وعلى الجانب الآخر من العالم الإسلامي مشرقا، فقد ربطت العلاقات الثقافية والتجارية بين المسلمين وأوروبا، انعكست على التواصل الحضاري بين الحضارتين الإسلامية والغربية، إذ كانت القسطنطينية نقطة الالتقاء والمعبر لذ اك التواصل والتفاعل، فحين كان المسلمون يواصلون ضغطهم على القسطنطينية باعتبارها مفتاح الطريق إلى أوروبا الشرقية، هجر قسم من علماء بيزنطة، المدينة مزودين بكتابهم الكلاسيكية وبحصيلتهم الثقافية نتيجة الاتصالات الثقافية مع العالم الإسلامي، وخاصة"مع الأندلس وبلاد الشام وانساحوا في أوروبا، وعلى الأخص منطقة البحر المتوسط، فأسهموا في التعجيل بالنهضة الأوروبية، وعلى سبيل المثال لا الحصر أن العالم البيزنطيGemston pletton أسس الأكاديمية الأفلاطونية في مدينة فلورنس على النسق الإسلامي، وصنفه كتابي القانون، وفلسفة أفلاطون وأرسطو."
والعالم البيزنطي مانويل خرايسولوراس M. Chreysolaras حاضر في جامعتي فلورنس وملان و بافيا واعتبر أمير الفصاحة والفلسفة اليونا نية، والعالم البيزنطي بيصاريون النيقي وميلانBessarion of Nicaea ، ساهم في النهضة الإيطالية بشعره وبما جمعه من مخطوطات الشرق، شكلت أول مكتبة لمدينة البندقية ثم تحولت فيما بعد نواة لمكتبة القديس مارك.
وحين نجح المسلمون العثمانيون في فتح القسطنطينية، وغدت إسلامبول بؤرة الإسلام انتقل العديد من الصناع والنجارين والبنائين ومهرة عمال البناء والزخرف وخبراء صناعة السجاد والجلود بأنواعها إضافة إلى العديد من العلماء والأدباء والشعراء والتجار إلى المدينة الجديدة، وأبدعوا في العاصمة زخرفة وتنميقا، وأقيمت فيها عشرات المؤسسات العلمية، كالمد ارس والمساجد والجوامع والزوايا والتكايا والبيمارستانات، ومن ثم وفد إليها أبناء الشعوب الأوروبية للدراسة أو الزيإرة أو التجارة، فأفادوا مما تعلموه وما شاهدوه. ونقلوه إلى بلدانهم. ويبدو أن العلاقات التجارية قد أصابها بعض الارتباك بعد سنة 857 هـ/453 ام، على أثر فتح القسطنطينية، وانهارت بعض الطرق البرية والبحرية في آسيا وأوروبا عبر البحر الأسود والمضائق ، ويلاحظ بأن هذا الارتباك كان مقرونا بمدى نجاح العثمانيين في تثبيت الإسلام في مناطقه لجديدة، إذ أن بواعث الفتح واستمرار الأعمال الحربية حالت دون استمرار التجارة ولكن بصورة ؤقتة، غير أن أوروبا عوضت ذلك بزيادة وتقوية اتصالاتها التجارية مع الموانىء المملوكية في مصر النشام، فشهدت علاقات الجمهورية الإيطالية ، جنوة وبيزا والبندقية تقدما ملحوظا، حتى إذا ما استقرت أوضاع الدولة العثمانية عاودت التجارة إلى نشاطها عبر الخط الواصل من الصين والهند والخليج شمالا وغربا إلى حلب وآسيا الصغرى ليلتقي مع القوافل القادمة بر ًا من وسط آسيا، ويتحد معها بالقسطنطيتية ثم إلى أوروبا، وكان هذا الطريق يعتبر الطريق الاحتياطي للتجارة الشرقية.
وثمة طريق بري من وسط آسيا والهند عبر جبالها وممراتها إلى نهر الأثيل ، حيث يتقابل مع القوافل الوافدة من الصين، !". ويسيران معا حتى بخاري إلى موانىء البحر الأسود وأوروبا، ومنه فروع جانبية إلى حلب وساحل البحر المتوسط."
لقد حمل تجار الشرق إلى أوروبا الشرقية عبر القسطنطينية وأدرنة ، الأنسجة المطرزة والسجاد والجلود والفراء والحنطة والشموع والأحجار الكريمة والصابون وغيرها، ولما كانت المراكز التجارية هي بالضرورة مراكز حضارية"يتم منها التبادل الثقافي إلى جانب التبادل التجاري، وكانت"اسلامبول"بوابة أوروبا الشرقية على العالم الإسلامي، عملت على نقل العناصر الحضارية تواصلا وتفاعلا وتمازجا وتلاحقا، فأثرت بصورة ملموسة ني تكوين الفكر الأوروبي، ومهدت الطريق لعوامل النهضة الأوروبية."
فضل الحضارة الإسلامية على العلوم الطبية
د . هناء إسماعيل ( مجلة الحج والعمرة )
عندما جاء الإسلام اهتم العرب منذ فجره بشتى ضروب المعرفة والعلوم، وصاحب الانتصارات الحربية الرائعة، تقدم الثقافة وازدهار الفكر على صعيد جميع العلوم والمعارف النظرية التطبيقية بالإضافة إلى مختلف الفنون والصناعات.
وكان الاهتمام الكبير الذي أولته الدولة الإسلامية بالعلم والعلماء عاملًا هيأ الظروف الملائمة لانتشار التعليم، فما لبثت العلوم والطب أن اكتسيا ثوبًا جديدًا، بل نفخت فيهما الروح من جديد. فلقد شجع نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم نفسه دراسة الطب وقال:"تداووا فإن الله تعالى لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد: الهِرَم" [رواه أبو داود] .
حافظ العلماء المسلمون على تراث المعرفة الإغريقية فاحترموه وقدروه ونهضوا به وطوروه، وكان ذلك إسهامًا عظيمًا في تقدم الطب، فقد ترجم المسلمون إلى العربية مؤلفات جالين وغيره، ووزعوها على المراكز العلمية في مختلف أنحاء الدولة الإسلامية، فكان لهذا العمل العظيم والجليل فوائده العلمية الكبيرة والجمة.
وقد أسهم ولاة المسلمين كذلك في نهضة علم المعالجة بالعقاقير، بل يعتقد الكثيرون أن الكلمة الإنجليزية Drug المرادفة للعقار الطبي، مشتقة من أصل عربي، كما هو الحال في آلاف المصطلحات الأخرى.
كذلك أنشأ الولاة المسلمون المستشفيات التعليمية الكبيرة والمستوصفات العامة في سائر أنحاء الدولة الإسلامية.
ومن حسن حظ العلوم الطبية أنها حظيت بالنصيب الأوفى بفضل هذا التشجيع المعنوي والمادي من الخلفاء وأولي الأمر والثراء، لاسيما خلال الحقبة الواقعة بين الأعوام 800 - 1200م.
وهذا الازدهار شمل جميع الدول الإسلامية من الشرق في الشام إلى الغرب في الأندلس، وكان لمصر الإسلامية النصيب الأكبر في هذا التقدم الحضاري، فقد أعطت لدنيا العلوم الطبية الكثير، واعتبرت أحد ينابيع الفكر العربي.. فقد أعطت ما لم تعطه الولايات الإسلامية الأخرى حضارة وعلمًا وفنًّا وفكرًا وابتكارًا، فبعد أن من الله عليها بالفتح الإسلامي سنة 21هـ في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، التقت حضارة العرب القادمين من شبه الجزيرة العربية بحضارة الفراعنة التي تسلمها أبناء النيل، وقد عكس المسلمون ضوء الشمس الغاربة للحضارات الفرعونية واليونانية، وكان لهم فضل الحفاظ على العلوم الطبية؛ لأن الرومان لم يحسنوا القيام على هذا التراث، بينما العرب المسلمون تسلموه وأتقنوه وأبدعوا فيه وأضافوا إليه.
كان هذا الالتقاء الحضاري نتيجة مباشرة في دفع عجلة التقدم في شتى ميادين العلوم والمعرفة والصناعات والنظم الإدارية، كما صاحب الفتوح الإسلامية إنشاء المدارس، ومن أروع مظاهر الحضارة الإسلامية مدارس الطب، فمنذ قيام الدولة الإسلامية كانت المساجد معاهد عامة لتعليم الشريعة فضلًا عن أنها دور للعبادة، وكان أول معهد هو الذي أنشأه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في مسجد المدينة، بعد هجرته في السنة الأولى.
وبمرور الزمن أصبحت المساجد كلها جامعات إسلامية، وصار اسم المسجد"جامع"، واليوم نحن نسمي مؤسستنا العلمية الكبيرة الشاملة بمؤنث"جامع"أي"جامعة"، وأصبح يدرس فيها مختلف علوم الدنيا والدين .