إن سوء التخطيط يؤدي إلى التحرك تحت رايات عُمِّيّة، وذلك عندما يمتلك (الآخر ) أو العدو القدرة على تحريك استطاعاتنا وتوظيفها واستغلالها في معاركه وتصفية حساباته في الأوقات المناسبة، والإفادة منها لصالحه، بحيث نتحول مع استطاعاتنا إلى أدوات مسخرة (للآخر ) ورصيد جاهز لدخول معاركه، دون أن تكون لنا القدرة والإرادة والبصيرة على الإفادة من استطاعاتنا والتخطيط لها لتحقيق الأهداف الإسلامية الممكنة التي تقع في حدود تكليفنا.
وكم من الطاقات الإسلامية والتضحيات الإسلامية هدرت ووظفت لصالح العدو في أكثر من موقع، وكانت عواقبها وآثارها خطيرة على أصحابها، الذين صاروا أولى ضحاياها، فتحولوا من رموز للتضحيات المقدورة إلى أشلاء من الضحايا المحزنة التي تعاني من المطاردة والإحباط.
وما أمر تجربة الجهاد الإسلامي في أفغانستان، والصورة التي بدأ فيها والحال التي انتهى إليها، ومن قبله معظم ثورات التحرير التي بدأت إسلامية جهادية ومن ثم انتهت تطارد الإسلام ثقافة وحضارة وحركة، وتشكل رصيدًا لصالح العدو، عنا ببعيد.
كما أنه ليس بعيدًا عنا أيضًا استدعاء الإسلام في فترات الأزمات ليقدم التضحية ويشكل السلاح الفاعل والدرع الواقي في المواجهة، فإذا ما انتهت الأزمة عاد الإسلام ليكون أول الضحايا!
ونعاود القول: إن الانكفاء التاريخي سوف لا يحقق إلا مجرد الإبقاء على النسب الحضاري والتراثي لهذه الأمة، ذلك أن الالتجاء السليم إلى التاريخ يزود الأمة بالطاقة والبصيرة والعبرة، والاهتداء إلى قوانين الحركة التاريخية أو السنن التي تحكم الحياة والأحياء، وتمكن للعودة المكينة، واستئناف الشهود، بأدوات دقيقة وسليمة ومختبرة تاريخيًا.
وقد يُقابل هذا الانكفاء على الذات والالتجاء السلبي إلى التاريخ لمعالجة مركب النقص، أو الحيلولة دون الاقتلاع، عندما لم ينتج شيئًا ولم يغير ساكنًا ولم يحدث حراكًا ثقافيًا واجتماعيًا، قد يُقابل بلون من الانتحار الحضاري وذلك بالارتماء على (الآخر ) ، وإعدام الذات، وتجاوز السنن الحضارية والمعادلات الاجتماعية، والتوهم أن نهوض حضارة أو نهوض مجتمع يمكن أن يقوم على أصول حضارية ومعادلات اجتماعية غريبة عنه.
إن الوعي بالذات، والعكوف عليها، وتحديد إصاباتها، ووضع البرامج والخطط لانتشالها، وإعادة إخراجها لمعاودة الشهود واستئناف الدور للانتقال من الشهود الذاتي إلى الشهود الإنساني في ضوء قيم ومعايير الكتاب والسنة، هو الخطوة الأولى على طريق الشهود الحضاري والقيام بأمانة الاستخلاف والعمران وإلحاق الرحمة بالعالمين، الغاية التي من أجلها جاءت الشريعة.
وما لم نتحقق بالشهود على الذات، حقيقة لا ادعاءً، فسوف نستمر في طحن الماء والحراثة في البحر، والمراوحة في أمكنتنا، وإجهاد أنفسنا بلا طائل.
وكون وسائلنا ومشاريعنا وشعاراتنا ورياداتنا وادعاءاتنا السائدة والشائعة لم تنتج إنجازًا، فإن ذلك يعني أن هناك خللًا، وأن باطلًا يصارع باطلًا، أو أننا نتعامل بوسائل معطوبة، أو مناهج قاصرة، أو رؤى حالمة، أو إخلاصًا يفتقر إلى الصواب على أحسن الأحوال.. إن ذلك يقتضي إعادة النظر، وإعادة الفحص والاختبار، مهما تذرعنا بالظروف وشراسة العدو، وحتى في حالات الهروب الكاملة التي تنتابنا في إلقاء التبعية على القدر، لأن ذلك يعني، على أحسن الأحوال، أننا دون سوية المرحلة والتعامل مع الظروف وحسن توظيف الاستطاعات، فنلغي ذاتنا دون أن ندري.
وعندما نلقي بالتبعة على القدر ونتحول إلى جبريين، بمعنى الانتهاء إلى قناعة سلب الإرادة والعجز عن الاختيار، فإن إيماننا وتعاملنا مع قيمنا في الكتاب والسنة وفترة التجسيد في واقع الناس، فيه الكثير من المجافاة للحق والواقع والسيرة والتاريخ وخصائص خير القرون.. فليس المؤمن، في الرؤية الإسلامية، هو الذي يستسلم للقدر، وإنما المؤمن الحق هو الذي يغالب القدر بقدرٍ أحبّ إلى الله، فالأقدار هي السنن التي شرعها الله.. وتعبدنا في هذه الحياة بمدافعة قدر بقدر.
إن المنهج الإسلامي أو المنهج القرآني هو منهج تقويم وتصويب وشهود على الذات قبل (الآخر ) ، في كل الحالات والأحوال، حتى حالات بناء الأنموذج، التي مثلها كرام الخلق من الصحابة رضوان الله عليهم.. ففي بدر مثلًا، وهي معركة الفرقان، والبدريون، وهم خلاصة الخلق المؤمن - (إن الله عز وجل اطلع على أهل بدر فقال: افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) (أخرجه أبو داود) - عندما اختلفوا كبشر في قسمة الغنائم، وفسدت ذات بينهم، وكادت تسوء أخلاقهم، نزع الله أمر قسمتها منهم، وأعاد بناء ذات البين، وبناء الخصائص والصفات التي يجب أن يتحلى بها المؤمن، فقال تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } (الأنفال:2) .. وعندما توهموا أن النصر كان بسبب إقدامهم وشجاعتهم قال الله تعالى: {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم } (الأنفال:17) ، {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } (الأنفال:17) ، {وما النصر إلا من عند الله } (الأنفال:10) .
لقد أعاد القرآن بناء الذات وتصويب الشهادة عليها، لتكون مؤهلة لحمل الأمانة وتحقيق الشهود الحضاري المستقبلي.
وعندما هُزم المسلمون في أحد، وعلا الكفر واهتزت النفوس، وتشكك بعض المسلمين - وهم من الصحابة- وعندما أُشيع خبر وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم فانقلب بعضهم على أعقابه، جاء القرآن بمساحات تعبيرية هائلة لبيان الخلل، وتحديد الإصابة، والدخول إلى بواطن النفس، ونشر ما داخلها، واختبار النوايا، وبيان أن بعضهم كان يريد الدنيا: {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه، حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة } (آل عمران:152) ... والآيات في ذلك كثيره لا يتسع المجال لإيرادها.
لقد جاء القرآن ليعيد بناء الإخلاص (النية ) وتنقيته من الشوائب، ويعيد بناء الصواب (الفعل ) وتخليصه من المجازفة والارتجال.
وكان لابد من إعادة بناء الذات بجرأة وشجاعة، والشهود عليها، وتقويمها بقيم الكتاب والسنة، لتكون مؤهلة للشهود على (الآخر ) .
وفي تقديري أن إشكالات أو إشكاليات بناء الذات، وإعادة تقويمها ومراجعة واقعها، ونقد الحال التي هي عليها، ونقض الباطل، والاجتهاد في تحديد الإصابات ومواطن الخلل والأسباب، تعود إلى حد بعيد إلى اضطراب فهم القيم وكيفية التعامل معها، والتلبس والخلط بين الذات والقيمة، بين نصوص الدين الإلهي المعصوم وصور التدين البشري التي يجري عليها الخطأ والصواب.