري أو الإنجاز الحضاري، على الأصعدة المتعددة، إنما هو التجلي الكلي والأساس لثقافة الأمة ورؤيتها للكون والحياة.. أو بعبارة أخرى، إن عالم الأشياء مدين في وجوده وصموده وامتداده إلى التزود من عالم الأفكار، وإن نمو عالم الأفكار وسلامته وتقبله وانتشاره مشروط بقدرته على ترجمة القيم واستحضار المرجعيات وتجسيدها في واقع الناس، من خلال الإمكانات المتاحة والظروف المحيطة وامتلاك الخصوبة والقدرة على إبداع أوعية التعامل معها، وامتلاك القدرة على تجريدها من ظروف الزمان والمكان والأشخاص، والقدرة على توليدها في كل زمان ومكان وتجمع بشري، بحسب إمكاناته وظروفه.
ومن هنا نقول، وفي ضوء الاستقراء الحضاري للمعادلات الاجتماعية ومشاريع النهوض التاريخية على مستوى الذات والآخر: إنه لا يمكن بحال من الأحوال بناء حضارة أو إقامة ثقافة وبناء عالم أفكار على أصول ثقافية وحضارية لثقافة وحضارة أخرى، ولعل ذلك أصبح من المسلمات الثقافية، بعد رحلة الضلال الطويلة.. وهذا لا يعني الانغلاق والحيلولة دون التبادل المعرفي والمثاقفة والتلاقح (القبول بالآخر ) ، وإنما ينفي الارتماء وإلغاء الذات وفقدان المعايير.
إن ترجمة القيم والمبادئ إلى برامج، وإيجاد أوعية شرعية لحركة المجتمع، وتوفر المعارف والتخصصات والأدوات التي تمكن من التعامل معها، وتجريدها من ظروف الزمان والمكان والأشخاص، وإعادة توليدها في واقع الحياة، قضية تعتبر من أعلى أنواع الاجتهاد وأشقها.. وهي بطبيعتها خارجة عن نطاق الأماني والرغبات.. وهي بحاجة إلى الكثير من المدارسة والمراجعة والتقويم والتصويب والإفادة من التجربة التاريخية، على مستوى الذات و (الآخر ) .
والاجتهاد المطلوب لتطوير الذات وإعادة بنائها، مطلوب بالقدر نفسه لكيفية التعامل مع (الآخر ) ، واكتشاف المواقع والمداخل التي تمكن من الشهود والمساهمة بالرحلة الحضارية الإنسانية، والمساهمة أيضًا بمعالجة أزمة الحضارة، ذلك أن الادعاء بالحضور والشهود الحضاري بدون الاجتهاد في إبداع الوسائل والأدوات والأوعية لتنزيل القيم على الواقع، واختبار هذا التنزيل، هو نوع من تكريس التخلف وفسح المجال لتمدد (الآخر ) ، وإجهاض للقيم، وفقدان الثقة بقدرتها على إعادة البناء واستئناف النهوض.
إن عملية الشهود الحضاري، والقيام بالدور المطلوب على مستوى الحضارة الإنسانية، وامتلاك القدرة على تنزيل القيم في الكتاب والسنة على واقع الناس، وتقويم سلوكهم ومجتمعاتهم بها، وإبداع البرامج والأوعية لحركة الحياة، من خلال منطلقات إسلامية، واستيعاب التجربة الحضارية التاريخية والإحاطة بعلم مرحلة السيرة وخير القرون، محل القدوة والتأسي، وتحديد الموقع المناسب لواقع الحياة اليوم من مسيرة السيرة، ليتم الاقتداء المناسب، ويؤتي ثماره بعيدًا عن الحماس والادعاء، يتطلب أول ما يتطلب الشهود على الذات، أو الشهادة على الذات، أو الوعي بالذات، وإعادة المعايرة لها، والشهادة عليها، وتقويمها بقيم الكتاب والسنة، وتحديد مواطن الإصابة والخلل الذي لحق بها، والتعرف على أسبابه والسنن الذي تحكمه، وعدم الاكتفاء بالشكوى والتبرم وملاحظة الأثر والعرض، ومن ثم تحديد الاستطاعة أو تحديد الممكن أو المستطاع، بالمصطلح الشرعي، في هذه المرحلة.
وذلك لأن تجاهل الاستطاعة المتاحة والظروف المحيطة يؤدي إلى خلل في أدوات البحث والمعالجة نفسها، وينزل القيم في الكتاب والسنة على غير محالها، ويقود إلى سوء التقدير، فتحدث الفوضى والإرباك، ويستمر الوهن والإنهاك الحضاري، وتفتقد الثقة بالقيم نفسها، ويحدث نوع من التطاول وأحلام اليقظة، أو (الطوباوية ) إن صح التعبير.
إن سوء التقدير للاستطاعة ومعرفة التكليف في ضوء ذلك، لا يتحقق معه استقامة، ولا يفيد من الاستطاعة المتاحة، وتفعيلها، والبناء عليها لبنة بعد أخرى، وإنما يكون سبيلًا إلى تبديد الاستطاعة المتاحة نفسها، وتضييع الحاضر والمستقبل معًا، وترك ما نملكه، والتطلع إلى ما يملكنا، وبذلك يستمر العجز والتخاذل الثقافي والحضاري، فنلجأ إلى التاريخ لنحتمي به، لا لنعتبر به ونغترف منه ونبصر قوانينه وسننه.. نلجأ إلى التاريخ لنغطي مركب النقص، فنعيش غربة الزمان والمكان، ونحاصر القيم الإسلامية، ونكرس شُبه الأعداء بتاريخيتها وعدم خلودها وقدرتها على الإنتاج في كل زمان ومكان.
وقد يكون الوجه الآخر لسوء تقدير الاستطاعة والظروف المحيطة، التي تعتبر جزءًا من تقديرها، وإدراك حدود التكليف في ضوء ذلك - الأمر الذي أدى ولا يزال إلى القيام بمجازفات غير محسوبة، والتطلع إلى تكاليف فوق الطاقة، بحيث تضيع الطاقة، ويضيع ما فوقها، ونعود بالخسران المبين على الذات - قد يكون الوجه الآخر للإشكالية كامنًا أيضًا في سوء التخطيط لدور الاستطاعة نفسها، والعجز عن حسن توظيفها وإدارتها، واغتنامها، ووضعها في الموقع المناسب والفاعل.