فهرس الكتاب

الصفحة 422 من 1942

ومن الناحية المعمارية العسكرية، نلاحظ أن العمارة الإسلامية أضافت إلى التراث الفني العالمي نظمًا لم تكن معروفة من قبل مما جعل لها في العصور الإسلامية طابعا مميزا. ومن أمثلة ذلك أشكال العقود، وأنظمة المساجد والمدارس والقصور والحمامات والأضرحة. كذلك ابتكر المسلمون المداخل ذات المرافق أو المنعطفات المتعددة في المدن والحصون الإسلامية. والغرض من ذلك التحكم في العدو المهاجم من باب الحصن عبر هذه الممرات الضيقة الطويلة الملتوية. ويلاحظ أن الرومان والبيزنطيين لم يستخدموا هذا الأسلوب في حصونهم، بل استخدموا المدخل المستقيم الذي يؤدي مباشرة إلى فناء الحصن. ومن أمثلة هذه المداخل عند المسلمين مدينة بغداد التي كانت أبواب أسوارها الخارجية لا تقع في سمت واحد مع أبواب أسوارها الداخلية، بل مزورة عنها ويفصل بينهما دهاليز ومنعطفات ملتوية لأغراض دفاعية، ولذا أطلق على بغداد اسم"الزوراء".

وقد طبق هذا الأسلوب الحربي بشكل أفضل في قلعة الجبل (المقطم) بالقاهرة في عهد صلاح الدين الأيوبي، في القرن السادس الهجري، وفي قلعة حلب في القرن السابع الهجري، وفي قلاع المرابطين والموحدين بالمغرب.

ولقد انعكس هذا الأسلوب المعماري العسكري على الحصون والقلاع التي شيدها الصليبيون في الشام أو في أوروبا بعد ذلك. مثال ذلك حصن الأكراد Crac de chevalliero في شمال شرق طرابلس الذي أعاد فرسان الاسبتارية شييد قلعته على مثل هذا النظام الرائع الذي مازالت أثاره باقية إلى اليوم. كذلك ابتكر المسلمون نظام"السقاطة"التي انتقلت إلى الغرب باسم ماتشيكولي Machicoli وهي عبارة عن شرفة صغيرة من الحجارة أو الخشب تبرز من الحائط ولها فتحات من أسفل، وتقام ف حق أسوار الحصن، فيستطيع المدافعون هـ ن خلال هذه الفتحات إلقاء المقذوفات أو السائل الحار أو العذرة على المهاجمين، وقد استعار الصليبيون نظام هذه السقاطات، وطبقوه في قلاعهم في شمال الشام وفي أوروبا. ومن أمثلة ذلك قلعة جابار التي شيدها رييتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا، على نهر الخشن عقب عودته من الأراضي المقدسة.

أما من ناحية التأثير الثقافي، فإنه يبدأ منذ أن أخذ كل فريق يتعرف على الفريق الآخر-، ويحاول أن يكنب عنه حاضره وماضيه. و(قد أنجب عصر الحروب الصليبية نخبة من المؤرخين المعاصرين شرقيين وغربيين، كل يمثل وجهة نظره في تلك الحروب، فتوفرت من هذه الحقبة الصليبية مادة خصبة لم يتوفر مثلها من قبل.

وقد عكف المؤرخون الأوروبيون في العصر الحديث على جمع هذه المادة الوفيرة في موسوعة علمية باسم"مجموعة مؤزخي الحروب الصليبية"RECUEIL DES HISTORIRNS CROISADES (PARIS 1841 - 1906 ) ( 1841 ـ 1906 ) ، وهي تضم ما كتبه المؤرخون المشارقة في خمسة مجلدات تحت عنوان:Historiens Orientaux وما كتبه المؤرخون الغربيون في خمسة مجلدات أيضًا تحت عنوان: Historiens Orientaux ومن بين كتاب المسلمين الذين أمدونا بمعلومات قيمة عن العلاقات بين المسلمين والصليبيين نذكر الرحالة الأندلسي السالف الذكر محمد بن جبير الذي زار الشام في أواخر القرن السادس الهجري (12 م) ووصف التعاون المشترك بين المسلمين والمسيحيين في الامارات الصليبية، وقال. ان حالة المسلمين هناك كانت أحسن من. حالة اخوانهم الذين يعملون قي الإقطاعات الإسلامية، وأن الصليبيين تعمدوا اصطناع المسلمين بحسن المعاملة كي يحببوا لهم العمل معهم. ولا شك أن ابن جرو صادق في كلامه، لأن الصليبيين أدركوا أن استمرار بقائهم في إماراتهم يتوقف على التعاون مع أهالي المنطقة والذوبان فيها وقد مات ابن جبير في مدينة الإسكندرية ودفن بها (613 هـ) . ويذهب البعض أن موضع دفنه مقام سيدي جابر الحالي .

وهناك كاتب آخر عاصر ابن جبير وأمدنا بمعلومات هامة عن علاقات المسلمين بالصليبيين بالشام، وهو الأمير الشاعر أسامة بن منقذ (ت 583 هـ/1188م) أحد فرسان بني منقذ أصحاب حصن شيزر الذي لازالت أطلاله باقية باسم سيجر على بعد خمسة عشر أميال إلى الشمال من حماة على الضفة الغربية لنهر العاصي. وبحكم جواره للصليبيين، كان لأسامة معهم مشاكل وحروب وصداقات ونوادر أوردها في كتابه على شكل مذكرات خاصة تحت عنوان"كتاب الاعتبار"وتتضمن صورا مقارنة بين عادات المسلمين والفرنجة، شاهدها أو عاينها بنفسه. لقد كان أسامة موضع إطراء معاصريه وعلى رأسهم صلاح الدين الأيوبي الذي كان معجبا بشجاعته وشعره ويحتفظ بديوان من شعره.

أما المؤرخ الحموي جمال الديون بن واصل (ت 691 هـ/1397 م) ، فقد أورد في كتابه"مفرج الكروب في أخبار بني أيوب"بعض المعلومات الهامة عن لويس التاسع ملك فرنسا أثناء حملته على مصر، وعن الامبراطور منفرد بن فردريك الثاني حينما قابله كسفير للسلطان الظاهر بيبرس في مدينة بولتا الإيطالية.

وهناك مؤرخ حموي آخر اسمه محمد بن علي بن نظيف قدم لنا في كتابه"التاريخ المنصوري ، صورًا لبعض الخطابات المرسلة من الامبراطور فردريك الثاني إلى الأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ قائد جيوش الدولة الأيوبية يروي له فيها بعض أخبار دولته وما جرى فيها من أحداث عقب رجوعه من حملته في فلسطين (636 هـ/1239 م) ."

أما المؤرخون الأوروبيون الذين وصفوا حروبهم ني المشرق وكتبوا عن المسلمين وبلادهم فهم عديدون أيضًا نذكر منهم وليم الصوري William of thyre (1130- 184 أم) الذي ولد في بيت المقدس من أبوين فرنسيين وتعلم في فلسطين العربية واليونانية ثم اتصل بالملك عموري الأول وصار مربيا لأولاده، وظل يتدرج في المناصب حتى صار كبيرا لأساقفة صورة. ومن أهم مؤلفاته كتاب قي تاريخ الحروب الصليبية منذ قيامها سنة 1096 م حتى أخر أيامه 1184م بعنوان"تاريخ الأعمال التي تمت في بلاد ما وراء البحر"Histonia reum in partibus transmarinis gestarum، والكتاب يتضمن معلومات مفيدة عن مصر وأحوالها الداخلية في أواخر العصر الفاطمي، وكذلك ط عن تجارتها في البحر الأحمر مع بلاد الهند"."

ولا يفوتنا أخيرا أن نشير إلى المؤرخ الفرنسي دي جوانفيلDe joinville (القرن 7 هـ/13 م) ، الذي، صحب الملك لويس التاسع في حملته على مصر. وأسر معه فيها ، وكتب عنه كتابا بعنوان، القديس لويس"وأورد فيه معلومات هامة عن مصر والمماليك."

وهكذا نر ى مما تقدم أن الحروب الصليبية، وإن كانت قد سفكت فيها دماء غزيرة، إلا أن هذه التضحيات قد قابلها تعويض في هذا اللقاء الحضاري بين الشرق والغرب، إذ انمحت الصورة القديمة التي كانت في مخيلة الصليبيين عن المسلمين، فلم يعودوا يرونهم جنودا جبناء، أو قساة غلاظ القلوب أو كفرة عباد أوثان، بل شهدوا من حضارتهم الراقية وشجاعتهم في القتال وورعهم في الصلاة، وسماحتهم في معاملة أهل الأديان الأخرى، ما أطلق ألسنتهم بالإعجاب والتقدير. وقد صدق المؤرخ الإنجليزي هرنشو Heamshaw حينما عبر عن هذا الإعجاب بقوله:"فكما أن بلعام خرج ليدعو على بني إسرائيل، فإذا به يدعو لهم، فكذلك الصليبيون خرجوا من ديارهم لقتال السلمين، فإذا هم جلوس عند أقدامهم يأخذون عنهم أفانين العلم والمعرفة. لقد بهت أشباه، الهمج من مقاتلة الصليبيين عندما رأوا المسلمين على حضارة دنيوية ترجح وحضارتهم رجحانا لا تصح معه المقارنة بينهما".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت