وكذلك وجدت مقالة لإسحاق بن عُمران عن المالنكوليا أو الاكتئاب حيث يصف ابن عمران بعض العوارض المرضية التي تميز هذه الحالات فهناك المريض الذي تمر به أفكار رهيبة خيالية فيشعر بأحاسيس خاطئة، كالذي رأى جماعة من السود يريدون قتله، وهناك الذي يتوهم أن لا رأس له أو يسمع مثل خرير المياه وقرع الرياح وعصفها وأصوات مهولة في أذنه، كما أن المريض يفقد المحاكمة والتمييز كالذي يخشى من سقوط السماء على رأسه فيجتنب المشي تحتها والأمثلة عديدة في هذا الصدد غير أن هؤلاء المرضى يشعرون بضرورة اللجوء إلى الطبيب بمزيد من التعطش والإلحاح لشدة يأسهم وكثرة آلامهم، أما من الناحية الجسمية فكلهم يشتكون من الهزال والأرق ثم يتعرض ابن عمران إلى الأعراض السريرية للأصناف المرضية المختلفة من المالينكوليا:
1)فيلاحظ في الشكل الذي يمس الدماغ الأرق ووجع الرأس وكثرة لمع العينين ونهم من يقل تقوته من الطعام والشراب وهى أخطر الأحداث ويتصف هذا الصنف بالهياج وحتى بالوثب الذي يذكر بالسباع وسماه ابن عمران الصنف السبعي وهو يؤدى إلى الشرسام .
2)أما في الصنف الشراسفي فان الأعراض تعم المرضى، وتزيد فيهم حسب قوله ما يجدون لمن التزقق في بطونهم من الرياح السوداوية. فهذا الصنف يتصف بشدة الكآبة وحب العزلة والاستراحة في الأماكن القاسية.
3)وهناك أصناف أخرى تسبق أو تتبع ما يسميه ابن عمران بالمرض العظيم.
وأصبح واضحًا بالنسبةِ لي أن الفخ الذي وقع فيه السواد الأعظم من علمائنا ومفكرينا ومثقفينا هو اعتقادهم بأنَّ الهوة التي يجدونها بين علومهم وثقافتهم وما يعيشه الناس في بلادنا إنما ترجع إلى تخلفنا وقد أصبحت على قناعة بأن ذلك غير صحيح بالمرة! فمجتمعنا ليس متخلفا ولا جاهلا إلا حين ننطلق من مرجعية أنَّ النموذج الغربي المادي هو النموذج الوحيد الصحيح وهذه مرجعية أبعد ما تكون عن الصواب.
وأنا أدعوك عزيزي المتصفح أن تنتبه لما يحتويه الموقع من نفحاتٍ من تراثنا العربي الذي لا نعرف عنه إلا القليل ! فلم يكن علم النفس يومًا ولا كان الطب النفسي وليد النهضة الأوربية كما يقال، ولم يكن على الإطلاق أحد إفرازات الحضارة الغربية، ولكن شاء الكثير من الباحثين في علم النفس أن يتركوا أو يتناسوا التاريخ والغور في معالم النفس البشرية ولربما مالوا كل الميل ولا نقول بانحيازهم كل الانحياز إلى ما كتب حديثًا وسهلت طباعته وتيسر نشره، ولم تكن تهمهم تلك الجذور النفسية الموجودة في خضم الفكر القرآني والحضارة الإسلامية.
ويقوم الطب الإسلامي على صورة الإنسان في الإسلام والنظرة الإسلامية الشمولية للوجود وللإنسان. ولذلك يتميز الطب الإسلامي عن غيره بصورة الإنسان الشاملة الجامعة للجسم والنفس والعقل والقلب والروح كوحدة متماسكة لا تتأثر بتغييرات التيارات الفكرية المتقلبة والمحدودة في قفص المادة أو النسق المذهبي. والقصد من الطب هو حفظ سلامة الإنسان ماديا ومعنويا بالتربية والتنمية والتقوية والوقاية من الأمراض على اختلاف أسبابها وأنواعها والعلاج بكل الوسائل النافعة ماديا ومعنويا لأن العلم، كما جاء في التراث الإسلامي، علمان: علم الأبدان وعلم الأديان، وهما مترابطان. وإن الغاية الحقيقية من الطب ينبغي أن تكون الحياة الإنسانية السليمة ماديا ومعنويا وأن يلقى الإنسان ربه بقلب سليم.
ومما لا شكَّ فيه أنَّ قلوبَ المؤمنين تطمئنُّ بذِكْرِ الله عز وجل وعليهِ فإنني لا أستطيع كطبيبٍ نفسي مسلمٍ أن أدَّعى أنَّ ذلك خارجَ تخَصُّصي ولا أستطيع كمثَقَّفٍ مسلمٍ أنْ أقبل بالوضعِ الذي يسمحُ لكلِّ من هبَّ وَدَبَّ أنْ يدَّعِيَ العِلمَ بالأمراض النفسيَّةِ وعلاجها حتى وإن كان عالِمًا بالقُرْآنِ وبعلومِ الدين! لأنَّ علمَ الأبدانِ غير علمِ الأديان وما النفس إلا انعكاسٌ لحالَةِ البَدَنِ؛ ومنْ يعالِجُ الأمراض النفسيةَ لابُدَّ أنْ يكون عالمًا بماهِيَتِها وبالتغَيُّراتِ البدنيةِ المصاحِبَةِ لها كما أنَّ من يُسْمَحُ لهُ بالتَّصَدِّي لآلامِ الناسِ وأوجاعِهِمْ لابُدَّ أن يكونَ كُفْءً لذلكْ
وَقد أثبَتَتْ مجموعة من الدراسات العلمية أجريتْ في ماليزيا على بعضِ مرضى اضطراب القلق العام ومرضى الاكتئاب الجسيم أنَّ المتدينين من هؤلاء المرضى يستفيدون بشكل لا يقبل الجدل عند إضافة بعضِ أساليب العلاج النفسي الديني لعلاجِهِم الدوائي مقارنة بالمرْضَى غير المتدينين حيث احتاج المتدينون لجرعاتٍ أقلَّ من العقَّاقير واستخدموها لفترات أقل من غيرهم؛ وتلخصت أساليب العلاج الديني تلك في ما يمكن اعتباره إسباغًا للوضوءِ وفي إطالة مدَّة الصلاةِ من خلال إطالة مدةِ الركوع ومدة السجود؛ وكذلك في قراءَةِ بعض آياتٍ من كتابِ الله عز وجل. ومعنى ذلك أنَّ كثيرين من مرضانا يمكنهم الاستفادةُ من ذلك العلاج وأنَّ إغفالنا كأطباءَ مُسْلِمينَ لذلكَ الباب الرحيب الذي يُسَهِّلُ الكثيرَ من الأمورِ على مرضانا لهو تقصيرٌ كبير؛ ولعَلَّهُ هوَ الذي يسْمَحُ لكلِّ من هَبَّ وَدَبَّ باستغلالِ القلوبِ المؤمنة؛ ولعل في الحديث الشريف التالي ما يشيرُ إلى أهمية الاطمئنان في الصلاة بحيثُ يسترخي المصلي وتخشع جوارحه: عن أبي هريرة رضيَ الله عنهُ قالَ: قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تستوي قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تستوي قائما ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) صدقَ رسول الله صلى الله عليه وسلم.رواه البخاري ومسلم وابن ماجة، ولعل ها الأمر يتخذُ الآن أهمية قصوى وقد بدأت تغزو صيحات اليوجا والرياضات الروحية الشرقية بلداننا كما بينا على استشارات مجانين في إجابة: اليوجا، وما وراء المادة: قاعدة الانتشار في الفراغ
كما أن هناك اختلافًا جوهريا في تناول موضوع الصحة النفسية ما بين علماء الغرب وأطباء النفس الغربيين وبين تناول العلماء والمفكرين المسلمين السابقين له فعلماء الغرب يرون أن أهمَّ مقوِّمات الصحة النفسية هي فقط النجاح في حياة الإنسان المادية والدنيوية وقدرته على تحمل مسئوليات الحياة ومواجهة ما يقابله من مشكلات ، وتوافقه مع نفسه ومع غيره من الناس، ويغفلون ما غير ذلك إغفالًا تاما وأما علماء المسلمين ومفكريهم فيرون أن أهم مقومات الصحة النفسية هو توافق الفرد مع ربه وتمسكه بعبادته وتقواه سبحانه وتعالى، ومن الواضح أن انتهاجنا كأطباء نفسيين مسلمين لمنهج الغرب لم يحقق نجاحا يمس به المجتمع لأن المجتمع المسلم بطبيعته لا يستطيع إغفال العلاقة بين توافق الفرد مع دينه وربه وبين ما يحسه من أمن نفسي وأرى أن الأجدر بنا أن نتواصل مع جذورنا نحن لكي نستطيع التأثير في مجتمعاتنا بشكل يفيدُ ويثمر.