فهرس الكتاب

الصفحة 1758 من 1942

إن مقاصد الشارع في الكتاب ، والكون والأنفس ، وضعت لتحقيق مصالح العباد في الدارين ، وبها سيحصل الاستخلاف الذي وجد البشر من أجله أصلًا ، كما أنها تمثل أصلًا ، منهجًا تغييريًا مستقيمًا على الطريقة .

المنهج النبوي كإطار عملي للمقاصد

من استقراء السنة النبوية ، يتضح بجلاء البعد المقاصدي ، في السيرة النبوية ، فكل ما صدر عنه صلي الله عليه و سلم يقع في دوائر التيسير ، والرحمة ، والعدل ، ورفع الآصار والأغلال ، ويهدف إلى حفظ مصالح الخلق المتعلقة بحياتهم الفردية ، والجماعية ، والإنسانية .. وحياتهم المعاشية ، والروحية .. فمنهجية الرسول عليه الصلاة والسلام المضمنة في أقواله ، وأفعاله ، وتقريراته ، وأخلاقه ، وشمائله ، مصبوغة بالمنطق المقاصدي الهادف.

فكل جهده يجب أن يدرس في إطار مقاصد الشارع .. فاعتماده على منهج التربية ، والتكوين ، والتدريب على الاجتهاد ، والتشاور ، والتفكير ، والتبيين ، والسير في الأرض ، والجهاد ، إنما كانت غايته الأساسية توفير الجو والوسط ، الذي تنمو فيه (العقلية المقاصدية) المتدبرة لخطاب الله ، والتي تسبر أعماق البلاغ الرباني المبين ، وتحمل رسالة القول الثقيل .. حيث كان عليه الصلاة والسلام (مرجعية مقاصدية) توجه الناس إلى الأسرار ، والمقاصد التي حملها التكليف الرباني للخلق.

فعندما نقوم بدراسة سنن نبينا عليه الصلاة والسلام ، وأحاديثه التي حوت أقواله ، وأفعاله ، وتقريراته ، وسائر أعماله ، علينا أن نلاحظ المسحة المقاصدية ، التي لم تكن علمًا صناعيًا ينكب فيه عليه الصلاة والسلام مع صحابته الكرام على طاولات البحث ، والدرس ، والتحصيل المدرسي ، بل كانت سلوكًا وروحًا ، تسري في عروق الناس ، وتغذي جنين الحضارة برسالة الإنسان في الأرض ، وتريه حقيقة وجود الكتاب ، والكون ، والناس ، وتبين له أن كل شيء وجد ليحقق مصالح الناس في الدارين.

ثانيًا: البعد البلاغي للمنهج النبوي

يقول المولى تبارك وتعالى في كتابه الحكيم: (هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب ) (إبراهيم: 52) . (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين ) (المائدة: 67) . (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين ) ( المائدة:92) .

المنهج النبوي كإطار تطبيقي للبلاغ المبين

هكذا خطت الفكرة القرآنية طريقها نحو مشروعها الاستخلافي ، وهكذا تقرر المنهج ليكون بلاغيًا ودعويًا في أصوله الأولى . فالبلاغ المبين هو طريق البناء الحضاري التوحيدي ، والدعوة البلاغية هي سبيل التحرك الإسلامي المبين في التاريخ.

فالمبلغ الذي يحمل همّ الدعوة الحضارية العالمية ، التي تنبثق في أصولها ، ومنهجها عن مصادر التوحيد الإسلامي ، مطالب بالفقه العميق لمنهاج الهداية الحضارية ، ومنهج الإصلاح الإنساني ، ومنهجية التغيير الثقافي . وهنا تظهر أهمية سنة الرسول ص في تقديم الوعي المستوعب ، على هذه القضايا المتعلقة أصلًا بالمنطق العملي للبلاغ المبين ، وصياغته التطبيقية ، كيما يتحول إلى قوة تنفيذية للنظرية الحضارية الإسلامية ، ومحاولة تحويلها إلى مواقف سلوكية يومية تدخل في توجيه حياة الناس العامة والخاصة ، الأخلاقية والمادية ، العقلية والنفسية ، الفكرية والاجتماعية ، الأدبية والعمرانية.

فالمنهج النبوي لا يقدم فقط الإطار المرجعي للسلوك البلاغي الدعوي ، والمنهاج التوجيهي للفعل الإصلاحي ، والترشيدي ، بل يقدم بالإضافة إلى ذلك البناء العملي لهذه الأفكار النظرية . فالسنة أصلًا موقف عملي منهجي منظم ،دخل في اطراد بناء المجتمع الإسلامي الأول ، وترك للأجيال الإسلامية معيار البناء الحضاري الخاضع لتعاليم الوحي ، والمنضبط بتوجيهاته ، فالباحث في السنة باحث أيضًا في الأصول التطبيقية للحضارة الإسلامية ، وفي المناهج السلوكية ، التي حولت الفكر النظري إلى سياسة عملية.

ومن هذا التأسيس نكون أمام مطلب جوهري في التعامل مع السنة النبوية ، وهو إلزامية كشف ، وفهم البعد البلاغي والدعوى للخطاب الإسلامي ، الذي أودعت فيه جهود النبي عليه الصلاة والسلام ، روح المنهج البلاغي الإسلامي ، وبينت قواعده ، وخصائصه ، ومضامينه ، ومناهجه.

فالرسول صلي الله عليه و سلم كان مبلغًا ، ومعلمًا ، ومصلحًا ، وداعيًا ، وشاهدًا ، ومبشرًا ، ومنذرًا ، وهاديًا ، يعتمد في خطابه على (الحكمة والموعظة الحسنة) ، تمامًا كما دلت النصوص القرآنية والحديثية في مثل قوله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ) (النحل: 125) . (قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ) (يوسف:108) .

لقد كان يخاطب النفوس ، والعقول بما تطيقه ، خبيرًا بالواقع ، عالمًا بأحوال المخاطبين ، مدركًا لثقافتهم وتاريخهم ، عارفًا بمداخل استجابتهم ، مستوعبًا لمناهج مجادلتهم ، واعيًا على قدراتهم ، وإمكاناتهم ، واستعداداتهم ، وآمالهم , وآلامهم .

معادلة البلاغ المبين

لكي ندرك بوعي ، نظرية البلاغ المبين ، كما تتصورها المذهبية التوحيدية ، نحتاج إلى التعرف على أمرين اثنين هما:

1 -مفهوم البلاغ المبين وشروطه .

2 -محاور البلاغ المبين .

1 -مفهوم البلاغ المبين وشروطه:

فهم نظرية البلاغ المبين ، كما يطرحها النموذج الحضاري الإسلامي ، يستدعي عرضها على ميزان خطاب الله سبحانه وتعالى ، ففلسفة هذا البلاغ ومناهجه ، ووسائله ، وغاياته ، ومقاصده ، تتحدد بالفلسفة القرآنية المتعلقة بقضايا الحياة ، والكون ، والإنسان ، وصيرورة الوجود الدنيوي عمومًا . وعلى هذا الأساس نستطيع أن نقول: بأن وظيفة البلاغ المبين ، هي: تمكين الأمة من إنجاز رسالة الشهادة على الخلق ، وتحقيق مسؤولية الأمة الوسط ، وإقامة الحجة الدامغة على الناس ، وتبيين أنه الحق تبارك وتعالى ، وتحقيق تبعات هذه المسؤولية على صعيد:

-العبادة الحقة لله سبحانه وتعالى .

-الإعمار الكوني .

-التسخير السنني .

-الإنقاذ الحضاري للبشر .

-التعارف الثقافي بين الأمم والشعوب .

وعليه ، فالبلاغ المبين هو جميع الجهود الإسلامية المخلصة لله سبحانه وتعالى ، والمتوافقه مع الهدي النبوي، و الهادف إلى توفير وتحصيل مقاصد الشارع في الخلق ، عن طريق العرض المنهجي للإسلام في شموليته ، وتكامله كنظام حياتي ، مستوعب لسعادتي الدنيا والآخرة ، وتثقيف الناس على مذهبيته ورسالته ومشروعه ، والسعي إلى بنائه ، الواقعي بالوسائل المشروعة والمتماشية مع ظروف الواقع الإنساني المتغير في الزمان والمكان.

ومن هنا ، ولكي نحقق بلاغًا مبينا وهاديًا في مستوى التحدي العالمي الذي تستدعيه مسيرة البشرية ، وتطوراتها العقلية والثقافية ، والمنهجية ، والحضارية ، علينا أن نحقق بعض الشروط الأساسية ، والتي منها:

-الفهم العميق لخطاب الله سبحانه وتعالى ، في مذهبيته التوحيدية ، ورسالته الاستخلافية ، ومشروعه الاجتماعي . وتعد هذه الغاية مرحلة من مراحل البلاغ المبين نسميها: (مرحلة فهم الخطاب الإلهي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت