فهرس الكتاب

الصفحة 239 من 1942

لقد أضفى اللَّه سبحانه وتعالى بإرادته القادرة على رسالة وشخصية النبي إبراهيم عليه السلام الصفة العالمية، وذلك لعمق الشمولية الحاصلة في تفاصيل هذه الرسالة المباركة، بالإضافة إلى كونه قد أصبح بحكمة اللَّه أبًا للأنبياء من بعده في منطقةالجزيرة العربية وما حولها، وقد تجلت هذه الحقيقة بصورة أكبر حينما رفع قواعد البيت الحرام ليكون قبلة الناس إلى اللَّه ضمن عملية توحيد القلوب إلى خالقها؛ بل وأبعد من ذلك حينما دعا هذا النبي العظيم ربّه سبحانه وتعالى بأن يجعل أفئدة من الناس تهوي إلى من خلّفه من ذرية في وادي مكّة المقفر، وذلك في إيحاء مباشر إلى الفكر البشري عمومًا، بأنّ التوجه إلى القبلة إنمّا هو وسيلة إلى التمحور والولاء لذرية النبي إبراهيم من الأنبياء والأئمةعليهم السلام، وذلك لأنهم يجسدون نهج اللَّه الناطق بين الناس، على اعتبار أنّ مهمة النبي إبراهيم والجهد الحثيث الذي بذله في هذا الإطار ليس من أجل أن يعاني الحجاج لقصد مجموعة من الأحجار وسط صحراء قاحلة، بل إن ذرية هذا النبي كان مقدّرًا لها إقامة الدين، وهذه الذرية التي تضمّ رجال اللَّه تدعو إلى ربها بالحكمة؛ أي وفق خطط ومناهج مرسومة من قبل اللَّه نفسه.

ولمّا كان هؤلاء الرجال امتدادًا طيبًا لرسالة أبيهم إبراهيم عليه السلام؛ الرسالة التي من أولى خصائصها العالمية، فقد كان جديرًاباتباع هذه الرسالة واتباع أولئك الرجال أن يقتدوا بها وبهم، فيكون نوع تفكيرهم تفكيرًا أمميًا لا يخضع للوساوس الشيطانية والدوافع المصلحية أو العنصرية أو القومية أو الطائفية أو الطبقية. وإنّه لمن المنطقي جدًا أن تكون ممارسات ووسائل التطبيق لمثل هذا المنهج وهذا التفكير عالمية على مستواه.

المسلمون والثورة الحضارية

حينما أمرنا اللَّه عزّ وجل بالدعوة إلى دينه بين الناس كافّة، كان قد أمرنا بالضمن إيجاد المقدمات والوسائل لإنجاز هذه المهمة الكبيرة، وذلك كله لا يغيب عن عناية اللَّه ولطفه ونصره.

فاليوم أصبح من الصعب علينا تصور الاكتفاء بمنبر واحد يدعى فيه إلى اللَّه عز وجل، في وقت يستفيد فيه الأعداء من كل وسيلة تقنية كالمحطات الفضائية - مثلًا- لنشر أفكارهم الشيطانية المنحرفة.

بل لقد أصبح من غير المعقول الاقتصار على طريقة الدعوة إلى الإسلام نفسها التي كانت قبل مئات السنين - مثلًا-لاسيما وأنّ قضايا عديدة مستجدة تتطلب أشكالًا أخرى من المعالجة، كما يتبع ذلك توفير الوسائل اللازمة المناسبةللموضوع المراد طرحه وبحثه، والمناسبة لشكل وطبيعة ذهنية المراد توجيهه.

ولنا في هذا المجال التساؤل عن أنّ الأعداء إذا كانوا بصدد توسيع أفق تفكيرهم واستغلال ما يمكن استغلاله من وسائل لكسب تأييد وموافقة أكبر كمية من العقول أو الأهواء، بما في ذلك استغلال العولمة وتحويل العالم إلى قرية صغيرة لضمان تحقيق المصالح والنفوذ المباشر، إذا كان كلّ ذلك مفروغًا منه وفق تصريحات الأعداء أنفسهم، فلماذا يمتنع المسلمون الاستفادة ممّا أحلّ اللَّه لهم لنشر دين اللَّه بين خلق اللَّه؟! أو لنقل: لماذا يتعمّد البعض تحجيم تفكيرهم ويكتفون بالاهتمامات الضيقة رغم الإمكانات الكبيرة التي من الممكن توفيرها؟ فإذا كان توسيع الاهتمامات وتطويرالإمكانات، واستغلال الفرص، والتفكير على مستوى هموم العالم والتاريخ؛ إذا كان كل ذلك حرامًا، فما هو الدليل؟!وإذا كان كل ذلك حلالًا أو واجبًا، فلماذا هذا الإحجام والتكاسل والتناسي؟!!

أقول: لماذا لا نساهم في بناء حضارة في الثورة المعرفية، وهي الثورة الجديدة لهذا العصر؟ وما هو فعلنا أو ردّ فعلنا -على الأقل- تجاه ثورة المعلومات التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية؟ خصوصًا وأن في السيرة النبوية كثيرًا من الأحاديث والوقائع تشير إلى ضرورة سعي المسلمين نحو التقدم التقني، وعلى كافة الأصعدة؛ بل إنّ الآيات القرآنيةالخاصّة بصياغة شخصية الإنسان المؤمن، كلّها تدعوه إلى النظر إلى الحياة على أنها محطة للآخرة، وأن من المفترض الاستفادة من وسائل هذه المحطة لنيل أكبر قدر من الثواب والحسنات.

فنحن المسلمين مطالبون إذن بالقيام بثورة حضارية جديدة كبرى، فننطلق منها ونشارك ونساهم بكل وعي وشجاعةبناءً على ما تمليه علينا مصالح واستراتيجيات ديننا الحنيف، وألاّ نركن إلى التأثر بالجاهليات، وألاّ نبدي خلال ذلك مايحلو لنا من معاذير واهية. فمشكلة تأخرنا وهزائمنا هي مشكلتنا نحن دون غيرنا، ونحن الذين سندفع ثمنها في الدنيا وكذلك في الآخرة.

الهوامش

1)خصائص الأئمة للشريف الرضي، ص 115.

2)بحار الأنوار، ج 8، ص 170.

3)المصدر، ج 40، ص 328.

4)بحار الأنوار، ج 73، ص 155.

5)نهج البلاغة، خطبة رقم 209.

6)بحار الأنوار، ج 59، ص 291.

7)بحار الأنوار، ج 6، ص 134.

8)بحار الأنوار، ج 71، ص 135.

9)بحار الأنوار، ج 68، ص 173.

10)بحار الأنوار، ج 71، ص 370.

11)بحار الأنوار، ج 74، ص 241.

12)بحار الأنوار، ج 71، ص 135.

13)بحار الأنوار، ج 71، ص 337.

14)بحار الأنوار، ج 68، ص 143.

15)بحار الأنوار، ج 68، ص 127.

16)بحار الأنوار، ج 68، ص 129.

17)بحار الأنوار، ج 68، ص 131.

18)بحار الأنوار، ج 60، ص 207.

19)نهج البلاغة، خطبة رقم 27.

20)وسائل الشيعة، ج 1، ص 149.

21)بحار الأنوار، ج 14، ص 500.

22)بحار الأنوار، ج 81، ص 329.

23)بحار الأنوار، ج 73، ص 141.

24)بحار الأنوار، ج 10، ص 92.

25)بحار الأنوار،ج 67، ص 9.

26)بحار الأنوار، ج 9، ص 273.

27)نهج السعادة للشيخ المحمودي، ج 7، ص 398.

28)بحار الأنوار، ج 70، ص 128.

29)بحار الأنوار، ج 2، ص 71.

30)بحار الأنوار، ج 96، ص 262.

31)بحار الأنوار، ج 16، ص 199.

32)بحار الأنوار، ج 1، ص 150.

33)بحار الأنوار، ج 7، ص 249.

34)بحار الأنوار، ج 64، ص 295.

35)بحار الأنوار، ج 68، ص 375.

36)بحار الأنوار، ج 68، ص 375.

37)بحار الأنوار، ج 67، ص 288.

38)بحار الأنوار، ج 68، ص 375.

39)بحار الأنوار، ج 68، ص 377.

40)بحار الأنوار، ج 68، ص 395-394.

41)بحار الأنوار، ج 99، ص 77.

42)بحار الأنوار، ج 74، ص 191.

43)بحار الأنوار، ج 1، ص 117.

44)المصدر السابق.

45)بحار الأنوار، ج 71، ص 338.

46)بحار الأنوار، ج 74، ص 191.

47)بحار الأنوار، ج 14، ص 136.

48)بحار الأنوار، ج 89، ص 107.

49)بحار الأنوار، ج 2، ص 57.

الفهرس العام

الباب الثالث ... 1

الحضارة الإسلامية آفاق وتطلعات ... 1

المقدمة ... 1

الفصل الأول -رؤى قرآنية في الحضارة ... 2

الإيمان والبواعث الحضارية ... 10

أسس الحضارة في القرآن الكريم ... 18

بصائر الحضارة في سورة المائدة ... 24

الإسلام ضمانة الحضارة المنشودة ... 31

الحوار بين الحضارات الإلهية ... 34

الفصل الثاني -في السلوك الحضاري ... 40

التعارف منطلق الحضارة الإيمانية ... 40

التوكّل وقود الحضارة ... 46

التحدي مصنع الحضارة ... 52

الرؤية الشاملة في الحضارة ... 57

الحس الجمالي في الحضارة ... 62

الحضارة وفن الحياة ... 65

أصالة الحضارة ... 67

الفصل الثالث -في البناء الحضاري ... 71

عوامل النهوض الحضاري ... 71

كيف نخلق البيئة الحضارية؟ ... 76

العمل طريقنا إلى بناء الحضارة ... 80

السبيل إلى الإصلاح الحضاري ... 85

الثقافة منطلق المسيرة الحضارية ... 91

بناء المؤسسات ضرورة حضارية ... 98

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت