3 -وتؤكد الأحاديث الشريفة على ضرورة بناء الخلايا الاجتماعية الحضارية بالإضافة إلى الخلايا الفطرية الطبيعية .
شهداء على الناس
-عز وجل - المطلوب: أن يختار الناس النظام الصالح بأنفسهم ، وما الطليعة المؤمنة إلاّ وسائط خير، وأدلاّء معروف .
-عز وجل - نحن لا نريد أن نتخذ القرارات بديلًا عن الجماهير، ولا نريد أن نقوم بالتغيير نيابة عن الناس، ولا أن نقيم النظام الصالح رغمًا عنهم .
كما أن الإسلام يعطي الشرعية للكيان الاجتماعي ويؤكد عليه، كذلك فهو يرفض الرهبانية والاعتزال عن الناس إعتزالا دائما ويؤكد على حضور الطليعة المؤمنة في أوساط الجماهير.
وفي هذا المجال نجد أحاديث كثيرة تؤكد على ضرورة تواجد العناصر الرسالية داخل الجماهير وعدم الاعتزال للعيش بعيدًا عنها، حتى ولو كان ذلك يسبب لهذه العناصر الأذى، حيث أن المؤمن الصالح يشق عليه كثيرًا أن يعيش مع اناس قد لا يلتزمون بشكل كامل بأحكام الشريعة، ولا يتحملون أية مسؤولية. ولكن هذه الصعوبة يجب أن يتحملها العنصر الرسالي، لأنّه إن فقد الجماهير، يكون قد فقد أرضه التي ينبت وينمو فيها، ويستمد منها عناصر قوته.
جاء في الحديث:
توفي ابنٌ لعثمان بن مظعون رضي الله عنه، فاشتدّ حزنه عليه حتى اتّخذ من داره مسجدًا يتعبّد فيه، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله، فأتاه فقال له:
(يا عثمان! إن الله تبارك وتعالى لم يكتب علينا الرهبانية، إنّما رهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله) .
ثم قال:
(يا عثمان! من صلّى صلاة الفجر في جماعة، ثم جلس يذكر الله عزوجل حتى تطلع الشمس، كان له في الفردوس سبعون درجة، بُعد ما بين كل درجتين كحضر الفرس الجواد المضمر سبعين سنة. ومن صلّى الظهر في جماعة كان له في جنات عدن خمسون درجة ما بين كل درجتين كحضر الفرس الجواد خمسين سنة. ومن صلّى العصر في جماعة كان له كأجر ثمانية من ولد اسماعيل كل منهم رب بيت يعتقهم. ومن صلّى المغرب في جماعة كان له كحجة مبرورة وعمرة متقبلة. ومن صلّى العشاء في جماعة كان له كقيام ليلة القدر) .
الإسلام يرفض الفوضوية
من مظاهر الشرعية التي يعطيها الإسلام للكيان الإجتماعي، رفضه للفوضوية التي يعتبر غياب الطليعة المؤمنة عن الجماهير أحد أسبابها الرئيسية.
فالفوضوية مرفوضة، لأنّ أي مجتمع لا يمكنه أن يبقى من دون وجود نظام وقوانين تحكمه، حتى لو كان هذا النظام جائرًا والقوانين باطلة.
فالسلطة ضرورة ولا يمكن أن نستبدل النظام الجائر بالفوضى، لأنّ النظام الجائر أفضل عند الإسلام من الفوضى.
نعم، المطلوب العمل من إجل إقامة نظام عادل عوضًا عن النظام الجائر وهذا واجب شرعي، أمّا أن نزيل النظام الجائر للاشيء، فهذا أمر موفوض عند الإسلام. وفي القرآن إشارة واضحة إلى هذه الحقيقة، وهي أن نبي الله موسى عليه السلام حينما إنطلق إلى فرعون، فإنّه حاول أولًا أن يهديه، وهذا دليل على أن موسى عليه السلام لم يكن يريد أن يهدم نظام فرعون، وإنما أن يقوِّمه ويصلحه، ولكن فرعون كما فراعنة كل زمان، إتهم موسى بأنّه يريد هدم نظامه وإشاعة الفساد والفوضى.
والرسالة الإسلامية انما قامت على كلمتين، هما (لا اله الا الله) اي تحرير الإنسان من الجبت والطاغوت ومن عبادة الآلهة البشرية والحجرية. و (محمد رسول الله صلى الله عليه وآله) أي إقامة الحكومة الإلهية الصالحة البديلة عن النظام الفاسد.
من هنا فإن الاسلوب المناسب لتغيير الانظمة ليس هو هدم النظام فقط ثم انتظار قيام نظام بديل، وانما اقامة نظام بديل في داخل المجتمع، ومن ثم محاولة احتواء عناصر المجتمع الفاسد وتوجيهه في الاتجاه السليم، وأتصور بأن الاسلوب الذي اتبعه الأنبياء وأولياء الله الصالحون في العمل التغييري، كان هو:
أولًا: عدم هدم النظام الفاسد قبل أن يتم تأسيس كيان قادر على إحلال النظام الصالح مكانه.
ثانيًا: محاولة تغيير النظام الفاسد عن طريق الناس أنفسهم، وذلك بالتأثير فيهم وليس بالإبتعاد عنهم والسعي نحو إقامة نظام عادل بالرغم عنهم.
إنّنا نريد أن يختار الناس النظام الصالح بأنفسهم، وما الطليعة المؤمنة إلا وسائط خير وأدلاء معروف فقط، تعرّف الناس على طريق الحق، وتضحي من أجل هذه المسؤولية، وفي سبيل توعية الجماهير. أما بعد ذلك فالجماهير هي التي تتحرك، وهي التي سوف تبني النظام المطلوب. نحن لا نريد أن نتخذ القرارات بديلا عن الجماهير أو بالوكالة عنها، لا نريد أن نقوم بالتغيير نيابة عن الناس، ولا أن نقيم النظام الصالح رغمًا عنهم.
إننا نريد أن نرفع عن أعين الناس غشاوة التضليل الاعلامي، ونرفع عن طريقهم العقبات الكأداء ليقيموا بأنفسهم النظام الصالح، ودورنا هو دور حامل الرسالة اليهم، وهكذا كان دور الأنبياء عليهم السلام الذي يحدثنا القرآن الحكيم عنه فيقول:
?فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ? الغَاشِيَة،21-22
فالنبي ليس مسيطرًا على الناس وإنّما هو بشير.. ونذير، وان عليه البلاغ، وبقية الامور مرتبطة بالناس وبالله. بأقدار الله، وبقضاء الله سبحانه وتعالى.
وبشكل عام، فالأنبياء إنما كانوا يريدون أن يؤسسوا سلطة الحق في النفوس، والاندفاع الطبيعي إلى العمل، وقد نجحوا في ذلك.
وهكذا يجب ان يكون الإسلاميون، والحركة الإسلامية في العالم التي نرجو لها أن تنتصر في هذه المهمة.
الطليعة شهداء حاضرون بين الناس
تأكيدًا لضرورة تواجد الطليعة المؤمنة في أوساط الجماهير نورد بعض الأحاديث الشريفة التي توضح لنا هذا الأمر.
تمهيد في وصيته للزهري، يقول الإمام زين العابدين عليه السلام:
(أما عليك أن تجعل المسلمين منك بمنزلة أهل بيتك، فتجعل كبيرهم منك بمنزلة والدك، وتجعل صغيرهم منك بمنزلة ولدك، وتجعل تربك - أي الذي يساويك في العمر - بمنزلة أخيك .
فأي هؤلاء تحب أن تظلم؟ وأي هؤلاء تحب أن تدعو عليه؟ وأي هؤلاء تحب أن تهتك ستره؟
وإن عرض لك ابليس لعنه الله أنَّ لك فضلا على أحد من أهل القبلة، فانظر إن كان أكبر منك فقل قد سبقني بالايمان والعمل الصالح فهو خير مني، وإن كان أصغر منك فقل قد سبقته بالمعاصي والذنوب فهو خير مني، وإن كان تِرْبَك فقل أنا على يقين من ذنبي وفي شك من أمره فمالي أدع يقيني لشكي. وإن رأيت المسلمين يعظمونك ويوقرونك ويبجلونك، فقل هذا فضل أخذوا به، وإن رأيت منهم جفاءً وانقباضًا عنك فقل هذا لذنب أحدثته. فانك إذا فعلت ذلك سهّل الله عليك عيشك وكثر أصدقاؤك وقلّ أعداؤك، وفرحت بما يكون من برهم ولم تأسف على ما يكون من جفائهم) .
إنَّ هذا الحديث يؤكد لنا ضرورة محبة الآخرين من المسلمين والتواجد بينهم بعد اعتبارهم آباء وأولادًا واخوة، وحتى الذين يشك في عدالتهم، بل على كل انسان أن يشك في عدالته هو شخصيًا، ولا يقول انّي منزّه ومزكّى، وأنّي أفضل من الآخرين، وانّما عليه أن يعتبر نفسه أبدا أقل منهم، ولذلك يعظمهم ويحترمهم، ويكون قريبا منهم.
? تمهيد وفي حديث آخر يقول الامام الصادق عليه السلام:
(حسنُ المعاشرة مع خَلق الله تعالى في غير معصيةٍ من مزيد فضل الله عزوجل عند عبده. ومن كان خاضعًا لله تعالى في السر - أي كان خاضعًا في سرّه لله سبحانه وتعالى - كان حَسَن المعاشرة في العلانية. فعاشر الخلق لله تعالى، ولا تعاشرهم لنصيبك من الدنيا، ولطلب الجاه والرياء والسمعة، ولا تَسقُطَنَّ بسببها عن حدود الشريعة من باب المماثلة والشهرة .