فعلى أثر ظهور الإسلام في الجزيرة العربية، ظهرت أمة مسلمة، تولى أمرها: سيد الرسل وخاتم الأنبياء والمرسلين (محمد) صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله, وفي أقل من 50 عامًا كانت الأمة الإسلامية من الهند وفارس شرقًا إلى المحيط الأطلسي وشمال إسبانيا غربًا, وأصبحت المدينة المنورة والكوفة ودمشق وبغداد والبصرة وسمرقند والقيروان والقاهرة وغرناطة وقرطبة وطليطلة مراكز الحضارة لهذه الأمة الإسلامية، وانضمت إلى هذه العواصم فيما بعد عواصم أخرى إسلامية: كالأستانة والقسطنطينية .
و بلغ المسلمون من المدنية والتقدم والحضارة درجة عظيمة لم يبلغها شعب من شعوب الأرض في مثل هذه الفترة القصيرة. كما امتدت حضارتهم عدة قرون وأضاءت كل أرجاء المعمورة، وكانت النهضة العلمية التي بلغتها الأمة الإسلامية الأساس الذي قامت عليه النهضة الحديثة، ولو أنصف المؤرخون لقالوا: بأن النهضة الحديثة بدأت منذ النهضة الإسلامية واستمرت في تطور متصل بحيث يجب اعتبار النهضة الإسلامية والنهضة الأوربية جزءين متصلين للنهضة الحديثة المستمرة حتى يومنا هذا.
ولهذا فإن (قضية تصحيح تاريخ العلوم) ما تزال مطروحة على الفكر الإنساني عامة، والفكر الإسلامي خاصة , ومن الواجب على رجال التاريخ الدفاع عن هذه القضية بما يتيح للحقائق التاريخية أن تظهر وتسود, وبما يتيح لتاريخ الحضارة الإسلامية أن يأخذ مكانته اللائقة بين تاريخ الحضارات..
(وختامًا) آمل أن يكون في الحديث عن الحضارة الإسلامية ما يحفز الهمم، ويشد العزائم, ويقضي على حالة اليأس والاستسلام ويدفع المسلمين جميعًا إلى العمل الجاد, الخالص لوجه الله الكريم, حتى تأخذ الأمة الإسلامية دورها في ركب الحضارة وحتى تصبح: أمة قائدة لا مقودة، ومبتكرة لا مقلدة .. والله ولي التوفيق..
( مجلة الجامعة الإسلامية رمضان 1398 هـ )
بقلم د / قاسم عبده قاسم
التاريخ بمعناه الواسع ، نتاج لتراكم الفعل الإنساني على مر الزمن وهدف الدراسات التاريخية الحديثة ينصب على تحليل عناصر هذا التراكم ومكوناته ، سعيا إلى فهم الحاضر واستشراف آفاق المستقبل.
ليس ثمة معنى للتعامل مع التاريخ بمفهوم الحكاية ومنطق السرد ، أو اعتبار المعلومات التاريخية ، حلية تزدان بها الرءوس الفارغة ، ويتم التباهي بها في مجال السمر ، أو وسيلة يتمكن صاحبها من الفوز في مسابقات الصحف والتلفزيون فحسب.
ولم تكن هذه أبدًا وظيفة التاريخ منذ بداية المعرفة التاريخية التي توسل بها الإنسان لمعرفة ذاته ، إذ إن المعرفة التاريخية والرغبة في معرفة الماضي تكاد ترقى إلى مستوى الغريزة لدى الإنسان ، على مستوى الجماعة ، وعلى مستوى الفرد على السواء ، فالتاريخ بمعناه الواسع ، هو قصة الإنسان في الكون ، وتفاعله مع الطبيعة على مر الزمان ، وهو في هذا يشبه نهرًا يتدفق من المنبع إلى المصب ، من بداية الوجود الإنساني حتى اللحظة الراهنة ، يحمل كل تفاصيل رحلة الإنسان - التي لم تنته بعد - عبر الزمان.
ومن هنا يبدو السؤال المطروح سؤالًا ذا مشروعية علمية: هل هناك ضرورة لإعادة كتابة تاريخنا ؟ وربما يكون التحفظ الوحيد من جانبي أن السؤال ينبغي أن يكون: هل هناك ضرورة لإعادة قراءة تاريخنا ؟ إن إعادة قراءة تاريخنا - أي إعادة تفسيره - هي التي ينبغي أن تكون محلًا لهذا السؤال المهم في تصوري ..
وسأحاول في الصفحات والسطور التالية أن أبين الأسباب التي دعتني إلى اقتراح هذه الصيغة للسؤال ، ومن ناحية أخرى ، فإن السؤال يحمل دلالة ضمنية بأن التاريخ يتعلق بالحاضر أكثر مما يتعلق بالماضي , فنحن نطرح السؤال بسبب الظروف التي تحيط بنا حاليا.
هذا المدخل يؤدي بنا بالضرورة إلى عدة أسئلة تتعلق بالبحث في التاريخ العربي كيف يمكن التعامل ؟ هل نعتبره قصة تحكي لنا عن الماضي المجيد على نحو يدغدغ فينا مشاعر الزهو الكاذبة بإنجازات وانتصارات لم يكن لنا ـ نحن أبناء الحاضر العربي التعس - فضل في تحقيقها ؟
وهل نكتفي بقراءة هذا التاريخ من منطلق نفسي تعويضي يقول: (نحن كنا) في زمن نكاد نعجز فيه عن (أن نكون) ؟ !!
وهل يمكن للقراءة الجزئية المبتسرة لتاريخ كل دولة عربية أن تغني عن إعادة القراءة عن مفهوم الكل العربي ؟ أم أن هذه القراءة الجزئية تعبير وانعكاس لحالة التشردم والعجز العربي في مواجهة العدوان الصهيوني والأمريكي على جبهات عديدة ؟
وهل نستسلم لما تشيعه (القراءة الصهيونية) لتاريخنا وتاريخ الحضارة العربية الإسلامية بالشكل الذي يخلط الحقائق التاريخية بالأوهام الأسطورية والغيبيات الدينية ؟
ويمكن الاسترسال في هذه الأسئلة وما تفرع عنها بالضرورة إلى ما لا نهاية , بيد أننا يجب أن نتوقف قليلًا أمام حقيقة مهمة مؤداها أن التاريخ يحدث مرة واحدة , وتتعدد المرات التي تتم فيها قراءته أو تفسيره ما دامت الجماعة الإنسانية بحاجة إلى تجديد وعيها بتاريخها ، أي وعيها بذاتها ، إذ إن الأحداث التاريخية هي المادة الخام التي يتناولها المؤرخ بمنهجه العلمي وأدواته البحثية ، لكي يفهمها ويحلل عناصرها المركبة ..
أما ما نسميه (كتابة التاريخ) فهي في الواقع عملية تسجيل جزئية للأحداث التاريخية, سواء كان هذا التسجيل قد تم في كتب المؤرخين وحولياتهم ، أو في الوثائق بأنواعها المختلفة ، أو في النقوش والمسكوكات ، أو غيرها من المصادر التاريخية المعروفة ..
ولا يمكن لأحد أن يزعم أن كل ما حدث في التاريخ قد تم تسجيله بالفعل ، ومن ثم فإن مهمة المؤرخ ، أو الباحث في التاريخ ، أن يحاول استقراء مصادره بشهاداتها الجزئية لاسترداد صورة الحادث من ذمة الماضي , وإعادة بنائها بكل الوسائل المنهجية أولًا ، ثم محاولة الفهم والتفسير ثانيًا ، وعندما يصل البحث إلى نتيجة معينة يمكن استخدام حصاد البحث لخدمة أهداف الجماعة الإنسانية في الحاضر والمستقبل ، هذه العملية ثلاثية المراحل هي ما نسميه قراءة التاريخ أي تفسيره وليست كتابته..
ومن هنا يمكن أن نفهم السبب في أن العصور المختلفة تشهد (قراءات مختلفة) لتاريخ الجماعة الإنسانية ، قبيلة أو شعبًا أو أمة ، ففي كل مرحلة تتم (قراءة) جديدة للتاريخ تسلط فيها الأضواء على جوانب معينة , وعناصر محددة من التاريخ , يمكن أن تساعد المجتمع على التعامل مع حاضره بشكل أكثر نجاحًا..
فقبل عصور الديمقراطية والاشتراكية مثلًا كان التركيز في قراءة التاريخ على دور القصر, ودور البطل ؛ ترسيخًا لفكرة الحكم الفردي ، ولكن ما حدث بعد ذلك ، لا سيما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ، وشيوع الأفكار الديمقراطية والاشتراكية ، أن بدأ البحث التاريخي يهتم بتسليط الضوء على التاريخ الاجتماعي ودور العمال والفلاحين ، وتواريخ المدن , وما إلى ذلك ؛ تكريسًا لفكرة حق الشعوب في حكم نفسها بنفسها ..
وما حدث في العالم العربي أثناء فترة الستينيات وما بعدها ، حيث تم التركيز على جوانب بعينها من تاريخ مصر والمنطقة العربية تتعلق بالطبقة العاملة أو الفلاحين ، أو الطبقات الاجتماعية بشكل عام ، فضلًا عن دراسة الأنشطة الشعبية والحركات الثورية - وهذا كله يمكن أن يكون مثالًا ثانيًا على تعدد القراءات للتاريخ الذي يخص شعبًا أو أمة من الأمم في فترات متعددة من تاريخها.