ويقول أيضا:"فائدتان: الأولى: قال العز بن جماعة: ومما يشكل ويحتاج إليه معرفة التفرقة بين علم التاريخ وعلم الطبقات ومعرفة الافتراق بين موضوعهما وغايتهما، قال: والحق عندي انهما بحسب الذات يرجعان إلى شيء واحد وبحسب الاعتبار يتحقق ما بينهما للتغاير، قلت - أي السخاوي-: بينهما عموم وخصوص وجهي، فيجتمعان في التعريف بالرواة وينفرد التاريخ بالحوادث والطبقات".14
واضح من هذا الكلام التسليم بأن علم الطبقات من التاريخ، ومعلوم أن علم الطبقات من فنون الحديث بإجماع.
وفي المقابل نرى بعض الباحثين لا يعترف بكيان لعلم التاريخ أصلا عند المسلمين، ويقرر"أن التاريخ فاعلية تنتج معرفة توظف في أطر شتى من حديث وفقه وتفسير وتصوف ووعظ، ولكنها معرفة تنتج من أصول ليست خاصة بهذه الفاعلية فأصول التاريخ ليست من التاريخ بل هي من خارجه فهي من مفهوم الخبر".15
ويبدوا أن مثل أولئك الباحثين يظنون التاريخ عند المسلمين مجرد قصص من أمثال ما في"ألف ليلة وليلة"أو"الأغاني"أو ما احتطبه الرواة بليل في ثنايا كتب التاريخ، وأن العلوم الأخرى ما كانت تصنع شيئا إلى انتقاء ما طاب لها من أخبار تناسبها، كما يبدو أيضا أن أولئك الباحثين يصدرون في الحقيقة من منطلقات معرفية وحضارية معاصرة ولا أقول حديثة يحاكمون بها مناهج علمية نشأت ونمت منذ أكثر من ألف عام.
ومثل أولئك الباحثين حينما يتغنون بأمجاد العلوم الإنسانية وعبقريتها فإنهم يغضون الطرف عن فضائح القوم التي وقع فيها أساطينهم مثل"هيرقليطس"الذي كان يعتقد أن غروب الشمس هو انطفاؤها في الماء وأنها تتجدد كل يوم16 أو كاعتقاد"أرسطو"المعلم الأول أن أسنان المرأة أقل من الرجل17 وكان يُعتذر دوما بأن هذا لا يقدح في مجموع مناهجهم وأنه يجب أن يُنظر إليه في ضوء إمكانياتهم وما يناسب عصورهم.18 وفي المقابل فإن هؤلاء عند تناول الحضارة الإسلامية يُعمِلون مِبْضَع الجراح الحاد،ّ ويضعون كل جزئية تحت مجهر ثم يفسرون من منطلقات حضارية مغايرة متهمين المسلمين بما شاءوا من أوصاف.19
والثابت أن تصنيف العلوم عند العرب والمسلمين الأوائل من واضعي العلوم ومؤصليها لم يأخذ حيزا كبيرا من اهتماماتهم شأنهم في ذلك شأن اليونان أنفسهم في بداية نشأت الفلسفة بل عند أفلاطون وأرسطو وهما أول من فصل الكلام في تصنيف العلوم ،كان التصنيف عندهم يناسب عصورهم فلا غزو أن يعتبروا الفلسفة بوتقة العلوم كلها، وأن يسوغوا للفيزيقي أن يتداخل مع الميتافيزيقي مع أن علماء المناهج يعتبرون ذلك مرحلة بدائية من مراحل تطور العلوم.20
وكان حال العرب والمسلمون أحسن بكثير في هذا المضمار ، إذ كان للعلوم الشرعية التي نشأت في الصدر الأول دور كبير في عملية التصنيف التي جرت تلقائيا لتسارع التراكم المعرفي والتطور العلمي الذي شهدته الحضارة الإسلامية في كل فروع المعارف والعلوم.
ولقد كان المحدثون موضوعيون لحد بعيد حينما اعتبروا التاريخ علمهم هم وحيزهم الذي لا يجوز لأحد أن ينازعهم فيه لأنهم هم الذين وضعوا مناهج البحث فيه بل هم الذين أرخوا وجمعوا مادة التاريخ لغيرهم.
ولقد أشار مرغليوث في دراساته عن المؤرخين العرب21 إلى أن علم التاريخ اصطلح على تسميته خبرا ، وأن المؤرخ وهو الإخباري22 صار شيئا غير المحدث ويضيف استنتاجا من عنده أن الإخباري كان أقل رتبة من المحدث.
كما يعالج روزنتال مصطلح الخبر ويؤرخ لتداوله قائلا:"تقديم لنا سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم عناصر لأقدم وثائق الخبر الثابتة المقررة".23
لكننا نأخذ الخيط من روزنتال ونشير إلى أن مصطلح الخبر مصطلح حديثي محض24،والتفريق بين الخبر والأثر والحديث بحث اصطلحي متداول في علم الحديث، وهذا يرغم كل من أراد أن يعتبر مصطلح"الخبر"أول صورة ساذجة للتاريخ أن يعتبر علم الحديث هو المهد الذي ترعرع فيه علم التاريخ.
كما أن نزول مرتبة الإخباري عن المحدث أو تميزه عنه ليس منشؤه تصنيفه العلوم ولكن سببه أن الإخباري كان قليل كان قليل الاعتداد بالإسناد في رواية الأخبار، ولم تنصرف همته لجمع حديث الرسول صلى الله عليه وسلم بقدر جمع أخبار الأمم فحصل التمييز لهذا الاختلاف في المنهج وهو تمييز وجيه25.
وفي الحقيقة فإن أي باحث لا يستطيع أن يفر من هذه الحقيقة، وهي أن علم التاريخ صنيعة علم الحديث، وروزنتال بعد تطواف يقرر أن علم التاريخ، ولكن هذه المقاييس أغفلت كثيرا في بحوث التاريخية الحديثة26.
لم يكن التاريخ في الحقيقة إلا ميدانا من ميادين علم الحديث، ولم يكن منهج النقد فيه إلا منهج نقد المحدثين نفسه، ولم يكن مشاهير المؤرخين غالبا إلا رواة الحديث ونقاده.
إنها الحقيقة التي آن الأوان للاعتراف بها وإن سخط الساخطون ومارى المتمارون، فليس من المعقول أن تكون مادة التاريخ الإسلامي مأخوذة من التواريخ التي جمعها المحدثون ثم نتحدث عنهم بصفة المؤرخين ، موهمين من لا تمييز له أن هناك طائفة أخرى كبيرة غير المحدثين هي التي جعلت لنا تاريخنا، وليس من المعقول أن نقول عن الخطيب البغدادي وابن عساكر وابن الجوزي والذهبي وابن كثير وابن حجر إنهم مجرد مؤرخين، بينما الحقيقة التاريخية تنطق بوضوح أنهم علامات مضيئة في علم الحديث بل من بناة منهج النقد عند المحدثين. كما أنه ليس من المعقول أن نصطنع مناهج للنقد التاريخي من غير منهج المحدثين، في الوقت الذي لا يوجد في التاريخ الإسلامي منهج للنقد إلا منهج المحدثين، وبات واضحا- إذا كان الأمر كذلك- أن منهج النقد التاريخي الذي يصلح أن نباهي به العالمين بل ونزري به المنهج الأوروبي في نقد التاريخ هو منهج النقد عند المحدثين.
فن الاتصال والحضارة الإسلامية
د/علاء إسماعيل الحمزاوي
فن الاتصال
تقاس أعمار الأمم، وتعرف حضاراتها بما أنجزته من إبداعات ومبتكرات وبما فيها من علماء ومبدعين في مختلف العلوم وألوان المعرفة، وكل ما تنتجه الأمة إنما ينتقل من عصر إلى عصر ومن جيل إلى جيل عبر الاتصال، بل إن الاتصال كان وسيلة الرسل والأنبياء في تبليغ دعواتهم إلى الأمم.
ومن هنا تأتي أهمية الاتصال، وهو نوعان: شفهي عن طريق الإلقاء ومكتوب (تحريري) ، وكلاهما مهم نال شرفا إلهيا، فعن الأول قال تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) وقال: (وما على الرسول إلا البلاغ) ، وعن الثاني قال تعالى: (اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم) ، حيث أضاف تعليم الكتابة إلى نفسه، وامتنّ به على عباده، وفي ذلك شرف لهم.
والاتصال يتطلب من صاحبه (كاتب أو متحدث) أن يكون على درجة عالية بالمهارات اللغوية والأسلوبية وقواعد اللغة العربية؛ ولذا عُرّف التحرير بأنه فن الكتابة الصحيحة التي تعبر بصورة مباشرة عن المعنى المراد.
والمعرفة باللغة الأم والاعتزاز بها واجب ديني وقومي، لأنه مظهر من مظاهر الانتماء للوطن، لاسيما إذا كانت اللغة وسيلة للعبادة، فهي لغة القرآن وباقية ببقائه، ولقد رأينا مدى اعتزاز الغرب بلغاتهم (المجتمع الفرنسي والمجتمع الألماني) .