فهرس الكتاب

الصفحة 1629 من 1942

وهي عبارة عن كلمتين في اليونانية:"ثيو"معناه: ديني و"كراتيس"معناه: حكم، وهو الحكم، القائم على التفويض الإلهي، أي أن الحاكم يختاره الله فيحكم باسمه ويستمد منه سلطته، يحيط به جمع من الكهنة يسيطرون على الناس ويستغلونهم.

وهذا المعنى النابع من التاريخ الأوروبي لا ينطبق على مفاهيم الحكم الإسلامي، لأن إمام المسلمين أو خليفتهم، لا يختاره الله، بالمعنى السابق ولم يفوض إليه أن يحكم باسمه، بل تختاره الأمة، فينوب عنها في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية. ثم إنه لا توجد طبق كهنة أو رجال الدين في الإسلام، وإنما يوجد العلماء، شأنهم شأن غيرهم من العلماء في العلوم والآداب والفنون، وليس لهؤلاء العلماء الاجتهاد في موضع النص القاطع الثابت بالوحي الإلهي.

فإذن كيف يمكن أن يستعمل هذا المصطلح للدلالة على الحكم الإسلامي؟

اليمين واليسار:

من التعابير الاصطلاحية التي أصبحت مرتبطة بنظم الحكم وبالمذاهب السياسية والأحزاب المعاصرة. نشأ اللفظ أصلًا مع قيام الجمعية الوطنية الفرنسية عام 1789م التي مهدت لقيام الثورة. إذ كان النبلاء من أعضائه يجلسون في مكان الشرف إلى يمين رئيس المجلس بينما كان يجلس ممثلو الشعب إلى اليسار، ثم شاعت في المجالس الأوروبية، أن يجلس المحافظون في اليمين والراديكاليون التقدميون في اليسار،ثم توسع في استعمال اللفظ، فأطلق اليمين على المحافظين واليسار على الثوريين أو التقدميين (30) .

إذن فهذان المصطلحان يرتبطان بما حدث من تطورات سياسية في داخل المنظومة الحضارية الغربية، ولهما دلالات ترتبط بهما ارتباطًا عضوياُ.. فكيف يمكن أن يوصف ما جرى في تاريخ الإسلام بهذين المصطلحين؟!

إن الإسلام كان له مصطلحان معروفان، وهما الحق والباطل، فأهل الحق هم معروفون لمن يعيش في إطار المنظومة الحضارية الإسلامية، وكذلك أهل الباطل. ولو نقل المصطلحان إلى الحضارة الغربية، لم بفهم أحد معناهما لأنه لم يستعملهما أحد داخل المنظومة الحضارية الغربية.

وهكذا الأمر بالنسبة للمصطلحات:"الاشتراكية"و"الدكتاتورية"و"الرجعية والتقدمية"… وغيرها، فهي ثمرة تطور النمط الحضاري الغربي لا علاقة لها بتاريخ الإسلام وحضارته وتطور الحياة فيه.

على أنه توجد مصطلحات أخرى لا ترتبط بمنظومة حضارية معينة، ولو قيدتها بمعانٍ خاصة بها وبالمبادئ التي تفرعت منها عند استعمالها. فألفاظ مثل:"الثورة"أو"الطبقة"أو"التقدم"كانت ولا تزال مستعملة في ثقافات شتى، فمن الناس من يستعملها على إطلاقها ومنهم مستعملة في ثقافات شتى، فمن الناس من يستعملها على إطلاقها ومنهم من يستعملها مقيدة. فهي عندئذ بمثابة الألفاظ المجملة. فعند إطلاقها لا بد لنا أن نبحث عن المعنى المقصود في السياق، حتى نحدد موقفنا منه بدقة. فالسياق هو الذي يحدد معنى قول الماركسي"ثورة الطبقة"والديمقراطي"الثورة الفرنسية"والإسلامي"جاء الإسلام ثورة على المجتمع الجاهلي".

فلو سألنا الماركسي:

ماذا تقصد بكلامك؟

أجابنا:

أقصد بثورة الطبقة ثورة الطبقة التالية على الطبقة السابقة عليها كثورة البورجوازية على الإقطاع وكثورة العمال على البورجوازية بشروطها التاريخية.

ولو سألنا الديمقراطي أجابنا:

هي ثورة الشعب الفرنسي على المظالم التي كانت سائدة قبلها.

ولو سألنا الإسلامي أجابنا:

أقصد أن الإسلام لما جاء اقتلع جذور الجاهلية وقبلها رأسًا على عقب.

وفي رأيي أن استعمال الألفاظ المجملة بسياقها المعرِّف الذي يزيل كل ليس عند القارئ لا خطر فيه. فالكاتب الإسلامي عندما يقول:

(لا توجد طبقية في الإسلام ) لا يحدث كلامه التباسًا عند القارئ، لا سيما أن هذه الجملة وردت ضمن موضوع يتحدث عن أن الناس كلهم عيال الله. فلا تمايز لجماعة على الأخرى إلا بالتقوى، أي لا طبقية بأي مفهوم من مفاهيمها الظالمة في الإسلام.

فهذا شيء، وقولنا"الإسلام نظام ديمقراطي"أو"ثيوقراطي"إلى آخره شيء آخر.

وإذا قيل: ما المانع أن أستعمل تلك المصطلحات، ثم أشرح المقصود بها في كلامي. قلنا: هذا فساد في الفكر. إذ كيف تصف الإسلام بمصطلح أجنبي استقر معناه ، ثم تنتهي إلى ضده؟

والذين يقولون: إن طبيعة الحوار في عصرنا تقتضي استعمال تلك المصطلحات لأنها تشكل جسور التفاهم بيننا وبين أصحابها. نقول لهم: لقد ثبت لنا أن كل علم أو فن أو دين له مصطلحاته الخاصة به. فنحن نستطيع عن طريق الإيضاح والتفسير أن نفهم مقاصدنا للناس. فإذا كنت أكلم مفكرًا انجليزيًا وقلت له: إن الإسلام"ديمقراطي"في الحكم. فهم الكلام في إطار مفهومه هو عن الديمقراطية. والحال إن الإسلام ليس كذلك. إذن فلا بد أن نقدم إليه الحقيقة كاملة حول الإسلام حتى يدرك التمييز الكامل بين نظام الحكم في الإسلام والنظام الديمقراطي. وهكذا في المصطلحات الأخرى.

إن المشكلة الكبيرة في عصرنا أن أبناء القرن الرابع عشر الهجري في العالم الإسلامي الذين عاشوا داخل المنظومة الحضارية الغربية وفي إطار مصطلحاتها، لا يتصورون أن يتم التفاهم إلاّ بما نشأوا عليه.

إن المذهبية الإسلامية بكلياتها ومصطلحاتها غدت غريبة في مجتمعاتنا الإسلامية. فالمسلمون لا يعيشون في إطارها. فلا بد لمنهج التغيير الذي يتبناه الإسلاميون، أن يلتزم بإطار المصطلحات الإسلامية، حتى ترجع الأصالة الفكرية إلى مجتمعنا فلا نعيش إلى الأبد على فتات موائد المذهبيات المادية التي توجه الحضارة الغربية المعاصرة.

إن المذهبية الإسلامية تعيش اليوم في معركة ضارية مع المذهبيات المادية العلمانية. واستعمال المصطلحات التي تعبر عنها لن يكون إلاّ في صالح تمكين أفكارها ونمطها الثقافي في مجتمعاتنا الإسلامية

المذهبية الإسلامية والقومية

كان الناس أمة واحدة، يوم أن كانوا قليلي العدد، يسكنون في منطقة واحدة، حياتهم منسجمة، ومواقفهم من مظاهر الطبيعة متشابهة ثم توسعوا، فضاقت بهم الأرض وتعددت بهم سبل العيش، فانتشروا في الأرض وتفرقوا إلى جماعات هنا وهناك وقبائل، ثم نمت تلك الجماعات وتحولت إلى شعوب وأمم تباعدت عن بعضها.

وفرضت عليها ظروف الحياة أن تتجمع حول نفسها لتكون خصائصها عبر ألوف السنين، فتكونت بذلك اللغات المتعددة والعادات والتقاليد المتباينة، فشعرت كل أمة باستقلاليتها وانتقلت إلى مرحلة التفكير والنزاع والسيطرة على الجماعات والشعوب الأخرى طمعًا في الاستعلاء وحصولًا على مصادر العيش الرغيد.

ولقد بعث الله تعالى النبيين مبشرين منذرين في الأقوام والجماعات:

(( … وإن من أمّةٍ إلاّ خلا فيها نذير ) ) (فاطر:24)

(( وما أرسلنا من رسولٍ إلاّ بلسان قومه ليُبيِّن لهم… ) ) (إبراهيم:4) .

ورسل الله، ذكَّروا الناس بأصلهم الواحد، وبربهم الواحد، ودعوهم إلى عبادته، كي لا يتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله فيضلوا السبيل:

(( كان النّاس أُمّةً واحِدةً فتعث الله النّبيِّين مُبشِّرين ومنذرين وأنْزل معهم الكتابَ بِالحقِّ لِيحْكُمَ بيْن النّاسِ فِيما اخْتلفُوا فيهِ وما اختلف فيه إلاّ الّذين أوتوه من بعْدِ ما جاءتْهُمُ البيِّناتُ بغيًا بيْنهم فهدى الله الذين آمنُوا لما اخْتلفُوا فيه من الحقِّ بإذنِهِ واللهُ يهدي من يشاءُ إلى صراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) ) (البقرة: 213) .

والقرآن الكريم يذكر الناس بحقيقة الوحدة الإنسانية فيقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت