فهرس الكتاب

الصفحة 238 من 1942

العولمة ومستقبل الحضارة الإسلامية

(وإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ءَامِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الاَصْنَامَ *رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ *رَبَّنَآ إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَبَيْتِكَ الُْمحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِنَ الَّثمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) (إبراهيم/37-35)

ها هو العالم يندفع بقوة نحو القرية العالمية الواحدة، وسنشهد بإذن اللَّه تعالى يومًا نجد فيه العلاقة بين إنسان وإنسان في أقصى العالم أوثق وأمتن بكثير ممّا هي عليه اليوم؛ علاقات الجيرة وزمالة المدرسة والدرب والعمل... فيا ترى ماذا أعدّالمسلمون لذلك اليوم؟ هل سيبقون حيث هم بانتظار أن تسحقهم عجلات الاندماج العالمي؟ أم سيصبّون اهتماماتهم ليكونوا أمّة قائدة لهذا التفاعل والاندماج، أو مشاركين؛ على الأقلّ؟

قبل سنين معدودة، كانت المحطات الفضائية العالمية حلمًا، وكان الانترنيت نوعًا من الخيال، وكانت الصحافة القاريةنوعًا من التفكير غير العلمي.. ولكنّ ذلك كله قد تحقّق كلّه، بل وأصبح إنجازًا قابلًا للتطوير الواسع. وها هو النظام المدرسي أخذ يخطو خطوات واسعة باتجاه إلغاء البناء المدرسي واكتفاء الطالب بتلقي دروسه عبر أجهزة التلفاز أوالحاسوب، وهكذا الأمر بالنسبة إلى الإدارات أو الشركات والمعامل، وذلك كله لتجاوز حاجز المكان واختصار الزمن وتوفير أكبر قدر ممكن من التفاهم. أمّا فيما يخصّ القطاع الاقتصادي فهو الآخر سيأخذ الصيغة العالمية ليحلّ محل الاقتصاد المحلي المحدود، ومن جملة بوادر تكريس هذا الاتجاه الإعلان عن منظمة التجارة العالمية، حيث سيتم عبرمقرراتها وأساليبها سحق مختلف أنواع العقبات في هذا الإطار.

نعم؛ لقد كنّا نقرأ بالأمس في كتاب (صدمة المستقبل ) أو كتاب (الموجة الثالثة) أشياء نعتبرهاأحلامًا أو خرافات علمية.. ولكنّها تحقّقت، إذ نلمس ونرى حركة عالمية نحو الاندماج والاندكاك، فماذا أعددنا؟ وهل سنكون ضيوفًا على العالم الجديد، علمًا أن الضيف فيه لن يكون مكرّمًا معزّزًا؛ بل سيكون ذليلًا تابعًا مهانًا محكومًابالعبودية، شاء أم أبى، فأين نحن من هذا السيل العرم؟!

الإسلام ومبدأ العولمة

إن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم رفع راية العولمة والعالمية من قبل، انطلاقًا من قوله تعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ اِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاس بَشيرًاوَنَذيرًاِ) (الأحزاب/45) ، أو قوله سبحانه: (تَبارَك الَّذي نَزلَ الفرْقَانَ عَلَى عَبْده لِيكونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) (الفرقان/1) .

إذن؛ فراية العولمة كان قد حملها الرسول الأكرم وبشر بها من بعده الأئمة من أهل بيته عليهم أفضل الصلاة والسلام،ومنذ ذلك اليوم وحتّى هذه اللحظة، حيث يمر ما يزيد على ألف وأربع مائة سنة، تُرى هل فكرنا - نحن المسلمين- في حقيقة هذه العولمة، وكيفيّة التخطيط لها، وهل أنّ موقعنا منها موقع الضيوف أم المساهمين والمشاركين، أم القادة لها؟...

وفي إطار الإجابة على كل هذه التساؤلات أقول: إن هناك ثلاث نظريات في هذا الإطار.

