فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 1942

وربما يكون من المناسب أن نحاول النظر إلى المشهد الحالي في مجال الفكر التاريخي العربي قبل الخوض في تفاصيل الإجابة عن السؤال الذي يشي بأن ثمة أزمة تكمن وراء السؤال , فقد مر البحث التاريخي العربي ، بتطورات كثيرة منذ بدأ الأجانب والدراسات التاريخية في جامعة القاهرة قبل ما يزيد على ثلاثة أرباع القرن , فقد قام عدد من المؤرخين المصريين والعرب الرواد بتعريب الدراسة التاريخية , وتخرجت أعداد كبيرة من الباحثين العرب لم يلبثوا أن أسسوا الأقسام الأكاديمية في الجامعات العربية ، التي توالت في الظهور في شتى أرجاء الوطن العربي ، وتكاثرت الدراسات والبحوث التي حققت قدرًا متوازنًا من تطور الفكر التاريخي العربي.

وقد أدت هذه الزيادة الكمية إلى تغير نوعي وكيفي في مجال الدراسات العربية حقًا , ولكن روح التفرق وعدم التنسيق وغياب مشروع عربي متكامل لإصدار الكتب والموسوعات التي تحمل القراءة العربية للتاريخ ، حالت دون الإفادة الكاملة من هذه الزيادة الكمية والتغير النوعي النسبي.

والمنطقة العربية حافلة بأقسام التاريخ ، كما أن أعدادًا متزايدة من الجمعيات المهتمة بالدراسات والبحوث التاريخية قد نبتت على أرض الواقع الأكاديمي العربي ، وهذه نقطة إيجابية يجب أن نضعها في الحسبان ، ومن ناحية أخرى فإن عملية تعريب الدراسات التاريخية في العالم العربي تمت أحيانًا بنجاح كبير في بعض الفروع , وبنجاح جزئي في فروع أخرى , على حين بقيت فروع قليلة أسيرة تمامًا للمفاهيم والمصطلحات والمنظور الأوربي - الأمريكي..

وهذه نقطة إيجابية ثانية كذلك , فإن عدد المؤرخين العرب الفاهمين لحقيقة الوظيفة الثقافية الاجتماعية للدراسة التاريخية يزداد بشكل مطرد ، وهذه نقطة إيجابية ثالثة ، فضلًا عن أن البحث والدراسات التاريخية التي قام بها المؤرخون العرب قد نجحت إلى حد ما في إحداث شرخ في الصورة التي رسمتها القراءة الصهيونية الاستشراقية لتاريخ العرب والحضارة العربية ، وهذه نقطة إيجابية رابعة ، والأهم من هذا كله أن عددًا متزايدًا من المؤرخين المسلمين والعرب قد نجحوا في كسر الاحتكار اليهودي الصهيوني لدراسة الحضارة العربية الإسلامية في الجامعات الأوربية والأمريكية ، وهذه نقطة إيجابية خامسة.

هذه النقاط الإيجابية في المشهد ، وغيرها لا تنفي وجود النقاط السلبية المتمثلة في سيادة المفهوم الأوربي في تقسيم العصور التاريخية حتى الآن ، وفي تسلط المصطلحات الأوربية التي تخدم القراءة الأوروبية التي تصطدم بالضرورة مع القراءة العربية للتاريخ العربي ، فضلًا عن تخلف وسائل أعداد الباحثين والمؤرخين العرب ، وضآلة الموارد المالية المخصصة لتعليمهم ..

ومن ناحية أخرى ، فإن الخصومة القائمة بين معظم الحكام العرب والبحث العلمي وأهله ، قد جعلت مسألة البحث العلمي مسألة مظهرية شكلية في كثير من الأحيان ، ولم يكن البحث التاريخي استثناء في ذلك بطبيعة الحال ، انظر إلى ميزانيات البحث العلمي في العالم العربي , وقارنها بميزانية البحث العلمي في دولة الكيان الصهيوني مثلا ..ومثلما يفتقر العرب حاليًا إلى التنسيق في كثير من أمور حياتهم على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية ، وبالشكل الذي جعلهم يتوارون في الركن المظلم من العالم، غير أنهم لا يزالون أسرى التواريخ القطرية والمحلية التي تعكس واقعهم السياسي المفكك , وحال التشرذم التي يعانون منها من جهة وتكرسه من جهة أخرى.

ومن هنا فإن الإجابة عن السؤال المطروح: هل هناك ضرورة لإعادة كتابة تاريخنا ؟ تكون بالإيجاب حتمًا إذ إن ما تم إنجازه قد تحقق بجهود فردية في غالب الأحوال , ولم تكن تساند هذه المبادرات الفردية جهود مؤسسية عامة في كثير من الأحيان , وهو ما أدى بالضرورة إلى عدم توافر الشروط اللازمة لوجود (قراءة عربية للتاريخ العربي) حتى الآن ..

صحيح أن الفترة التي تمتد من العقود الأولى من القرن العشرين حتى الآن قد شهدت تطورًا كميًا كبيرًا , بيد أن هذا التطور الكمي لم يكن يوازيه تطور كيفي مناسب , وهو ما يعني أنه لا توجد حتى الآن مدارس عربية ، أو حتى اتجاهات في الفكر التاريخي ، وما زلنا نعيش عالة على إنجازات الفكر التاريخي الغربي ومدارسه واتجاهاته حتى الآن.

وحين ظهرت مجموعة من المؤرخين العرب تسير على هدي مدرسة ليوبلود فون رانكة الألماني الصارمة الخالية من الخيال نافستها جماعة نسبت نفسها إلى الفكر الماركسي , ونظريات التفسير المادي ، على حين لحق آخرون بالمدرسة البورجوازية التي يمثلها الإنجليزي (آرنولد توينبي) .

وعلى الرغم من أن البحث التاريخي قد حقق قدرًا معقولًا من التقدم النسبي في النصف الأول من القرن العشرين , فإن التراجع بدأ مرة أخرى في الربع الأخير من هذا القرن ، ولأسباب كثيرة لا يتسع المجال لها..

تراجع البحث التاريخي ضمن تراجعات كثيرة في العالم العربي ، وإن ظلت مجموعات من المؤرخين الفرادى ، ومراكز البحوث ، تحاول السباحة ضد التيار.

وعلى الرغم من أن المقارنة بين الأوضاع في خمسينيات القرن العشرين والأوضاع الآن في مجال الدراسات التاريخية والتقدم الكمي والنوعي ، فإن ما يحقق إعادة قراءة تاريخنا من شروط لم تتوافر حتى الآن ، ولست أظن أن الأمر مستحيل أو حتى صعب ، ذلك لأننا نمتلك المقومات والشروط اللازمة لتحقيق ذلك ، ولكننا لا نملك التنسيق الجماعي على مستوى العالم العربي من ناحية ، ونفتقر إلى الإدارة السياسية التي توفر الشروط الصحية للبحث العلمي من ناحية أخرى..

وعلى الرغم من أن مؤسسات أهلية كثيرة تحاول إذكاء العمل الثقافي في الوطن العربي فإن نشاطها يكاد يكون محصورًا في نطاق الأدب والنقد والدرسات الأدبية ، كما أن الاستبداد السياسي الذي تعاني منه الشعوب العربية انعكس سلبيًا على الحرية الفكرية , ولم يكن البحث التاريخي استثناء في ذلك بطبيعة الحال , والمسألة لا تحتاج إلى جهد المقاتلين بقدر ما تحتاج إلى صبر العلماء ، ولنا فيما حدث في مجال الدراسات العثمانية أسوة.

دفاع الحضارة الإسلامية:

وربما يساعدنا على الدعوة لإعادة قراءة تاريخنا حقيقة مؤداها أن خطوات مهمة قد تمت بالفعل في هذا المجال في دراسة بعض جوانب الحضارة العربية الإسلامية ، وبعض فترات تاريخ المسلمين , فضلًا عن القراءة الناجحة لفترات مهمة في تاريح العرب الحديث والمعاصر، وقد أسهم مؤرخون مسلمون وعرب كثيرون في إعادة قراءة التاريخ الإسلامي بالدرجة التي أحدثت صدعًا في الرؤية الغربية لهذا التاريخ .

ووجدت مراجعات كثيرة لعدد من المُسلّمات التي كانت راسخة بشأن التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية بالفعل ، ولكن الهجوم العنيف من جانب الدوائر الصهيونية والإمبريالية على الإسلام والمسلمين والعرب يستدعي جهدًا أكثر قوة ومثابرة لإعادة قراءة أو تفسير التاريخ الإسلامي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت