كما تألق في حواره مع الآخر الغربي، تاركًا في جعبة وجدانه أسئلة كبيرة تنتظر الجواب ، ومهما تأخر الجواب فالدكتور شوقي ليس على عجلة من أمره ويمكنه الانتظار!
"الإسلام نهر يبحث عن مجرى":
عنوان معبر جميل ،لكتاب صغير كبير.. يستهله د.شوقي أبوخليل بقلم المؤرخ والمفكر والأديب ، فيرسم هذا المنظور العلوي لتاريخ الحضارة الإسلامية:
"رأيت الإسلام نهرا منبعه ( حراء) ، ومعينه (اقرأ) ، ومنهله رحمة للإنسانية ، وقطراته ومياهه لأولي الألباب الذين يتفكرون ويعقلون، ومجراه شعب اختاره الله لحمل الإسلام للناس كافة .."
نبع منطلقه (حراء) ، انسابت فروعه وسواقيه إلى الصين وإفريقية وأوربةأيام الفتوح في العصر الأموي ، فأينعت غراس ضفتيه الخصيبت ين الخيرتين ثمار نهضة علمية، وحضارة إنسانية..
علمني التاريخ ان المعين غزير متدفق، فالإسلام نهر خالد لن يجف مجراه..
ونظرت إلى واقع الم دنية الغرب اليوم ، فرأيتها مجرى جف ماؤه، يبحث عن مياه نهر صاف يرفده ، ورأيت في الوقت ذاته الإسلام نهر يبحث عن مجرى.."."
الإثراءات التي أضافها إلى الفكر الإسلامي:
1-ابتكار فكرة الأطلس القرآني ، وأطلس السيرة النبوية والحديث الشريف ، وإثراء أطلس التاريخ العربي الإسلامي.
2-الدفاع عن الحضارة العربية الإسلامية مع الكشف عن خصائصها ومنطلقاتها ، وآثارها في الحياة والتاريخ الإنساني.
3-التجديد الفكري ، ومحاربة التعصب الأعمى للأشخاص ..
4-تصحيح المفاهيم المغلوطة، ومحاربة الخرافات والأفكار المنحرفة الخطيرة، كالاتحاد والحلول ووحدة الوجود.
5-الوزن بميزان الاعتدال للشخصيات المثيرة في التاريخ ،سواء الهدّامة كجرجي زيدان، أو إنصاف الشخصيات التي حيف عليها في تاريخنا العريق مثل القائد العباسي هارون الرشيد."سلسلة في الميزان".
6-الانتقال في معترك الأفكار من مرحلة الدفاع والتبرير إلى الهجوم الواثق المطمئن،وإلى كشف عوار الآخر.
وهاهو يتساءل:"أما آن لنا - نحن المسلمين- أن نترك موقف الدفاع الذي نقفه لرد شبهات الاستشراق وافتراءاته، ونقف موقف الطارح في ساح البحث عيوبهم ومخازيهم؟!".
7-ويبقى الميدان الأثير لرحالة التاريخ هو التاريخ الإسلامي ، حيث هاجر في آفاقه وفي دروبه ،وعاش في ظلاله فقدم لناقراءة جديدة للتاريخ الإسلامي عامة، وللسيرة النبوية خاصة باعتبارها الفترة المعصومة من تاريخنا، وأعظم هجرة له كانت مع الهجرة..
منهج المحدِّثين بين نظرية المنهج وتاريخ العلوم
رضا أحمد صمدي
بسم الله الرحمن الرحيم
يقول الأستاذ محمود شاكر:"إن الغموض إذا أحاط بلفظ"المنهج"أدي إلى خلط كثير في فهم الآداب وفي تفسيرها وفي شرحها ثم في تصوير أحداث العصر وأفكاره ورجالاته وأحواله بوجه عام".1
إن قضية المنهج من أكثر القضايا خصوبة في العصر الحديث، وقد شُيِّد تحت اسمها مدارس ونَعَى على أنقاضها ناعون، وما زالت تحظى قضية المنهج بزَخَمٍ وجدل واسع الأرجاء وفي مختلف العلوم حتى إنها شغلت معاهد علمية عريقة، واستنفذت الكثير من مجهودات الباحثين.
وبينما كانت تتفاعل هذه القضية في أولى حركاتها البدائية في العصر الهلليني - اليوناني - حينما وجدت عند اليونان معالم واضحة لما يسميه الناس اليوم بالمنهج العلمي، كان النتاج الحضاري لحضارات الأنهار القديمة في مصر وبابل والصين والهند وسوريا يحظى بزخمه أيضا لكنها اتهمت -أي تلك الحضارات- بأنها أفرزت نتاجا على غير منهج علمي.
وعندما انتقلت الحضارة الإنسانية نَقْلَتَها الواسعة على أيدي المسلمين كانت قضية المنهج تحتل مكانتها العادية في العقل المسلم، ولم تشتغل الحضارة الإسلامية بإثارة جدال - غير ذي نفع - على قضية المنهج، ربما لأنها كانت حضارة عملية إذا جاز التعبير، فكانت لدى كل العلوم الإسلامية - أعني التي نشأت ونمت في حُجر الحضارة الإسلامية - مناهج واضحة المعالم، لكن لم يُجْلِب أحد من أساطين العلم في ذلك الحين، أو يحدث ضجيجا لأنه وصل إلى منهج أو طريقة بحث، بل كانت الأمور تمضي بشكل عادي، دون صخب أو طنين.2
حتى إذا ما بدأت أوربا نهضتها وشقت طريقها نحو العلم والتحضر، التفتت إلى أهمية رسم طريق واضحة لتحصيل المعرفة، فارتسمت لنهضتها فكرا يقوم على"معيارية المنهج"، أي جعل المنهج العلمي معيارا لقيمة البحث العلمي حتى أضحت هذه المعيارية روحا تسري في كل أوصال النهضة الأوروبية، وصوتا عاليا لم يَعْلُ عليه أي صوت آخر.
ومنذ أن فجر"ديكارت"قنبلة مقالته في المنهج، وارتسم"بيكون"منهجه التجريبي، تسارع خَطْوُ التقدم، وتسابق سَعْيُ التَّمَدُّن فما دخلت أوروبا قرنها الثامن عشر إلا والمنهج العلمي هو دستور كل معهد أو مدرسة تتبنى البحث العلمي.
وليس بِجَافٍ أثرُ هذه المنهجية في مستوى البحث العلمي لدى الغربيين، فالمنهجية أسبغت سربالا بَهِيَّا على أبحاث الغربيين بحيث صارت تختال بين أمم الشرق بحللها التي لم يعهدها الشرقيون بادي الرأي.
وتحت وطأة الانبهار وضغط الرغبة في التقليد وبتأثير قانون اتباع المغلوب للغالب اجْتَرَّتْ المعاهد العلمية في الشرق تلك المناهج العلمية في الغرب وصارت تتباهى بتلك المنهجية المستوردة باعتبارها آخر صيحة من صيحات الحضارة والمدنية.
وقد كان مما تم التباهي به من مناهج الأوروبيين: منهجهم في النقد التاريخي، حيث وَجَدَ صَدَىً واسعًا بين الباحثين المسلمين واحتل مكانة مقدسة في أبحاثهم وأطروحاتهم.
وعندما أصدر"لانجلوا"و"سينيوبوس"كتابهما في النقد التاريخي، غدا منهجهما -الذي أودعاه فيه- ترنيمةَ الباحثين في الجامعات العربية، وكان ذلك حتى أوائل الثلث الأول من القرن العشرين.
ولكن أول صوت علا لينبه إلى سبق المسلمين إلى هذا المنهج كان من الأستاذ"أسد رستم"- وهو باحث نصراني - حيث ألف كتابه"مصطلح التأريخ"الذي ارتسم فيه قواعد المنهج الأوروبي في النقد، لكنه نبه في بعض فصوله إلى جهود أبي"عمرو بن الصلاح"في وضع قواعد للنقد التاريخي عبر مجهوداته في عرض منهج النقد عند المحدثين من خلال كتابه:"علوم الحديث".
وتنبه الأستاذ"حسن عثمان"- وهو من دعاة المنهج الأوروبي في النقد التاريخي - إلى فائدة المصطلحات المحدثين ونوه بها بين ثنايا كتابه:"النقد التاريخي"الذي يمكن اعتباره عرضا جديدا لكتاب"لانجلوا وسينيوبوس".
وفي أوائل السبعين من القرن العشرين أجرى الأستاذ"عثمان موافي"بحثا أكثر استقصاء في الموازنة بين المنهج الأوروبي والمنهج الإسلامي، لكن فصوله كانت قلقة حائرة، فخلط بين منهج المحدثين في نقد السند ومنهج المعتزلة في النقد العقلي للمتن ليُلَفِّقَ ما سماه بالمنهج الإسلامي الذي جمع - في زعمه - بين نقد السند ونقد المتن ليظهره منهجا مشابها وسابقا للمنهج الأوروبي.
وفي تلك الغضون ظهر بحث للأستاذ"نور الدين عتر"يعرض فيه منهج المحدثين في النقد بدون موازنة مع المنهج الأوروبي، لكن بُغْيَتَه - كما صرح هو - هو إظهار علوم الحديث في صورةِ نظريةٍ نقدية متكاملة، لكنه في الواقع لم يصنع شيئا غير إعادة تبويب مصطلح الحديث ثم سماه"منهج النقد في علوم الحديث".
ومن بعده جاء الأستاذ"محمد الأعظمي"وعرض"منهج النقد عند المحدثين"من خلال تحقيق جزء من كتاب"التمييز"للإمام"مسلم بن الحجاج النيسابوري".