النظرية الأولى: تواجه هذه الحقيقة بالتكذيب التام والعناد لكل ما يطرح ويدعم العولمة - من المنظور الإسلامي- من أدلّة واضحة وضوح الشمس، بل ويفضل هؤلاء المكذبون الانطواء على أنفسهم، ليكونوا مصداقًا لقول الإمام أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: (وذلك ميّت الأحياء) (49) .

أماّ النظرية الثانية: فهي التي يلفها اليأس والقنوط دون التطلع إلى التطور، وذلك بداعي الرهبة ممّا وصل إليه العالم وحققه من قفزات علمية هائلة. ومن الطبيعي أن كان هذا الواقع قد سلبهم الثقة بالنفس ومقوّمات الشخصية الكريمة،حتى لم يبق من تعاليم الدين لدى أصحاب هذه النظرية سوى رسوم وأسماء، ذلك لأنّ روح الرسالة الإلهية تتناقض تناقضًا كليًا مع اليأس والإحباط وعدم التوكلّ والتشكيك بقدرة اللَّه العلي العظيم على الأخذ بيد المؤمنين بهم وتسليمهم زمام المبادرة الإنسانية والحركة التاريخية عمومًا.

ولكن النظرية الثالثة تملؤها الحياة والتفاؤل؛ إذ تنظر إلى التاريخ على أنه محكوم بسنن إلهية، وأنّ اللَّه سبحانه وتعالى قدأخذ على نفسه أن يتيح الفرصة لمخلوقاته في هذه الحياة لتأخذ دورها وفق ما تبذل من مساعٍ وجهود لإثبات وجودهاوجدارتها في العيش والكدح والتقدم.

فإذا كان الأوربيون - في يوم من الأيام- عبارة عن مجموعة قبائل متناحرة، إلاّ أنّهم بعد ذلك تمكنوا من قيادة العالم،وأصبحت الشعوب والدول مجرّد تابع لها.

وتلك ألمانيا التي كادت أن تسيطر على العالم قد تفككت في ظل قوانين وقرارات الحلفاء، ولكنها عادت مرّةً أخرى لتصبح دولة موحدة مسيطرة على مساحة شاسعة من موازنات الاقتصاد العالمي، ولها كلمتها المسموعة في أوربا.

واليابانيون الذين خرجوا من الحرب العالمية الثانية منهاري القوى والإمكانات، تحكمهم العزلة الدولية، ها هم اليوم قد تحوّلوا إلى رمز التطور ونموذج الإبداع التكنولوجي والمتانة الاقتصادية والتجارية، وتحاول مختلف الشعوب والدول التقرب إليهم والاستفادة من تجاربهم.

وليس هذا وذاك - في حقيقة الأمر- إلا مصداقًا لقول اللَّه سبحانه وتعالى: (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لاَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) وكذلك قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِاَنفُسِهِمْ ) . فالمسلمون الذين يمتلكون هذه المنطلقات الطيبة وأمثالها، كان من المفترض بهم التقدم على غيرهم، وهم إذا ما وجدوا أنفسهم متأخرين عن غيرهم بفعل أخطاء التطبيق وظلم الظلمة وتكالب الأعداد.. فليس من الجدير بهم النكوص والتراجع واليأس،لأنهم بذلك يكونون قد خرجوا عن حدود الدائرة الدينية، والعياذ باللَّه، إذ أنّ التكذيب أمر باطل، واليأس من روح اللَّه هو داء الكافرين باللَّه. بينما الإقبال على الحياة بإيمان وشجاعة وثقة بالنفس وتوكّل على اللَّه القائل: (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ) هو الكفيل بإعادة الروح إلى جسد الأمة الإسلامية، وهو الكفيل أيضًابتقدم المسلمين على غيرهم، وما دون ذلك يعني التراجع والذل واستعباد الآخرين لهم، كما هو حاصل بالفعل، ويشعربه المسلمون في كل لحظة وفي كلّ مكان.

عالمية النبي إبراهيم عليه السلام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت