ثم خرجت خارجة من شباب الوطن تضرب بره وفاجره، ولا تتحاشى مؤمنه، كفرت بطاعة الإمام، وقتل أهل الإسلام والأوثان، فبكى الوطن، واشتكى الدين إلى الله، وسكبت العبرات على عقول تاهت ووجوهٍ شاهت.
قفز الليبرالي في منبر الكلمة وفرح بهذا الخنجر الذي طعن خاصرة الوطن والإيمان، فاستثمره لصالحه، وظفه لخدمت أجندته الخاصة، فمال على كل ما هو إسلامي فعاث به ضربًا باليمين وضربًا بالشمال.. وإلى الله المشتكى.
فبدل أن تتوحد الجهود وتتراص الأقدام، وتجتمع القلوب في أزمنة الفتنة، صارت فتنة فوق فتنة!!
فكان العلماني العربي مفلسًا ليس عنده أدنى ذرة لأن يضحي لأجل مبدأ، أو دين، أو وطن، بل عنده كل الاستعداد لأن يضع نفسه ويده مع أعداء أمته ودينه ووطنه، عنده استعداد للدفاع عن إسرائيل، وتبرير جرائم الأمريكان في كل مكان، وتحويل فضيحة سجن أبوغريب إلى حديثة الزهور، مع أن الليبرالي الأمريكي لا يزال صارخًا يدين جرائم بلاده!
مفارقة غريبة.. قد يفسرها فهم كثير من العلمانيين أن الحرية هي الجنس، أو المزيد من الجنس، والفوضوية، وعدم المسؤولية، والعبث بأي شيء.
لهذا السبب كره الناس هؤلاء، ورفضوهم .. وهكذ1 فشلوا، وسوف يفشلون دائمًا.
لقد أعجبني ما قاله الدكتور ( برهان غليون ) أستاذ كبير في جامعة السوربون، علماني يساري التوجه، ولكنه منصف وباحث جاد وحيادي:
( ليس صحيحا أن الذي يعيق الأنظمة العربية مثلا عن تحقيق الديمقراطية هو خوفها من الإسلاميين، بل هي لم ترفع شعار الديمقراطية إلا لمواجهتهم وبسببهم، إن تفجر الأزمة - كما هي اليوم - لتبدو وكأنها مواجهة أهلية شاملة، لم تحصل إلا بسبب طفوح الكيل من الغش والخداع والكذب والتلاعب بعقول الشعب، واحتقار ذكائه ومخيلته، إن ما نسميه بالمجتمع"المدني"ومنظماته هو اليوم نهب لأجهزة المخابرات وضحية لها.
إن الحركات الإسلامية لم تتوسع إلا لأن السلطات القائمة رفضت أي تشغيل للقنوات السياسية الطبيعية ، وحاولت منع المجتمع من التنفس والحياة ، وهذه الحركات تشكل آخر تعبير سياسي عن روح الثورة والتمرد الكامنة في شعب اغتصب حقه في المشاركة والحياة منذ عقود ) .
ثم يعتب الدكتور غليون على النخب العلمانية في معاونتها للطغاة في القضاء على المتدينين، بحجة العمل للديمقراطية وتنظيف الساحة منهم، وأن الحكام في الجزائر قتلوا مالا يقل عن (30) ألف إسلامي بحجة تنظيف الساحة منهم !!!
يقول الدكتور غليون بالحرف الواحد:
( من هم الإسلاميون ، غير إخواننا وأبنائنا وبناتنا ؟ أليسوا هم أنفسهم القوى التي نحتاج إليها لمواجهة التحديات الكبرى المادية والمعنوية، الخارجية والداخلية التي تعمل لتدميرنا ؟؟ ) .
وأخيرًا ... هل يفهم العلماني العربي ما يقوله"صاموئيل هنتنغتون"الخبير في وزارة الخارجية الأمريكية:
( إن المشكلة بالنسبة للغرب ليست الإسلاميين المتطرفين، وإنما الإسلام ككل، فالإسلام بكل طوائفه وفي مختلف دوله عبارة عن حضارة كاملة تشتمل الدين والدنيا، وكل مظاهر الحياة اليومية، ولذا قلت إن الإسلام ونظام الدول الغربية لن يلتقيا، إن المسلمين يعلنون في وجه كل غربي إن دينهم هو الأحسن وأن عاداتهم وتقاليدهم هي الأفضل، كلهم يقول ذلك المتطرف والمعتدل) .
أصداءُ كَلِمَة
نور الجندلي
الكلمة الطّيّبة .. ذلكَ المولودُ الجميلُ الذي يولدُ في لحظةِ صفاء ؛ فتحتفي بهِ كلُّ القلوب ، وتستبشرُ لمرآه كلُّ العقول ، فتُعلن الأفراح داخلَ الأرواح ، ويسودُ البشرُ كيانَ كلِّ من تلقّاها ..!
هي ذلكَ البلسم الشّافي من أصعبِ الأدواءِ وأكثرها تعقيدًا ، فمن تألّم قلبهُ واستهُ كلمة ، وجبرتهُ برقّةٍ ؛ فعادَ سليمًا مستبشرًا . ومن أرّقتهُ الهمومُ بجبروتها ، والحياةُ بسطوتها ؛ أحيتهُ كلمة ذات همّة ، فتناسى الألمَ بشتّى معانيهِ ، وانقلبَ يشقُّ الأرضَ بهمّتهِ ، يعمرُها بعزيمة ، ويبنيها بإيمانٍ تردّد من أصداء كلمة .
والمحزونُ تواسيهِ كلمة تصبّره ، تعدهُ الحُسنى وزيادة ، تكفكفُ دمعهُ وتغرسُ في قلبه بسمة . فإن رأيتهُ فهو الصّابرُ ، وإن حادثتهُ فحديثُ القانعِ المتصبّر ، فما يزالُ يترنّمُ بكلماتِ الرّضا ، لعلّ الخالق تعالى عنهُ يرضى .
مفتاحُ المعرفةِ كلمة ، ولعلّ ( اقرأ ) كانت منبع حضارتنا الإسلاميّة على مرّ عصور ، كلّ من يمرُّ على ( اقرأ ) يحملُ تلكَ الأمانة ، فما يزالُ ينهلُ علمًا ، تارةً به متعبدًا ، وتارةً به عاملًا ومعلمًا . حتّى عمرت الأرض علمًا وحضارةً ورقيًّا .
وطريقُ القلوب كلمة ..!
تراها متألّمةً شاحبةً مسودّة ، فتأتيها الكلمةُ الطّيبة فتغسلها ، وتنقّيها ، وتعملُ فيها تطهيرًا حتى تشفّ ، فتضيء بداخلها قناديلًا ما تزالُ تشعُّ . زيتها المضيء كلمة !
ونورُ العقول كلمة طيّبة ..
إذا استعبدها الجهلُ واستعمرها بجنوده من كلماتٍ لا أصل لها ، أقحمت نفسها إقحامًا في اللغة ، واستباحت لنفسها وظيفةَ غير شرعيّة ، فراحت تسرقُ وتنهبُ من لُبّ العقول ، وتشيعُ فسادًا ، وتدمّرُ حياة ، فتفرضُ سطوتها ، وتملي أوامرها بعنجهيّة ، فلا ينقادُ إليها إلا الضّعفاء ، ولا يصغي إليها إلا الجهلاء . فيالحسرة من أغوتهُ كلمة ، فغدا من جنود إبليس وأتباعه مسيّرًا في ظلمات يحسبها نورًا ..
ولو سمح لأنوار الكلمة الطّيبة أن تتسلّل إلى داخله ، لحاربت مدّ الشّر ، ولبصّرتهُ بالخير ، وعرّفته بالشّر ، ولقادتهُ إلى مواكب المؤمنين ، فغدا عارفًا طريقهُ ، متبصّرًا سبيله على هدى من ربّه .
يقولون .. إنَّ الكلمة سلاحُ الضّعفاء .
وأقولُ .. إنَّ الكلمة ينبوعُ الحكمة ، ومفتاحُ العلوم ، وهي ذلك الجسرُ السّحريُّ الذي يعبرُ بنا إلى حيثُ نريد ، متى نريد ! شريطة أن نحسن التّحكم بأنغام الحروف ، وقطرات الحبر وهي تنسكبُ بجمالٍ على الرّق ، فندرك أيّ رسالة حمّلناها لها ، وأيُّ نورٍ قلدناها إيّاه .
فكيف نستهينُ بكلمة ؟ وقد تبني لنا في الجنّة قصورًا ، أو تغرسُ بساتين نخيل ، أو ترتقي بنا نحو فردوسٍ تهفو نفوسنا إليه !
الكلمة توأمٌ للصّحة والشّباب والعلم والمال .. ادّخارٌ لا يبلى ، ونعيم لا ينقطع .
فلنتصدّق بكلمة حبّ على أولئكَ الذين ما خفقت قلوبهم يومًا بمعناه ، ولننشر حروفنا في أصقاع الأرض دعاةً مصلحين رُوّاد كلمة ، ولننشر سلامًا منبعهُ أثيرُ كلمة ..
وليكن نصب أعيننا دائمًا .. أنَّ الحروف مثلُ قطر الغمام لها أساس نقيّ ، نحنُ من نوجهها إمّا إلى قيعان أو إلى جنّة وارفة .
الهجمة الشرسة على التعليم (1)
د.علي بن عمر بادحدح
الخطبة الأولى
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:
تتعرض أمة الإسلام في هذه الأوقات إلى أشرس هجمة في تاريخها الحديث ، وهي - أي هذه الهجمة - أخطر من كثير من سابقها ذلك أن صراع الحق والباطل دائم لا ينقطع حتى يرث الله الأرض ومن عليها في سنة من سن الله عز وجل الماضية .