فهرس الكتاب

الصفحة 660 من 1942

وقد أتى بسبْق حقيقي في إثبات أن ما نزعم أنه منهج النقد من خلال كتب المصطلح إن هو إلا نتيجة منهج النقد عند المحدثين، وليس هو منهج النقد نفسه، فدراسة الإسناد تبدأ بالبحث في أحوال الرجال وما قيل فيهم، وهذه البداية التي يبدأ بها الباحث الآن كانت نهاية بحث المتقدمين، فكون الرجل ضعيفا ليس هو ما بدأ به المحدثون القدامى، بل كانت نتيجة منهج في نقد هذا الرجل.

ويرى الأستاذ الأعظمي أن منهج النقد عند المحدثين يقوم أساسا على المعارضة بين مرويات الراوي ومرويات الثقاة، وقد تعرّض في كتابه:"منهج النقد عند المحدثين"إلى هذه القضية وإلى قضية النقد العقلي فأثبتها - مترددا - ووازن بين منهج المحدثين والمنهج الأوروبي في النقد التاريخي وتناول بعض الجهود الاستشراق في نقد الحديث وبَيَّن قيمتها العلمية من خلال دراسة منهجية متعمقة ، لكن عرضه لم يكن مستقصيا لأمرين:

الأول: تفاصيل أسلوب المحدثين في المنهج النقدي.

الثاني: منهج المحدثين في توثيق الرواية منذ نشأتها.

فخلا البحث في عمق التاريخ الزماني للمنهج ومن عمق تفاصيله الدقيقة، لكنه يعد - بحق - أول محاولة جادة لعرض المنهج العلمي للنقد عند المحدثين من خلال جانب تطبيقي وهو علم العلل.

ولاحظتُ أن من تكلم في منهج النقد عند المحدثين لم يعرض فلسفة المنهج - إن جاز التعبير - ومقوماته وروحه، بحيث إن من أراد مدارسة منهج النقد عند المحدثين قد لا يفهم العلل الأولى لخطواته ومراحله.

كما أن هناك مُفارَقة سجَّلها أحد الباحثين في قضية المناهج وهي مفارقة"فصل المقال في المنهج عن المقال في العلم"، وهي مفارقة يقوم عليها - أردنا أم لم نرد - كلُّ مُؤَلَّفٍ يحمل عنوان:"مناهج البحث العلمي".3

والملاحظ الذي يجب أن نسجله هنا أيضا أن جهود الباحثين لم تنصب في عرض منهج النقد عند المحدثين على صورة نظريات علمية حديثة بحيث تتقبلها الأوساط العلمية التي جهلت اصطلاح المتقدمين فأنكرت علومهم ومناهجهم، والإنسان عَدُوُّ ما يجهله كما يقولون.

وقد تطور منهج النقد عند المحدثين عبر آلاف المؤلفات في الاصطلاح والجرح والتعديل والعلل، مع آلاف من المصنفات في التطبيقات ككتب الرواية والتخريج ونحوها، بيد أن هذا التطور ظل حبيس المصطلح القديم وبالتالي حبيس المعاهد التي ما فتئت تحافظ على تقاليد المصطلح القديم كأنها نصوص مقدسة لا يجوز تجاوزها.

فما الذي يحول دون إعادة عرض منهج المحدثين في النقد مع تلافي أوجه القصور السالفة التي تعرضنا لها؟! قد تكون محاولة جديدة ليس غير، تسْري عليها كل مُسَوِّغات النقد والذم والعيب، لكنها ستظل محاولة جديرة بالإقدام حرية أن يجترأ على امتحانها.

علم الحديث وعلم التاريخ

إن التاريخ كعلم مستقل لم يحظ بالاعتراف التام إلا في الأزمنة الحديثة جدا كما يقول روزنتال، واعتبر أن تصنيف العلوم عند الإغريق والمسلمين وعند الأوروبيين في العصور الوسطى يشترك في اتجاه واحد هو: عدم استقلالية علم التاريخ.

ويرى أيضا أن عدم استقلالية علم التاريخ عند العرب منشؤه اعتمادهم على تصنيف العلوم في العصر الهلليني والذي لم يحط للتاريخ مكانا خاصا، فسرت هذه النظرة إلى العرب من هذا الاقتباس.

لكن أدنى تأمل لمنهج تصنيف العلوم عند الحضارتين اليونانية والإسلامية سيعطينا نتيجة حاسمة: أن التأثر لم يحدث.

