فهرس الكتاب

الصفحة 1835 من 1942

ذلك أن عمليات النقد والتقويم والمراجعة من المهام الوظيفية الكبرى لتحقيق الشهادة على الذات وسلامة مسيرتها، والقيام بواجبات الشهود الحضاري، فأهل الذكر في كل قضية هم المتخصصون بها، المحيطون بعلمها: {فاسأل به خبيرًا } (الفرقان:59) ، وأن غير المتخصص عاجز عن تقديم الشهادة وإدراك أبعادها ورؤية متطلباتها، عاجز عن تحملها، عاجر عن أدائها معًا. وأهل الحل والعقد هم أهل الاختصاص الذين يمتلكون الرؤية الشرعية، أو المرجعية الشرعية، التي تفيد من الاختصاص وتوجهه صوب أهدافه.

فلا نستطيع تحقيق الشهود الحضاري، لا على أنفسنا ولا على (الآخر ) ، إذا كان الكثير من شعب المعرفة التي يتطلبها بناء المجتمع وشهوده، وتقتضيها وظائفه غائبة ومؤذنة بتمدد (الآخر ) .

وفي اعتقادي أن الإصابة في هذا الموضوع بالغة ومتجذرة وخطيرة، وتحتاج إلى جهود لفك الأطواق من التقاليد المحكمة على الرقبة، والعزم على اقتحام هذه العقبة، حيث المتحمسون وغير المتخصصين بين المتدينين يفتون بما لا يحيطون بعلمه، ويقتحمون مجالات لا خبرة ولا اختصاص ولا همَّ لهم بها.. والمتخصصون من كثير من المسلمين في بعض شعب المعرفة ما يزالون عاجزين عن إدراك الرؤية الإسلامية للاختصاص وأهمية تكامل الاختصاصات في تحقيق الشهود على الذات، فيغادرون مساحات ومجالات الاختصاص إلى منابر الوعظ والإرشاد، فيدعون ما يحسنون إلى ما لا يحسنون، ونفصل بذلك الدين عن مجالات الحياة عمليًا، أو نفصل الحياة عن قيم الدين، رغم أننا ندعي غير ذلك، وتستمر حالة الاستنقاع الحضاري، ويستمر تمدد (الآخر ) في المجالات والوظائف التي يتطلبها المجتمع المدني، وبعد ذلك ندعي بأننا الشهداء على الناس، رغم الافتقار لمقتضيات الشهادة: { لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا } (البقرة:143) .

وقد تكون المشكلة التي تكمن وراء الكثير من المجازفات والمفارقات، عدم الإدراك الكامل لحدود التكليف في كل مرحلة وحالة، وإمكانيته، الأمر الذي يؤدي إلى العبث بالأحكام والتكاليف الشرعية، وتنزيلها على غير محالها.

والسبب الأساس في ذلك -في نظري على الأقل- هو الاقتصار بالاجتهاد على فهم النص، وغياب الاجتهاد في محل التنزيل، وإلى أي مدى تتوفر الشروط المطلوبة في المحل أو الاستطاعة المطلوبة لتنزيل الحكم، والله يقول: {لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها } (البقرة:286) ، ويقول: {وفاتقوا الله ما استطعتم } (التغابن:16) ، حتى يكون التكليف في حدود الاستطاعة، وهو ما اصطلحنا على تسميته (فقه الواقع ) ، الذي هو فقه المحل، وعدم الاقتصار على فقه النص.. وهذه الثنائية بين فقه النص وفقه الواقع، أو المحل، هي في واقع الحال ثنائية فنية لتسهيل الإدراك للموضوع، ذلك أن الحقيقة أن من مقتضيات فقه النص فقه المحل ولافقه لنص دون فقهٍ لمحله.

إن التكليف إذا انعدمت الاستطاعة المطلوبة له، لا يَرِد على الإنسان ابتداءً، وهذا طبيعي في شرع الخالق. فإذا توافرت درجات أعلى من الاستطاعة علا التكليف، وإذا ضعفت أو تراجعت اقتضت من التكليف ما يناسبها.

إن عدم إدراك هذه الحقيقة البدهية التي أدركها الكثير من فقهائنا الأعلام يعتبر من الإشكاليات الكبيرة التي أعاقت ولا تزال تطبيق الشريعة حتى اعتبر أن غير المستطيع غير مكلف، ولا ترد التكاليف في حقه أصلًا.

ومن هنا ندرك أن التخلف، كعملية متراكبة ومتداخلة، لا يقتصر على أن يضعنا دون سوية عصرنا ويؤدي إلى عجزنا عن الشهود الحضاري، وإنما يضعنا أيضًا دون سوية ميراثنا الثقافي والفقهي.

إن العبث بالأحكام الشرعية وتنزيلها على غير محالها تحت شعارات الحماس والحرص على تطبيق الشريعة، لا شك أنه يؤدي إلى إهدار الطاقات، والقيام بمجازفات، والإقدام على أعمال غير محسوبة بدقة، ويعود في النهاية أو المحصلة النهائية، على إجهاض أداء القيم، والتوهم بأن الأزمة أزمة قيم وتجربة حضارية وأطر مرجعية، والحقيقة أن الأزمة أزمة تعامل، وفقه تنزيل، وغياب اختصاص، وفقدان مقومات الشهود.

وهذا العبث بالأحكام الشرعية وتنزيلها على غير محالها، وعدم فقه المحل، وتوفير الاستطاعات لتتوازى مع التكاليف، وتوفير الاطمئنان النفسي،أدى إلى كثير من القلق والاضطراب والتطاول إلى ما لا نستطيع على حساب ما نستطيع، ذلك أن المسلم إذا استفرغ وسعه وبذل استطاعته في التكاليف الشرعية المناسبة لها، فقد طبق الإسلام المكلف به في حاله التي هو عليها ولو لم يستكمل جميع تكاليف الشريعة.

إن غياب فقه الاستطاعة، أو غياب فقه المحل، وعدم إدراك مواصفات الخطاب القرآني بحسب محاله، أدى إلى لون من العجز عن التعامل مع القرآن، والفوضى في إدراك خطابه، ذلك أن من المعروف أن الخطاب القرآني متنوع الأغراض، متعدد المجالات، ولكل حالة ومجال خطابه الملائم له: فخطاب المعركة غير خطاب الحوار، وخطاب الدعوة غير خطاب الدولة، وخطاب النصر غير خطاب الهزيمة، وخطاب العقيدة غير خطاب المعاملة الاجتماعية.

لذلك نقول: إن الفوضى في التنزيل، وقراءة الخطاب القرآني والاستشهاد به في غير محاله، أدى إلى الكثير من الضياع والبلبلة الفكرية، والكوارث الاجتماعية، والإحباطات والأزمات النفسية، كما أدى إلى العجز عن الشهود الذاتي والشهود على (الآخر ) ، أو الشهود الحضاري بشكل عام.

وعلى الجملة يمكن القول: بأن الإشكالية الأساس في تحقيق الشهود على الذات، الذي يؤهل للشهود على (الآخر ) ، هي تلبس الذات بالقيم، والخلط بين الدين والتدين، والتجريم والتأثيم والإرهاب الفكري لكل من ينتقد صور التدين، على اعتبار أن هذا النقد وهذه المراجعة والتقويم إنما تنال من قيم الدين المعصوم (!) فاستمر التشوه، وتكرس الكثير من التدين المغشوش، وحلت اجتهادات البشر محل قيم الدين المعصومة الخالدة.

ولعل من مقومات الشهود ومستلزماته، إلى جانب الوعي بالذات وتحقيق الشهود الذاتي وتقويم ذلك بقيم الكتاب والسنة، الوعي (بالآخر ) ، محل الشهود، والشريك في الشهود والبناء الحضاري.

وفي تقديرنا، أن الوعي (بالآخر ) يتطلب فيما يتطلب المعرفة بعقيدته، وعالم أفكاره، كما يتطلب المعرفة بتاريخه الطويل، أو نصيب هذا التاريخ والفعل البشري من عقيدته وعالم أفكاره، ومن ثم إدراك حاضره وموقع هذا الحاضر من عقيدته وتاريخه، حيث لابد من هذا الوعي لتحديد القواسم المشتركة، وتحديد المداخل الحقيقية لكيفية التعامل معه على بصيرة، وتحقيق الشهود الحضاري المطلوب.

ونحب أن نؤكد هنا أمرًا ما يزال غائبًا عن كثير من العاملين في المجال الإسلامي: أن (الآخر ) موجود من الناحية العملية والواقعية، وأنه محل الدعوة، وأحد أطراف الحوار والجدال، وأحد ميادين سنن المدافعة، واستمرار التاريخ البشري، ولذلك خلقنا الله: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم } (هود:118-119) .

إن الاعتراف (بالآخر ) ومعرفته لا يعني إقراره على ماهو عليه، وهذه إشكالية بعض الذهنيات الإسلامية، حيث يقع الخلط بين الاعتراف (بالآخر ) وبين الإقرار بصحة عقيدته ودينه، ذلك أن الله لم يخلق الخلق نسخًا مكررة عن بعضهم، ولو كان ذلك كذلك لانتهى التاريخ، وتوقفت سنن المدافعة، التي تأذن بامتداد الحياة واستمرار الضرب بين الحق والباطل: {كذلك يضرب الله الحق والباطل } (الرعد:17) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت