فهرس الكتاب

الصفحة 609 من 1942

4-لقد أعطى البعد الاجتماعي الأمة الإسلامية اتساعًا في النطاق المدني فولّد الأوقاف التي أصبحت تمثل ربع ثروات العالم الإسلامي (4) ، وولّد عدم توزيع أرض السواد في العراق على الفاتحين بعد معركة القادسية من أجل الأجيال القادمة من المسلمين، فقد روى البيهقي عن أسلم قال: سمعت عمر بن الخطاب ( يقول: اجتمعوا لهذا المال فانظروا لمن ترونه ، ثم قال لهم: إني أمرتكم أن تجتمعوا لهذا المال فتنظروا لمن ترونه ، وإني قرأت آيات من كتاب الله ، سمعت الله يقول: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم - الآية} (الحشر،8) والله ما هو لهؤلاء وحدهم . ثم تلا {والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم -الآية} (الحشر،9) والله ما هو لهؤلاء وحدهم . ثم تلا {والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا في الإيمان - الآية} (الحشر،10) والله ما من أحد من المسلمين إلاّ وله حق في هذا المال أعطى أو منع حتى راعٍ بعدن ؛ وقد جاء في رواية أخرى قوله عن الآية السابقة:"هذه استوعبت الناس جميعًا ولم يبق أحد من المسلمين إلا وله في هذا المال حق إلا ما تملكون من رقيقكم، فإن أعش -إن شاء الله- لم يبق أحد من المسلمين إلا سيأتيه حقه حتى الراعي بسر وحمير يأتيه حقه ولم يعرق فيه جبينه" (5) .

يتضح من المقارنة السابقة بين مفهومي الأمة في الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية أن مفهوم الأمة في الحضارة الإسلامية أكثر غنى لأنه لا يقوم فقط على الاجتماع الموحد ، والعادات الواحدة ، والتقاليد الواحدة إلخ...، بل لا بد من تحقيق الأمة أمورًا أخرى اجتماعية وشرعية فيجعلها أكثر إنسانية وأكثر انفتاحًا وأكثر شفافية وأكثر مدنية .

(1) موسوعة العلوم السياسية ، إصدار جامعة الكويت ، مادة 257 ص405 .

(2) الراغب الأصفهاني ، المفردات ، ص21 .

(3) الشاطبي ، الاعتصام ، جـ2 ص260 .

(4) أحمد بن بلّة ، الحركة من اجل الديمقراطية في الجزائر ، الخطاب التوجيهي للرئيس أحمد بن بلّة ، باريس 1984م ، ص107 .

(5) حياة الصحابة ، جـ2 ص210-212 .

علم النفس في الحضارة الاسلامية العربية

الطب النفسي الإسلامي جاءت فكرة هذا الموضوع في وقت شعرت فيه كما شعرَ كل يقظٍ في بلادنا بأنه جاء الوقت الذي يلزم فيه تحديد المواقف وأن يحدد كل واحد منا من هو وما يستطيع أن يكونه وما لا يستطيع ! فقد انقسَمَ العالمُ بالفعل إلى موالينَ للغرب دونَ أي قيد أوْ شرط أو معادينَ لهُ وليسَ هناكَ موقفٌ وسَطيٌ كما ترى الإدارة الأمريكية!!

وأنا كطالب في قسم علم النفس شعرت بأن عليَّ عبءَ تحديد موقفي في مجال عملي الذي درست فيه فقدْ أحسَسْتُ أنني لنْ أستطيع الاستمرار مكتَفيا بما اتعلمه على أنه الطب النفسي العالمي وهو في الحقيقةِ الطب النفسي الغربي!

كان عليَّ لذلك أن أفتش في أفكارنا وتراثنا كأمةٍ محاولا الوصول إلى سبب الهوة التي تفصل بين ما اتعلمه على أنه العلم العالميُّ الوحيد وبين مجتمعي الذي لا أستطيع مستريحا أن أتهمه بالجهل أو التخلف وبدأت رحلة لا أحتسب منها إلا رضا الله عز وجل ثم شيء من التوفيق بين نظرتين للوجود إحداهما وهي النظرة الغربية بدأت بوضع الإنسان في مركز الكون على أنه السيد الأوحد ثم تحولت تدريجيا إلى جعله جزءًا من الكون غير مستقل عنه بحيث تحكمه نفس القوانين التي تحكم الذرة والجزيء دون أي سمو عنهما! وبين نظرة ثنائية هي نظرة الإسلام ترى الإنسان خليفة للخالق الأعظم استخلفه في الأرض وكرمه عن سائر المخلوقات ووضع فيه عقلا وروحا تسموان به عن سائر الأشياء وتجعلانه كفءً لتحمل الأمانة .