إن الحضارة اليونانية تصنف التاريخ في زمرة المعارف الإنسانية، وهو يندرج - بحكم تصنيف الكثير من فلاسفتهم - تحت إطار الفلسفة العام الذي استوعب كل العلوم في تلك العصور.4

أما في الحضارة الإسلامية فإن التاريخ علم نشأ في محيط حملة الشرع من المحدثين والفقهاء الذين كانوا في عداء صارم مع الزحف الفلسفي اليوناني على المحيط الإسلامي.

لقد استعرض روزنتال تاريخ تصنيف العلوم منذ الكندي ومرورا بابن سينا وابن عبد البر وابن بدرون وابن الأكفاني والذهبي ورسائل إخوان الصفا وانتهاء بابن خلدون، واستنتج أن كل هؤلاء بما فيهم ابن خلدون لم يشيروا إلى استقلال علم التاريخ لأن كتبهم لم تدخل صنعة التاريخ من ضمن المنتجات العقلية المستقلة.5

لكنه يرصد كتابا للآملي، ويشيد بكتاب الكافيجي والسخاوي باعتبار عصرهم هو بداية ظهور التاريخ كعلم مستقل.

والغريب أن روزنتال على تبحره في التراث العربي وتعمقه في تحليل النصوص يرصد هذا النمو المفاجئ وغير المنتظر على - حد تعبيره -لعلم التاريخ اعتمادا على أن الآملي أطلق على التاريخ:"علم التواريخ والسير"، وأن السخاوي سمى كتابه:"الإعلان بالتوبيخ لمن ذمه التاريخ"، وأن الكافيجي صنف كتابا سماه:"المختصر في علم التاريخ".

والصحيح الثابت أن علم التاريخ باعتباراته الفنية وأبعاده المعرفية الحديثة لم يكن موجودا ، لكن باعتباره العام الذي اعتبره المسلمون أنفسهم أو يعتبره مطلق مصطلح التاريخ فقد وجد مبكرا جدا لكنه لم يَتَسَمَّ نصا بعلم التاريخ، بل كان منضويا في علم الحديث. وكان المؤرخون في الحقيقة هم علماء الحديث.

يقول مرغليوث:"تفرعت دراسة التاريخ … من دراسة الحديث … ثم صار التاريخ فرعا متميزا تدريجيا وصار الإخباري غير المحدث".6 وهذا التميز الذي ادعاه مرغليوث لا يختلف عما توهمه روزنتال، والثابت أن علم التاريخ لم يجد ملاذا تحته إلا ملاذ المحدثين ومنهجهم.

فالكافيجي والسخاوي -الذي ترجم وحقق كتابهما روزنتال7 يقرران بوضوح أن صفات المؤرخ التي يجب أن تتوافر فيه هي نفس صفات المحدث.8

يقول السخاوي:"شروط المؤرخ. وأما شرط المعتبر به -أي بالتاريخ- فالعدالة مع الضبط التام الناشئ عن مزيد الإتقان والتحري، سيما فيما يراه في كلام كثير من جهلة المعتنين بسير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقد قال الخطيب في جامعه: ويجمعون"أي أهل الحديث أيضا ما روي عن سلف المسلمين من أخبار الأمم المتقدمين وأقاصيص الأنباء وسيرهم"والذي نستحبه ألا يتعرض لجمع شيء من ذلك إلا بعد الفراغ من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.9"

وهذا النص الجلي من كلام الخطيب البغدادي"الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع"وهو من علماء القرن الخامس الهجري، والسخاوي وهو من علماء القرن التاسع الهجري، دليل على أن علم التاريخ وعلم الحديث كانا شأنا واحدا يتناوله المحدث.

لقد كان التاريخ شأنا"حديثيا"محضا لا يقوم به إلا مشاهير المحدثين، وبمطالعة عابرة - غير متكلفة ولا استثنائية - لقائمة أعلام المؤرخين التي استعرضها المستشرقون أمثال مرغليوث في"دراساته عن المؤرخين العرب"وروزنتال في"علم التاريخ عند المسلمين"ثم الباحثون المسلمون أمثال حسين نصار10 ومحمد عبد الغني حسن11 وشاكر مصطفى12 سنجد أن معظمهم - أي المؤرخين - إن لم يكن كلهم محدثون جهابذة ، بل إن العلامات المضيئة في تاريخ المؤرخين المسلمين لم تكن سوى نماذج واضحة لأئمة الحديث في تلك العصور مثل محمد بن إسحاق والطبري والخطيب البغدادي وابن عساكر وابن الجوزي والذهبي وابن حجر والسخاوي.

ويقول السخاوي في الإعلان - أيضا -:"وكان مما قلته في مقدمة"التبر": علم التاريخ من فنون الحديث النبوي وزين تقربه العيون… إلى أن قال: وبهذا صرح غير واحد من علماء المذاهب أولي الأمانات بأنه من فروض الكفايات"13.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت