فهرس الكتاب

الصفحة 421 من 1942

أما من الناحية الاقتصادية، فنجد أن الصليبيين، استفادوا من المشرق الإسلامي استفادة كبيرة لدرجة أن بعض المؤرخين اعتبر الحركة الصليبية حروبا اقتصادية. ففي ميدان الزراعة نقل الصليبيون عن المسلمين إلى أوروبا، زراعة بعض أنواع النباتات والثمار والفواكه الني لم يعرفوها من قبل وسموها بأسمائها العربية مثل السكر والأزر والليمون والقطن و لسمسم.. الخ.

وفي ميدان الصناعة، عرفوا كثيرا من المصنوعات الإسلامية ونقلوها إلى بلادهم مثل المنسوجات الحريرية الموشاة التي اشتهرت بها الشام وتعرف باسم البروكار Brocare ، والأقمشة القطنية التي كانت تصنع بدمشق سيميت باسمها"الدمشقيات Damask"وأقمشة الموصل، Musilin ومنسوجات العتابية في بغداد"Taois"، هذا إلى جانب صناعة الورق والصابون والخزف والزجاج والحلي والعقاقير... الخ.

أما التحارة ، فقد انتعشت بين الشرق والغرب بشكل لم يعرف من قبل. فكانت قوافل المسلمين ترد إلى الموانىء الصليبية على ساحل الشاام نحمل سلع الشرق كاللؤلؤ والأحجار الكريمة والعاج والعطور والبهار (SPICES) ، وكان على تجار المسلمين عند دخولهم ولقد أثار هذا الاستعمار الصليبي البغيض غضب المسلمين وأيقظهم من غفوتهم، فقاموا بزعامة قادة مخلصين منهم لرد هذا العدوان، ودخلوا مع الصليبيين في صراع طويل استغرق ما يزيد على المائتي عام حتى تمكنوا من طردهم من ديارهم.

كانت بداية الصحوة الإسلامية على يد القائد التركي عماد الدين زنكي صاحب الموصل وحلب الذي حرر الرها من براثنهم سنة 538 هـ/ 1144م وفتح الطريق بين شمال العراق والشام. ثم جاء ابنه نور الدين محمود صاحب حلب (ت 569 هـ/1174 م) فعمل على توحيد الجبهة الإسلامية بضم دمشق ومصر في وحدة شامية- مصرية، أحاطت بمملكة بيت المقدس من الشمال والجنوب تمهيدا للقضاء عليها. وأخيرا يأتي القائد ومتمم الرسالة الملك الناصر يوسف صلاح الدين (565 هـ/589 هـ/- 169 1- 1193 م ) فيحقق هذا الهدف المنشود بالانتصار على الصليبيين في حطين (583 هـ/187 1 م) ودخول ، بيت المقدس في ليلة الإسراء والمعراج 27 (-جب من نفس السنة. ولم يحاول صلاح الدين التمثيل بأعدائه كما فعلو (هم من قبل بالمسلمين وقت دخلوهم المدينة، بل اكتفى بإعادة المساجد التي حولت إلى كنائس ولا سيما المسجد الأقصى، كما سمح لهم بمغادرة المدينة بأموالهم وأمتعتهم ، وسمح لنصارى المشرق بالبقاء مع المسلمين. وكل هذا يدل على أن صلاح الدين لم يحارب الديانة المسيحية بل حارب السياسة الأوروبية الاستعمارية. لقد كان صلاح الدين ينشد تحقيق السلام الذي عبر عنه في إحدى رسائله لأخيه تورا نشاه باليمن بقوله:"إن بلاد الشام، لا تسمع فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما". ولكن الاستعمار الأوروبي لم يشأ أن يحقق له هذا السلام الذي ينشده بسبب الانتصارات ، التي أحرزها على الصليبيين، فجاؤوه هذه المرة بقضهم وقضيضهم، بجيوشهم وأساطيلهم. يقودهم كبار ملوكهم أمثال فردريك بربروسا امبراطور ألمانيا، وريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا، وفيليب أوجست ملك فرنسا، فاستولوا على سواحل الشام بغية الوصول منها إلى بيت المقدس.

لقد دامت هذه الحملة المعروفة بالصليبية الثالثة مدة ثلاث سنوات (585- 588 هـ/189 1- 1193 م) ، ولكنها انتهت بالفشل الذريع بعد غم سق الامبراطور الألماني، وعودة الملك الفرنسي، وفشل الملك الإنجليزي في استعادة بيت المقدس وعودته إلى بلاده خائب السعي بعد عقد صلح الرملة مع صلاح الدين.

ثم رأى المستعمر الصليبي ، بعد فشل خطوط سير حملاته عن طريق آسيا الصغرى والشام ، ضرورة تغيير اتجاهها نحو مصر أولا ثم الوصول منها إلى بيت المقدس، اعتقادا منه بأن مصربقوتها ومواردها هي السبب في فشل مشار يعه الصليبية وأنه لا بد من حرمان الجبهة الإسلامية من هذه القاعدة الهامة،"فمن يريد قتل الثعبان فليحطم رأسه أولًا".

وهكذا تحولت الحملات الصليبية إلى مصر بقيادة جان دي بريين Jean de Brienne (سنة 615 هـ بر 1318 م) ، ملك بيت المقدس،ثم بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا (647 هـ/1246 م) . ولكن الحملتين منيتا بالفشل الذريع بفضل المقاومة الإسلامية من ناحية، وبسبب جهل الصليبيين بجغرافية البلاد المصرية من ناحية أخرى ، إذ كان عليهم عبور النيل بفروعه وقنواته المتعددة وقت فيضانه فحاصرتهم مياهه، وعاقتهم أوحاله، فتساقطوا صرعى وأسرى، وفي مقدمتهم ملكهم القديس لويس الذي وقع في الأسر أيضا، فكان النيل مقبرة للغزاة.

وبعد انتهاء دولة الأيوبيين، واصل خلفاؤهم سلاطين المماليك جهاد الصليبيين: فالسلطان الظاهر بيبرس (658- 676 هـ/ 0 26 1- 277 1 م) استولى على عدد كبير من قلاعهم ومدنهم مثل يافا وقيسارية في الجنوب، وأنطاكية في الشمال وتبعه السلطان المنصور قلاوون 6781- 689 هـ/ !37 1- 0 29 1 م) فاستولى على اللاذقية وطرابلس. ثم جاء بعده ابنه الأشرف خليل (689- 693 هـ/ 0 139- 1293 م) ليقضي على الإمارة الباقية من دولتهم في الشام وهي عكا (سنة 0 69 هـ/1291 م) .

ولم يكتف المسلمون بطرد الصليبيين من الشام بل تعقبوا فلولهم في جزر البحر المتوسط، فاستولى، السلطان التاصرمحمد بن قلاوون على!جزيرة أرواد (سنة 3 70 هـ/2 130 م) ، كما استولى السلطان الأشرف برسباي على جزيرة قبرص (سنة 839 هـ/ 1436 م) . هذا إلى جانب الحملات البحرية التي شنها السلطان سيف الدين جقمق على جزيرة رودس وغيرها في شرق حوض البحر المتوسط (843-847 هـ/1440-1444 م) .

تلك الموانىء أن يدفعوا ضريبة على بضائعهم مقدارها قيراط على كل سلعة ثمنها دينار واحد (الدينار 34 قيراطًا) . وكانوا يعاملون في تلك الموانىء معاملة طيبة، ولهم فيها خانات أو فنادق ينزلون فيها ببضائعهم ودوابهم. ومن الطريف في هذا الصدد، أن حركة التجارة بين الجانبين ظلت مستمرة ولم تتوقف حتى في أوقات الحروب بينهم، وقد نص على ذلك الرحالة المعاصر. ابن جبير عند قوله"ختلاف القوافل من مصر إلى دمشق على بلاد الفرنج غير منقطع، وأهل الحرب مشتغلون في حربهم، أما الرعايا والتجار فالأمن لا يفارقهم في جميع الأحول سلمًا أو حربًا".

وكان من نتائج ازدياد النشاط التجاري بين الشرق والغرب، أن ظهرت المدن التجارية في أنحاء أوروبا ، وهي ظاهرة جديدة أدت إلى اجتذاب الفلاحين إلى المدن وانهيار النظام الإقطاعي.. كذلك ظهر نظام المصارف في تلك المدن التجارية، وكثيرًا ما عاونت هذه البنوك الطبقات الحاكمة بالقروض المالية وتحالفت معها ضد رجال الإقطاع. وقد نتج عن هذه المعاملات المالية إصدار صرف يعرف بالصك أو الشيك وكذلك ، السفاتج جمع بستاجة بمعنى الحوالة، وهي أنظمة مشرقية الأصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت