فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 1942

وإعادة قراءة التاريخ ليست تزويرًا للتاريخ بأي حال من الأحوال ، وإنما هي تأتي في سياق الوظيفة الثقافية الاجتماعية للتاريخ , باعتباره ممارسة فكرية في خدمة الحاضر ..

ومن المهم أن نشير في هذا الصدد إلى أن الجماعات الإنسانية لا يمكن أن تستمر في الاحتفاظ بأي ممارسة ثقافية أو اجتماعية ، ما لم تكن لها فائدة تعود على الجماعة بشكل إيجابي.

وبالتالي فإن عملية إعادة قراءة التاريخ تهدف إلى البحث عن العناصر التي ينبغي تسليط الضوء عليها لخدمة الحاضر , واستشراف آفاق المستقبل , وليس المقصود هنا أن قراءة التاريخ ـ أي تفسيره ـ يمكن أن تكون عملية تنبؤية ساذجة ، وإنما المقصود أن القراءة المعادة للتاريخ يمكن أن تسلط الضوء على عناصر بعينها تكون إلهامًا , وحافزًا على الفعل التاريخي في الحاضر والمستقبل , وبعبارة أخرى تجعل من المعرفة التاريخية نوعًا من التاريخ الحافز الذي ينشط الفعل لدى الجماعة الإنسانية ..

وربما يتجسد هذا فيما فعله المؤرخون العرب أثناء فترة الحروب الصليبية , عندما بدأت الكتابة عن تاريخ القدس ، وفضل الجهاد والمجاهدين , وإعادة قراءة تاريخ السيرة النبوية والمغازي ، ثم ظهور نمط من الكتابة التاريخية يركز على سيرة السلطان المجاهد مثل سيرة صلاح الدين الأيوبي.

هذه القراءات المتعددة ، للتاريخ تشكل في حقيقة الأمر نظرات في مرآة الذات الحضارية للتعرف على القسمات والملامح الثقافية والحضارية التي يمكن أن تكون هاديًا إلى طريق الفعل الحاضر ، وعملية إعادة القراءة التي تتكرر كل حين هي محاولات معادة ومتعددة لفهم الذات ، وهذا هو السبب في أن الشعوب تعيد قراءة تاريخها أكثر من مرة.

تفسير التاريخ:

ومن ناحية أخرى ، حرصت القوى الاستعمارية والغاصبة دائمًا على إعادة قراءة تاريخ الشعوب التي أخضعتها ، بالشكل الذي يخدم أهدافها التسلطية ، ومن الأمور ذات الدلالة في هذا السياق أن الاحتلال النازي لفرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية قد حرص على تغيير كتب التاريخ في المدارس الفرنسية ، كما أن الصهاينة فعلوا الشيء نفسه بعد نجاحهم المؤقت في اغتصاب الأرض العربية في فلسطين ، لقد أعادوا (قراءة) التاريخ العربي ، والتاريخ الفلسطيني خاصة ، بالشكل الذي يغيّب الدور العربي ..

ولكن هذه القراءة لم تكن تفسيرًا للتاريخ من وجهة نظر صهيونية ، وإنما كانت تزويرًا لتاريخ العرب والفلسطينيين والحضارة العربية الإسلامية بوجه عام ، من أجل تغييب دور الفلسطيني , وتبرير سرقة الأرض بسرقة التاريخ والتراث , كذلك فإن إصرار الإدارة الحاكمة في الولايات المتحدة الأمريكية الآن على تغيير المناهج الدراسية ، ومن بينها التاريخ بشكل خاص ، في إطار ما تسميه إصلاح العقل العربي يمكن أن يكشف لنا أهمية هذه العملية المتكررة لإعادة قراءة التاريخ.

وقد استخدم الصهاينة قراءتهم الخاصة لتاريخ المنطقة أداة في الصراع السياسي والعسكري والثقافي ضد العرب ، كما أن الأساطير التي تم اختلاقها وترويجها عن إسرائيل القديمة قد ساعدت على ترسيخ بعض الأوهام في أذهان اليهود وأبناء الغرب الأوربي والأمريكي عن العرب والمسلمين وفلسطين ، باعتبارها (حقائق تاريخية) تعطيهم حقًا في أرض لم تكن لهم يومًا.

وليس من قبيل المصادفة أن كراسي التاريخ في الجامعات ومراكز البحوث الدراسية الغربية ، والأمريكية منها بصفة خاصة ، ظلت تحت السيطرة شبه الكاملة للباحثين والمؤرخين اليهود حتى منتصف القرن العشرين على أقل تقدير ، وكان الحصاد المر لهذه السيطرة الصهيونية أن رسخت في أذهان أبناء الغرب صورة سلبية تمامًا للعرب ، ساعد عليها تراث قائم منذ عصر الحروب الصليبية ، يحمل صورة سلبية للعرب والمسلمين بوجه عام ..

ولم يكن الأمر مجرد دعاية سيئة يمكن علاجها بالمفاهيم الإعلامية السطحية ، كما يظن الجهابدة من أصحاب القرار ، وإنما كان قراءة التاريخ لخدمة الأهداف الصهيونية الآنية والمستقبلية , ولأن هذه القراءة تمت بشكل منهجي ومدروس تنفيذًا لوصية"هرتزل"بإحداث أكبر قدر من الضجة حول القضية اليهودية (من خلال الفن والتاريخ ) فإنها تركت أثارها السلبية حتى في أوساط المؤرخين العرب ، ومازلنا نعاني من هذه الآثار حتى الآن.

وكانت الظروف التاريخية الموضوعية مواتية تمامًا لسيادة هذه القراءة الصهيونية في دوائر الغرب الأوربي والأمريكي , وانتقال بعض انعكاساتها على أفكار ومفاهيم نفر من المؤرخين العرب (الحرفيين) ..

حقيقة أن عددًا من المؤرخين العرب الفاهمين قد عملوا على (تعريب) الدراسة التاريخية منذ وقت مبكر ، وفي العقود الأولى من القرن العشرين ، لكن آذان أوربا وأمريكا كانت مفتوحة وراغبة في الاستماع إلى القراءة الصهيونية للتاريخ منذ القرن التاسع عشر , ذلك أن الفترة التي نشط فيها المؤرخون العاملون في خدمة الحركة الصهيونية جاءت في أعقاب فترة نشط فيها المؤرخون الأوربيون والأمريكيون ، تحت مظلة الاستشراق لدراسة تاريخ الحضارة العربية الإسلامية ، وتاريخ المسلمين والعرب ، انطلاقا من روح العداء للدولة العثمانية بسبب حروب المورة اليونانية التي تطوع فيها كثير من الأوربيين والأمريكيين للقتال إلى جانب اليونانيين ضد الأتراك العثمانيين , باعتبارهم أصحاب حضارة الغرب الكلاسيكية.

(وبالمناسبة كانت تلك هي الفترة التي ظهرت فيها موجة العداء للسامية ، والتي كانت موجهة ضد العرب والمسلمين واليهود ، ثم حولتها الدعاية الصهيونية إلى أداة ابتزاز لصالح الحركة الصهيونية) .

والناظر في تراث هذه الفترة سيجد أن البحوث والدراسات التاريخية التي خرجت في هذه الفترة ، كانت في الغالب الأعم نوعًا من القراءة الانتقامية التي تحرض أبناء الغرب ضد المسلمين , والعرب بشكل عام , وكانت تلك فرصة ذهبية لم يتوان المؤرخون الصهاينة في استغلالها , والسير على نهج مؤرخي الفترة الاستعمارية الأوربية في قراءة أو تفسير تاريخ الحضارة العربية الإسلامية.

ومن ناحية أخرى كانت الظروف التاريخية الموضوعية مواتية للقراءة الصهيونية لأن الدراسات التاريخية العربية الحديثة كانت لا تزال فرخًا من أفراخ الدراسة التاريخية الأوربية ، إذ كان رؤساء قسم التاريخ بالجامعة المصرية ـ أولى الجامعات العربية - من الأوربيين حتى سنة 1936م وكان طبيعيًا أن تسود المفاهيم التاريخية من وجهة نظر المؤرخين الأوربيين في الدراسات التاريخية العربية الناشئة ، وكانت النتيجة الحتمية أننا صرنا نقرأ التاريخ العربي بعيون أوربية وأمريكية معادية ، أو منحازة في أحسن الأحوال.

هذه الحقيقة التي نعرفها هي التي استوجبت طرح السؤال حول ضرورة إعادة قراءة تاريخنا أو إعادة تفسيره من منظور عربي.

تعريب الدراسات التاريخية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت