ذلك أن التلبس بين قيم الدين المنزل المعصوم وبين صور التدين البشري التي يجري عليها الخطأ والصواب والنقص، يعتبر إشكالية خطيرة من إشكاليات الوعي بالذات وإعادة البناء، وتقويمها بقيم الدين، والانطلاق بعمليات النقد والتقويم والمراجعة.. وقد تقود صور التدين أو علل التدين إلى ممارسة أشكال من عمليات التحريف والمغالاة والانتحال باسم الدين، فيصبح التدين والفهم البشري والاجتهاد هو الدين المعصوم، وبالتالي تحاط صور التدين بأقدار من القدسية، وادعاء العصمة، وتحاط بنماذج من الإرهاب الفكري الديني تشل الفاعلية وتطارد عمليات التقويم والمراجعة والمثاقفة والنقد والنقض، وتتوضع الأخطاء التي هي من طبيعة البشر، وتختل الموازين والمعايير، ويصبح الرجال وصور تدينهم واجتهاداتهم هم المعيار للحق ولمعرفته، ويصبح أي نقد لهم ولممارساتهم واجتهاداتهم، الذي هو في الأصل لصالح الدين ونصوصه المعصومة، نقدًا لقيم الدين نفسه، فتتكرس الأخطاء، وتتعطل الملكات، ويُقتل الإبداع، ويغيب الشهود على الذات، وتختلط الأمور، وتُحاصر قيم الدين، ويُحال دون قدرتها على الإبداع والإنتاج لكل عصر، بحسب مشكلاته، ويصبح الإنسان هو المعيار وهو محل المعايرة في الوقت نفسه.
ولقد حذر القرآن من علل التدين وصور التدين المغشوش حتى لا تتسرب لأمة الرسالة الخاتمة، وذلك عندما تتحول العصمة من القيم إلى الذات، وتتلبس الذات بالقيم والقيم بالذات، وتؤّل النصوص لتسوغ الممارسة، ويصبح لكل إنسان كتاب وسنة.
ولقد حذر تعالى من علل تدين الأمم السابقة، لتكون الأمة المسلمة متحققة بالشهود الحضاري التاريخي فقال: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله } (التوبة:31) ، وقال: {إن كثيرًا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل } (التوبة:34) .
ولعل من الأمور المطلوبة لوعي الذات وإعادة بنائها وتحققها بمؤهلات الشهود أو ممارسة شهود الرسول صلى الله عليه وسلم عليها لتصبح مؤهلة للشهادة على الناس، {لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ً} (البقرة:143) ، أن نتجاوز الرؤية النصفية من الاقتصار في بذل الجهود على إثبات النص وما يتطلب ذلك من الجهود الفكرية والتوثيق وضبط مناهج النقل ومعايير الجرح والتعديل، وأنشطة التحقيق العلمية في المعاهد والجامعات، وما استدعى ذلك من الكلام عن صحة النص وعظمته وخلوده، إلى استكمال الرؤية في الاجتهاد وبذل الجهد، ووضع المناهج والضوابط، لكيفية إعمال النص وتنزيله على الواقع.
صحيح بأن بذل الجهود في حفظ النص ونقله تبقى على غاية من الأهمية، لأنها تحتفظ بالإمكان الحضاري، وتشكل المحور الأساس لحركة الحياة، لكن الاقتصار على ذلك دون التفكير بكيفيات التنزيل وتقويم المجتمع بقيم النص أو بالنص يفقد النص قيمته العملية، ويعطل وظيفته، ويصبح الحفظ والنقل عملية سلبية خارج حركة الحياة.
لقد تحدثنا كثيرًا ولا نزال عن عظمة الإسلام، وصوابية النص وخلوده، وتجربته التاريخية، ومرونته، وتميزه، وقدرته على معالجة مشكلات الحياة في كل زمان ومكان، وقابليته للتطبيق، حتى يكاد ذلك يستغرق أدبيات العمل الإسلامي، أما البحث والدرس والاجتهاد وتقديم البحوث والرسائل الجامعية وتوجيه جهود الباحثين إلى كيفية التنزيل على الواقع، ونصيب الواقع الإسلامي من هذا النص، ومعاودة تقويم واقع المجتمعات بقيم الكتاب والسنة، بحيث ينظر إلى القيم من خلال الواقع، وينظر إلى الواقع من خلال القيم، فواقع محزن.
ولن يتغير هذا الواقع المحزن مالم نجتهد في إيجاد الأدوات الصحيحة لاختبار صور التدين، وإعادة معايرتها، وممارسة الاجتهاد والتجديد، أو بمعنى آخر التحول بالأقدار الكافية من الكلام عن عظمة الإسلام إلى دراسة واقع المسلمين وأسباب عدم تحققهم بهذه العظمة، ووضع المناهج والبرامج والأوعية لبناء صور للتدين تكون في مستوى الدين والعصر، وإتاحة الفرصة لنقد الواقع وصور التدين التي هو عليها، والاجتهاد في اختبار صور التدين وتحديد أسباب الخلل بين عظمة الدين وخيبة المسلمين، وبذلك يتحقق الوعي بالذات، وتصوب مسيرتها في ضوء قيم الدين الخالدة، وتتأهل بعد تصويب الشهادة عليها من الكتاب والسنة لتكون شهيدة على الناس.
ولعل من آثار ذلك ومظاهره أيضًا المباهاة بإنجاز القرن الأول، المشهود له بالخيرية من الرسول بقوله: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم... ) (أخرجه البخاري) .. تلك الخيرية المفترض لها أن تحقق المقاربة، وأن تثير الاقتداء، وتغري به، على الأصعدة المتعددة، فقول الرسول: (خير الناس... ) يعني فيما يعني -إضافة إلى الشهادة النبوية لفهم خير القرون وتنزيلها على الواقع- أن هذا الفهم للقيم من الأمور المرجعية.
وحتى يتحقق الاقتداء بالشكل المناسب، فإن الأمر يتطلب، بالنسبة للأجيال المسلمة في كل عصر، الاجتهاد في محاولة تحديد مجموعة الخصائص والصفات التي بها كانت تلك الخيرية، ووضع المناهج التربوية والإعلامية والثقافية التي تمكن من التحلي بها، والمقاربة منها ولها.
إن قول الرسول صلى الله عليه وسلم -فيما نرى- لا يحمل الإخبار فقط عن ذلك، فالإخبار على أهميته بشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم لهذا الجيل، إلا أنه يبقى عن جيل ماض لا سبيل للوصول إليه والانسلاك في إطاره من حيث الزمان والمكان، وإنما يحمل كلام الرسول صلى الله عليه وسلم أيضًا أبعادًا تكليفية لابد من التفكير بكيفية تحقيقها أو مقاربتها على مدى الأجيال، وذلك بتجريد تلك الصفات من قيد الزمان والمكان والأشخاص، ومحاولة توليدها في كل زمان ومكان عن طريق وسائل التربية والتعليم، والتوجيه، والإرشاد، والإعلام، والتثقيف، وتأطير الفهم بعطاء المشهود لهم بتلك الخيرية والهدى من المعصوم.
أما الاقتصار في القراءة لسيرة خير القرون لمجرد الاحتماء بها ومعالجة مركب النقص وتغطية العجز دون القدرة على التحلي والتمثل ودراسة مدى تحقيق هذه الخيرية في الأجيال المستمرة، فتلك المعادلة التي ما تزال بانتظار الحل.. فالجيل عظيم، وصاحب إنجاز متألق وإبداع وبناء حضاري، وأنموذج متفرد... وهذا قد لا يحتاج منا للشهادة له بعد شهادة المعصوم بالخيرية والهداية من الله، وإنما نحن الذين نحتاج للتأهل بخصائص وصفات ذلك الجيل، حتى نتحقق بالشهود على الذات، وتصويب خطواتها، وترميم إصاباتها، وتقويمها بتلك الخصائص والصفات، لتصبح في مستوى الشهادة على نفسها، وقادرة على الشهادة على الناس: {لتكونوا شهداء على الناس } (البقرة:143) .
فطالما نحن مفتقرون للشهادة على الذات ومعايرتها بالقيم في الكتاب والسنة وخصائص خير القرون، فسنبقى عاجزين عن الشهادة الحضارية على الناس.
وقد يكون من البدهيات القول: بأن إعادة بناء الذات، وتأهيلها، باسترداد مقومات الشهادة على الذات لتصبح قادرة وقائمة بالشهادة على (الآخر ) ، أو ممارسة مهمة الشهود الحضاري، لا يتحقق بالرغبات والأمنيات وبمزيد من الحماس والتوثب والحشد والخطب، وإنما لابد له من توفير التخصصات في المجالات المعرفية المتنوعة والمتعددة، وإبداع المناهج والبرامج الدقيقة، واختيار أدوات البحث، وتقويم النتائج وقياسها، واكتشاف مواطن الخلل ومعالجتها بجرأة وشجاعة.