-الفهم العميق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام ، وفلسفته في البلاغ المبين ، ومنهاجه في الهداية ، ومنهجيته في تطبيق الإسلام ، وبنائه واقعيًا ، وتعتبر كذلك هذه الغاية ، مرحلة من مراحل البلاغ المبين نسمها: ( مرحلة فهم النموذج التطبيقي للإسلام) .
-الفهم المستوعب للسنن الإلهية التكوينية ، والتاريخية ، التي تتحكم في البلاغ المبين ، وفي بناء الدعوات الحضارية ، وتعتبر كذلك هذه الغاية مرحلة من مراحل البلاغ المبين ونسميها: (مرحلة السير في الأرض ، والوعي السنني) .
-الفهم العميق لطبائع المراحل الحضارية التي مرت ، وتمر بها البشرية ، بغرض فهم صيرورتها فوق الكوكب الأرضي ، ونسمي هذه المرحلة من مراحل البلاغ المبين: (مرحلة فقه العمر الحضاري للإنسانية ) .
-الفهم المستوعب للواقع المحلي ، والعالمي ، في تركيبه ، وبنائه ، وتاريخه ، ونسمي هذه المرحلة البلاغية: (بمرحلة فهم الواقع القائم ، والخبرة التاريخية ، والمستقبل المنشود للبشرية ) .
-الفهم العميق لمنهاج بناء البلاغ المبين في الواقع الحياتي للناس ، وتعد هذه المرحلة البلاغية مرحلة تطبيقية تنتج عن الوعي المتحصل من فهم المراحل السابقة ، ومحاولة استخدامها في مشروع اجتماعي عملي ، ونسميها (مرحلة البناء الحضاري) .
2 -محاور نظرية البلاغ المبين:
فإذا أدركنا بأن مفهوم البلاغ المبين مستوعب لرسالة حضارية جماعية ، واستشعرنا صعوبة تحقيق شروطها ، وضخامة المهمة الملقاة على عواتقنا كأبناء أمة إسلامية رسالية ، وجب علينا أن نفهم المحاور النظرية ، والتطبيقية لنظرية البلاغ المبين.
فلكي نؤدي وظيفية البلاغ المبين ، علينا أن نعي فلسفة هذا البلاغ ، ومناهجه ، وعلاقته بالعلوم النفسية، والاجتماعية ، والثقافية ، والعلوم الشرعية من جهة ، والعلوم السياسية ، والاقتصادية ، والتربوية، والوسائلية، و الإعلامية والجغرافية ، والتكنولوجية ، والصناعية ، والعلوم الطبيعية ، والكونية ( الآفاقية ) من جهة ثانية.
إن الصلة وثيقة جدًا بين هذه العلوم ، ونظرية البلاغ الاسلامي المبين ، على اعتبار أنه - البلاغ - الغاية القصوى لكل هذه العلوم ، فكل علم إسلامي نقلي أو عقلي ، مطالب شرعًا بأن يقصد في غايته ، المساهمة في البلاغ المبين ، إذ هذه العلوم تبقى فاعلة وعملية، إذا نزلت إلى ساحات البلاغ التي تقدم فيها الهداية الإسلامية للبشرية في كل المجالات الحياتية ، ونحن في هذه الدراسة الأولية سوف لا نتتبع هذه الصلات الموجودة بين البلاغ المبين ، والعلوم المختلفة ، لأسباب منهجية ، وموضوعية خاصة بوحدة الموضوع ، ولكننا سنقتصر على ذكر ملاحظات عن المحور الفلسفي ، والتاريخي ، والواقعي (المنهجي) للبلاغ المبين كما عرضته سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم مرجئين المحور السياسي ، والاقتصادي ، والثقافي ، والتربوي ، والمعرفي إلى حينه إن شاء الله .
أ - المحور الفلسفي للبلاغ المبين:
وأعني به فلسفة هذا البلاغ ، ومضامينه التصورية الكبرى ، وعلاقاته المنهجية الأساسية ، فالمبّلغ الإسلامي عن الله سبحانه وتعالى ، مطالب بأن يفهم بأن الإصلاح ، والترشيد ، والهداية ، والدعوة ، والتعليم ، كما تطرحه نظرية الإسلام الحضارية ، تقتضي الوعي على مراتب ، ومستويات ، ومضامين العلاقات الدعوية ، القائمة في نظرية البلاغ المبين . فلكي يكون هناك بلاغ مبين ، كما تطرحه الفلسفة التغييرية القرآنية ، علينا أن ندرك بعمق العلاقات المترتبة عن العناصر التالية:
-علاقة الإنسان المستخلف بالخالق سبحانه وتعالى ، الذي خلق الإنسان ، والكون ، والحياة .. ولهذه العلاقة مراتب يجب وعيها هي: مرتبة التكليف ، ومرتبة التوحيد ، ومرتبة العبودية ، ومرتبة المقاصد ، ومرتبة الاستخلاف ..
-علاقة الإنسان بأخيه الإنسان في مراتبها التالية: مرتبة الاجتماع ، ومرتبة الأمة ، ومرتبة الرسالة ، ومرتبة الثقافة ، ومرتبة الحضارة ، ومرتبة التاريخ ..
-علاقة الإنسان بالكون في مراتبها التالية: مرتبة التسخير ، ومرتبة الإعمار ، ومرتبة كشف الآيات ، ومرتبة استخدام السنن ، ومرتبة المؤاخاة بين الإنسان والكون ..
-علاقة الإنسان بالحياة في مراتبها التالية: مرتبة فهم الزمن ، ومرتبة فهم المتاع ، والعرض الدنيوي ، ومرتبة فهم لحظات العبور ، أو كما أثر عن الإمام علي كرم الله وجهه: (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا) .
فمن هذه العلاقات الأساسية ، تنبني نظرية البلاغ الإسلامي ، وتتوحد العلوم لأداء رسالة تبيين أنه الحق تبارك وتعالى ، فلكي نقدم بلاغًا إسلاميًا تبشيريًا ، وتعليميًا هاديًا ، علينا أن نفهم بعمق هذه العلاقات المتناغمة بين عناصر نظرية البلاغ الإسلامي المبين: الخالق تبارك وتعالى ، والإنسان ، والكون ، والحياة.
ب - المحور التاريخي للبلاغ المبين:
نعني بالمحور التاريخي للبلاغ المبين: مراعاة تاريخ الأمم ، والشعوب ، ومعرفة ثقافتهم ، وعاداتهم ، وتقاليدهم ، وذلك عندما نبدأ في ممارسة العمل الدعوي ، حتى نخاطب الناس من خلال المداخل الطبيعية لاستجاباتهم . والرسول صلى الله عليه وسلم كان خبيرًا بتاريخ المجتمعات التي كان يمارس عليها الدعوة ، والبلاغ المبين ، ومن أمثلة هذا الوعي قوله عليه الصلاة والسلام لأصحابه الذين اضطهدوا ، آمرًا لهم بالهجرة إلى الحبشة: (إن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد ، وهي أرض الصدق ، حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه ) . فهذا الوعي التاريخي بشخصية هذا الملك ، وعدله ، وبالأرض وخاصيتها ، إنما يعبر عن إدراك صلى الله عليه وسلم لأهمية المحور التاريخي في البلاغ المبين . والوعي التاريخي متحصل من السير في الأرض ، والنظر في سنن الأولين ، وفي آيات الله في الآفاق والأنفس.