كانت أول صدمة لي حين بدَأتُ رحلتي هي حَجْمُ جهلي العظيم بتراث أمتي وأعني هنا تراثها في الطب النفسي وفي علاج المرض النفسي ومعاملة المريض كأي مريض بأي مرض آخر، ففي عام 93 هجرية الموافق 707 ميلادية أسس الوليد بن عبد الملك أول مستشفى في التاريخ للمرضى العقليين، وكانت تخصص لهم من بيت المال أموال تنفق عليهم للعيش داخل المشفى وخارجه، وفي سنة 151 هجرية- 765 ميلادية، أسس العباسيون في مستشفى بغداد أول قسم للأمراض العقلية داخل مستشفى عام، إذن فقد كان المريض النفسي يُعالج في مستشفى بغداد وفي مستشفى قلاوون بالقاهرة في القرن الرابع عشر الميلادي جنبا إلى جنب مع مريض الجراحة والباطنة والرمد وهذا هو ما احتاج الغرب ستة قرون لكي يصلوا إليه على أنه أحدث الصيحات في علاج المريض النفسي مع غيره من المرضى لما لذلك من أثر جيد في تصحيح المفاهيم التي ترى المرض النفسي مجلبةً للعار وتفصل بين المريض النفسي وبين سواه من المرضى مما يتسبب في إعاقة اجتماعية بعد الشفاء أكثر مما يسببه المرض نفسه! ، كما نبين على مقالات متنوعة في مقال وصمة المرض النفسي: ليست من عندنا!

وجدت أيضا العديد من الرسائل التي تصف الأمراض النفسية وتُحَدِّدُ أعراضها وأسبابها بشكل إنما يبعث على الفخر والكبرياء ولست أدري من المسئول عن حجب كل هذا التراث المشرف عن الدارسين في بلادنا ولا أدري من الذي قرر أن أقرأ فقط وصفات الغربيين وأفكارهم ولا أقرأ مثلا ما يقوله الشيخ أبو حامد الغزالي رحمه الله في المنقذ من الضلال والموصل إلى ذي العزة والجلال وهو يصف نوبة اكتئاب حادة أصابته:"فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا، ودواعي الآخرة، قريبًا من ستة أشهر أولها رجب سنة ثمان وثمانين وأربع مائة. وفي هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار، إذ أقفل الله على لساني حتى اعتقل عن التدريس، فكنت أجاهد نفسي أن أدرس يومًا واحدًا تطييبًا لقلوب المختلفة إلي، فكان لا ينطق لساني بكلمة واحدة ولا أستطيعها البتة، حتى أورثت هذه العقلة في اللسان حزنًا في القلب، بطلت معه قوة الهضم ومراءة الطعام والشراب: فكان لا ينساغ لي ثريد، ولا تنهضم لي لقمة؛ وتعدى إلى ضعف القوى، حتى قطع الأطباء طمعهم من العلاج وقالوا: (( هذا أمر نزل بالقلب، ومنه سرى إلى المزاج، فلا سبيل إليه بالعلاج، إلا بأن يتروح السر عن الهم الملم ) ).ثم لما أحسست بعجزي، وسقط بالكلية اختياري، التجأت إلى الله تعالى التجاء المضطر الذي لا حيلة له، فأجابني الذي (( يجيب المضطر إذا دعاه ) )"اهـ

أو ما يقوله ابنُ سينا مثلا في تحليله للسلوك"إذا كان تناول الطعام مقترنا باللذة، والضربُ بالعصا مقترنا بالألمِ فإن الحيوانَ والإنسانَ يحتفظانِ في ذاكرتهما بصورة الطعام مقترنة باللذة ، وبصورة العصا مقترنا بالألم فتصبح رؤيةُ الطعام فيما بعد مثيرةً للشعور باللذة ورؤية العصا مثيرةً للشعور بالألم"وَهذه هي الاستجابةُ الشرطيةُ التي قال بها الروسي إيفان بافلوف بعد عشرة قرون والتي تعلمتها أنا عن بافلوف منذ أولى سنين دراستي للطب على أنه مبدعها الأول وهي أيضا حجر أساس علم النفس السلوكي وعلاجهِ كله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت