ومن المشاكل الفكرية الخطيرة التي تعاني منها في مرحلتنا الحاضرة، تشابك الاصطلاحات التي تنتمي إلى حضارات متضادة في كل شيء، والتي لم تستطع إلى الآن أن تضعنا على طريق الفهم الحضاري المشترك والاتفاق ولو على أصول مذهبية واحدة، وبذلك فقدنا الانسجام الفكري والأرضية المشتركة للتفاهم في مجتمع مشتت الفكر، لم تتوضح أمامه الرؤية المذهبية بعد:
فمن أهل الفكر من يدعو إلى استعارة المصطلحات الحضارية الأجنبية دون تردد، لأنها أصبحت لغة عالمية، فهم لا يرون مانعًا من استعمال كلمات اليمين واليسار، والديمقراطية والثيوقراطية، والطبقة والحكم الإلهي المطلق، ورجال الدين والصراع والثورة، والرأسمالية والماركسية والاشتراكية… وما إلى ذلك، على أساس أننا لا بد أن نعيش - في زعمهم - عصرنا ونفهم مصطلحاته ونستعملها حتى يفهمنا الناس، ويتوحد فكرنا على أساسه وتظهر آثار التقدم والتطور في حياتنا ونتحرر من المصطلحات التراثية التي أكل عليها الدهر وشرب.
ويصرحون بأننا لا بد لنا أن نسقط لغتنا العقيدية الخاصة ونتبنى لغة المصطلحات الحديثة الشائعة حتى نصل إلى لغة مشتركة للحوار بين الاتجاهات الفكرية داخل ثقافتنا وبين حضارتنا وحضارات أخرى.
هذا واحد منهم يقول:
وقد حدثت ظاهرة لغوية فريدة هي ظاهرة (التشكل الكاذب ) عندما أسقطت الحضارة الإسلامية الناشئة لغتها العقائدية الخاصة ووضعت محلها لغة العصر لغة الحضارات القديمة وليست بالضرورة اللغة اليونانية لأنها كانت لغة العصر في ذلك الوقت وعبرت عن مضمون الحضارة الإسلامية التي لم تعد اللغة الدينية القديمة قادرة على التعبير عنها وعن كل إمكانياتها. وهي في مواجهة حضارات مجاورة تنتشر فوقها تحتويها وتتمثلها. لم يعد لفظ"الله"يعبر عن مضمونه (كذا ) بل كانت الفاظ"المحرك الأول""العلة الأولى""الصورة المفارقة""الواحد""العقل العاقل والعقول""اللانهائي"إلى آخر هذه الألفاظ التي استعملها الفلاسفة قديمًا وحديثًا للدلالة بها على مضمون التنزيه ومع ذلك ظل المضمون الأول وإن تم الاستغناء عن الشكل وهو اللفظ (28) .
إن مقارنة موقفنا الحضاري بمواقف أسلافنا من الحضارات الأخرى، مقارنة تفتقر إلى الأساس المشترك، وهذا الأساس مفقود هنا لما يلي:
-الأول:
إن أسلافنا عندما واجهوا الحضارات الأخرى، كانت مذهبيتهم الإسلامية، تسيطر على حياتهم وتوجه حضارتهم. وكانت دولتهم أقوى الدول. ولم تكن هنالك مذهبية أخرى تستطيع أن تشكل خطرأ على مذهبيتهم الإسلامية بتفاصيلها الدقيقة. فلم تكن مشكلة الضياع والذوبان مثارة يومئذ أصلًا، بل هم كانوا يفتحون عقولهم وقلوبهم لدينهم وحضارتهم وجوانب حياتهم المشرقة.
ونحن اليوم بعكس أسلافنا. كياننا السياسي الإسلامي ممزق، وحضارتنا الإسلامية قد سقطت منذ زمن بعيد. لا بد غزتنا الثقافات المتنوعة داخل الحضارة الغربية غزوًا يكاد يكون كاملًا، بحيث فقدنا شخصيتنا المستقلة.
فنحن اليوم عندما نختار لسنا أحرارً كأسلافنا؛ منطلقاتنا الفكرية ليست واضحة، رؤيتنا لما حولنا لا تتحكم فيها عيون سليمة، حياتنا الاجتماعية والحضارية غير مخططة، لا لون لنا، لا نمط متميز لحياتنا.
فهل وضح أسلافنا ووضعنا متماثلان؟ حتى نجمع بينهما ونتصرف على أساسهما ونختار، هذا إذا كانت القضية التي نواجهها تشبه التي واجهوها، فكيف إذا كانت القضيتان مختلفتين؟
-الثاني:
إن المصطلحات التي نواجهها اليوم تختلف اختلافًا كبيرًا عن المصطلحات التي واجهها أسلافنا؟ لأن المصطلحات في عصرنا ليست ألفاظًا لغوية أو أوصافًا لعلم من الأعلام. وإنما هي مصطلحات تكمن وراءها منظومة حضارية تختلف في مقدماتها ونتائجها عن منظومتنا الحضارية ونمطنا الاجتماعي.
فلو جئنا إلى لفظ الجلالة"الله"سبحانه وتعالى نجد أنها لسم علم، يدل على الفاطر أو الخالق أو المبدع، وهو المعبود الحق الذي لا معبود سواه. فإذا وصفنا هذا الخالق بأنه"العلة الأولى"أو"المحرك الأول"أو"الواجب الوجود". لم تتغير الحقيقة، لأن الباري تعالى يتصف بهذه الأوصاف جميعًا. ثم إننا لم نبتعد بإطلاقنا تلك الألفاظ عن دائرة الفهم اللغوي المباشر. واستعمال هذه الألفاظ لا يستدعي أبدًا إدخال معنى آخر بجانبه. ومن استعمل من الفلاسفة المسلمين كالفارابي وابن سينا وابن رشد، مضامين أخرى بجانب تلك الألفاظ، لم يأخذوها لأنها مضامين تدخل في معنى تلك المصطلحات. وإنما هم أخذوا فلسفة أرسطو الإلهية بكاملها وظنوها صحيحة تسند المذهبية الإسلامية. أو ظنوا ذلك دفعًا للتعارض بين العقل والنقل.
والحقيقة أنه لم يكن هنالك تعارض بين النقل الصحيح والعقل الصريح، بل كان هنالك تعارض بين النقل وبين أقوال"ارسطو"وفلسفته الإلهية ذات التأثيرات الوثنية (29) .
أما ما نحن اليوم فيه من المصطلحات الحضارية، فلها وضع آخر غير الوضع الذي تحدثنا عنه. فلنتكلم على وضع كل مصطلح متى نركن إلى الحقيقة فيه.
الرأسمالية:
الرأسمالية ليست معنى لغويًا صرفًا، ولا هي مجمل في المعنى، وإنما تدل دلالة قطعية على نظام اقتصادي حر، لا يرتبط بقاعدة أخلاقية في الحصول على التملك أو كيفية الحصول عليه. وفوق ذلك فإنه نظام يتأسس عليه حكم معين وتترتب عليه نتائج تولد المآسي والمظالم لا تقف عند المجتمع الرأسمالي وإنما تتجاوزه إلى مجتمعات أخرى.
فكيف يمكن أن نجيز موضوعيًا لباحث إسلامي يصف الاقتصاد الإسلامي بأنه اقتصاد رأسمالي لمجرد أنه يبيح الملكية الفردية بشروطها المعروفة في الشريعة الإسلامية.
إن الاقتصاد الإسلامي يتفرع من مذهبية إسلامية شاملة متكاملة لها جوانب كثيرة مترابطة، مقدماتها وموضوعاتها ونتائجها تختلف جذريًا مع الاقتصاد الرأسمالي.
الشيوعية:
هذا المصطلح، ليس معنى لغويًا بحتًا وليس مجملًا، وإنما يدل على نظام خاص محدد، له تفسيره المادي لشؤون الكون والمجتمع والإنسان، وتتفرع منه أنظمة تنسجم مع مقدماته ذات التفسير المادي للتاريخ، منها النظام الاقتصادي المبني على تحريم الملكية لأدوات الإنتاج، وسيطرة الدولة الكاملة على توجيه النشاط الاقتصادي في المجتمع.
فهل يمكن أن نكون علميين إن قلنا: إن النظام الاقتصادي الإسلامي هو نظام شيوعي أو شبيه بالشيوعية، لأن اتجاه الاقتصاد الإسلامي هو اتجاه جماعي، أو لأنه يبيح للإمام التدخل في الأوضاع الاقتصادية وإعادة التوازن إلى المجتمع، كلما دعت الحاجة إلى ذلك. زد عليه أن النظام الاقتصادي الإسلامي هو جزء من كلِّ يختلف أساسًا عن الكل الحضاري الذي تنتمي إليه الشيوعية.
الديمقراطية:
كلمة يونانية الأصل تتكون من مقطعين، الأول نعني الشعب والثاني يعني الحكم، ومعناه أن يحكم الشعب نفسه بنفسه مباشرة أو عن طريق الممثلين الذين يختارهم في مجلس النواب، وهو نظام علماني، ليس فيه محور ثابت لحركة التغيير، بل إن الشعب عن طريق نوابه يغير حياته كما يشاء من دون ارتباط بقيمة ثابتة.
وهذا المعنى يختلف عن النظام السياسي الإسلامي الذي ينبثق من المذهبية الإسلامية التي تستند نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة القاطعة، ولكن لها الحق أن تغير ما يتعلق بالأمور الدنيوية التي تخضع لتغييرات الحياة في داخل الضوابط المستنبطة من الكتاب والسنة وطبيعة اللغة وحقائق المنطق العام، فكيف يمكن أن نسمي النظام الإسلامي بعد ذلك بالنظام الديمقراطي الإسلامي.
الثيوقراطية: