محنة المسلم مع حضارة عصره
تقديم بقلم: عمر عبيد حسنة
الحمد لله الذي كرّم الإنسان بالعقل، وزكاه بالعبادة، ومنحه القدرة والإرادة، وفرض عليه التفكير، وجعل من خطاب التكليف ضرورة النظر في السموات والأرض، واكتشاف قوانين التسخير، والسنن التي تحكم الحياة والأحياء، والتعرف على الأسباب لاتباعها، وحسن التعامل معها، وبذلك يكون أهلًا للتمكين في الأرض، وأداة أمانة الاستخلاف الإنساني، وفق منهج الله، وحمل رسالة الشهادة والقيادة.
الحمد لله القائل في كتابه، حكاية عن ذي القرنين: (إنا مكنّا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا ً) ، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، القائل: (لا تزال طائفة من أمتي قائمين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله ) . وبعد:
فهذا كتاب الأمة الحادي والعشرون: (دراسة في البناء الحضاري ـ محنة المسلم مع حضارة عصره ـ ) ، للدكتور محمود محمد سفر، في سلسلة الكتب التي يصدرها مركز البحوث والمعلومات، برئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية، في دولة قطر، مساهمة في تحقيق الوعي الحضاري والتحصين الثقافي، وإعادة بناء الشخصية المسلمة، بعد أن افتقدت الكثير من فعاليتها، ومنهجيتها، وصوابها، وأبعاد تكليفها، ومسؤوليتها في الشهادة والقيادة، وانتهت، إلى صورة محزنة من التدين، بعيدًا عن التبصر بحركة التاريخ، وإدراك سنة التداول الحضاري.
ولعلنا لا نتجاوز الحقيقة كثيرًا إذا قلنا: إن الأمة المسلمة اليوم، تعيش مرحلة (القصعة ) ـ وهي مرحلة الوهن الحضاري بأبعادها كلها ـ التي أخبر عنها الصادق المصدوق بقوله: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها .. قالوا: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: لا، بل أنتم كثير ولكن غثاءٌ كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من قلوب أعدائكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال حب الدنيا وكراهية الموت ) .
فمؤشرات الوهن الحضاري، ومسبباته، كما أشار إليها الحديث: حب الدنيا الذي يعني العب من متعها واللهاث وراء زينتها، واستهلاك أشيائها، والتزاحم على الحقوق. ويمكن تلخيص ذلك كله بالانتهاء إلى مرحلة الاستهلاك وظهور الإنسان الاستهلاكي الذي يتجاوز حقه في الأخذ، ولا يحسّ بواجبه. أما كراهية الموت الذي هو العنصر الآخر للوهن الحضاري، فيعني: انكماش فكرة الاحتساب ، وغياب روح الإيثار والتضحية ، وعدم استشعار الواجب، والقعود عن العمل والإنتاج، والاقتصار على الاستهلاك.
فالوهن الحضاري ، في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم يتلخص ببروز الإنسان المستهلك الذي لا يهمه إلا حقه، وغياب الإنسان المنتج الذي لا يرى إلا واجبه.
وسوف لا يكون أي نهوض أو بناء، إلا بتصويب تلك المعادلة، والخروج من مرحلة (القصعة ) ، ومعالجة الإصابة بالوهن، وذلك إنما يكون بإعادة صياغة الشخصية المسلمة اليوم، والارتفاع بها إلى سوية الإنسان المنتج، وتغييب صورة الإنسان المستهلك عن ضميرها، ومناخها الثقافي، والتركيز على إنسان الواجبات، لا إنسان الحقوق .. إنسان البقاء والخلود بالعمل والإنتاج، لا إنسان الزوال والاستمتاع والاستهلاك، الذي يدرك مدلول قوله تعالى: (أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الدنيا في الآخرة إلا قليل ) (التوبة:38 ) .
ونرى أنه لابد لنا بداية من التفريق بين الموت الحضاري، الذي يعني انقراض الأمم وهلاكها، وبين الوهن الحضاري الذي يعني المرض، أو الوباء الاجتماعي الذي يعتري روح الأمة، فيطفئ فعاليتها، ويقعد بها عن بلوغ أهدافها، وحمل رسالتها. فالمؤشرات الواردة في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، تدل على حلول المرض وليس نزول الموت، لذلك تبقى إمكانية النهوض كامنة ومستمرة، لكن لابد لها من معالجة صحيحة، كما لا بد للأمة ـ في مرحلة الوهن ـ من محرضات، ومنبهات حضارية، تنبعث من داخلها على يد النخبة من أبنائها الشرعيين الذين أخبر الرسول الخاتم عنهم بأنهم الطائفة القائمة على الحق التي لا يضرها من خالفها حتى يأتي أمر الله.
إنها الطائفة المعافاة، التي تشكل خميرة النهوض، ووسيلة التواصل الحضاري، والتي لم تلحقها إصابة الوهن، وليست جزءًا من الاستنقاع والركود الذي لحق عموم الأمة، لكنها النخبة التي تستشعر مرحلة القصعة بآكليها، وموكليها، وتفكر في سبل الخروج ..
وما أشرنا إليه، من أن الوهن الحضاري، مرض قابل للشفاء، وأنه لا يعني بحال من الأحوال الموت الميئوس، يؤكد استقراء التاريخ، وما فيه من أخبار الأمم السائدة والبائدة، وقراءة الواقع الذي نحن عليه، ذلك أن مواثيق الله تعالى لهذه الأمة، صاحبة الرسالة الخالدة ، ومبشرات المعصوم صلى الله عليه وسلم، يؤكدان أن قابلية النهوض كامنة، ودائمة، ومستمرة، إذا أبصرنا شروطه ومقوماته، وتحققنا بأسباب التمكين في الأرض، وأحسنا التعامل مع السنن الجارية. فغلبة الأعداء موقوتة، وتسلطهم علينا ليس تسلك استئصال، وإنما هي عقوبات يوقعها الله علينا بسبب معاصينا السياسية، والثقافية، والفكرية والحضارية، ويبقى لهذه العقوبات دور المنبه الحضاري، والتحدي المستفز، ذلك أن الصعوبات هي في الحقيقة تحدٍ خلاّق، لأنه يستحث الأمة ويستفزها للرد عليه.
ولعل في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي يرويه (ثوبان ) كبير مغزى في هذا المجال: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها، ومغاربها، ) (انظر ما تمتلك الرسالة الخاتمة من رصيد حضاري وتجربة وعبرة، من لدن آدم عليه السلام إلى الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم ) وإن أمتي سيبلغ ملكها مازوي ـ جمع ـ لي منها. وأعطيت الكنزين، الأحمر والأبيض ـ معادن الأرض وثرواتها ـ (وهذا يفسر ما يعج به العالم الإسلامي من الثروات والمعادن والخامات ) وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة ـ قحط شامل ومجاعة مهلكة ـ وألا يسلط عليهم عدوانًا من سوى أنفسهم، (قل هو من عند أنفسكم ) فيستبيح بيضتهم .
وإن ربي قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاءً، فإنه لا يرد! إني أعطيتك لأمتك، ألا أهلكهم بسنة عامة! وألا أسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من أقطارها، أو من بين أقطارها ـ يعني: أهل المعمورة ـ حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا.
والحديث ظاهر في أن مصائبنا من عند أنفسنا، وأن تسلط العدو علينا ليس تسلط استئصال، وأن أخطر الإصابات الحضارية، هي التي تلحق بأنفسنا، وأرواحنا، وأخلاقنا، وبنائنا الداخلي. ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإن علاج الوهن الحضاري إنما يبحث عنه في الداخل الإسلامي، ومن المستحيل في ضوء هدي النبوة، واستقراء التاريخ، وقراءة الواقع، استيراد علاج الوهن من الخارج الإسلامي، فالاستيراد، والاستدعاء الحضري، إنما معالجة للعرض، وليس لسبب المرض، وما نظنه ونتظاهر به من وهم العافية، بسبب الاستيراد، إنما هو إخفاء وتمهيد للمرض، وليس علاجًا له.
ونحب أن نعلن أنه على الرغم من الواقع الذي نعاني منه، والذي أسميناه بالوهن الحضاري، الذي يحكم مرحلة القصعة التي أشرنا إليها، فإننا لسنا مع أصحاب النظرة التشاؤمية والذين وصلوا إلى مرحلة الإعياء.
الذين يرون استحالة اللحاق بقافلة الحضارة، لبعد الشقة وطول المسافة، وعمق الفجوة، فقعدوا عن إعداد العدة (ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ) .
كما أننا ـ في الوقت نفسه ـ لسنا مع أصحاب الأماني ، وأحلام اليقظة (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، من يعمل سوءًا يُجْزَ به ) ، الذين يقضون حياتهم في غرفة الانتظار، ينتظرون سقوط الحضارة لمصلحته من خلال بعض ما يقرأون عن أمراضها دون مكابدة، ومجاهدة، ومجاهدة، وتهيؤ.
ولا مع أولئك الذين يظنون أن الموضوع كله، يمكن أن يحسم بمجرد رفع درجات التوتر الروحي، والتوثب الإيماني السلبي، بعيدًا عن ساحة المجاهدة والابتلاء، ويؤثرون الانسحاب من معركة الحضارة، على الرغم من اعتقادنا أن التوثب الروحي والتوتر الإيماني، هو الشرط الضروري للتحصين، حتى لا يكون السقوط في زخرف الحضارة وزينتها أثناء المعركة والمواجهة، لكننا نرى أنه لابد من النزول إلى الساحة والمواجهة، بالصبر والمصابرة والتعرف على الأسباب الموصلة، وتحري الصواب، مع الإخلاص وطلب التوفيق من الله.
ولا مع أولئك الذين يستغنون بالتنظير والفلسفة البادرة، عن الممارسة والتدريب، واكتساب الخبرة الميدانية، وتحديد مواطن القصور، ودراسة أسباب التقصير.
ولا مع الذين، ينظرون التواصل الحضاري الوارد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي قائمين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله ) برؤية نصفية: من أن القيام على الحق مقتصر على الجانب العبادي الروحي السلبي، دون إدراك أن من مقتضى القيام على الحق، إدراك سنن التسخير، ومعرفة الأسباب التي تنظم الحياة، وحسن التعامل معها. بل إننا نرى أن التفكير والملاحظة، والاختيار، والتجريب، واكتشاف قوانين التسخير، ومعرفة التمكين في الأرض، من لوازم العبادة ومقومات العبودية، والارتفاع إلى مستوى الخطاب الإسلامي الذي نلمحه في آيات القرآن الكريم التي تدعو إلى التفكير، وتؤكد على التسخير.
ولا مع الذين يتقنون فن الجلد، والتوهين لهذه الأمة؛ ولا يميزون بين الجلد والنقد البناء، والمناصحة، ويعجزون عن إثارة دوافع الخير، وعوامل النمو فيها، ويعنيهم البحث في أسباب الفرقة أكثر مما يعنيهم التأكيد على عوامل التوحد،لأنهم ومهما كانت دعاواهم عريضة، يبقون العقبة الحضارية التي لابد من اقتحامها، حسبهم أنهم يعيشون في الخارج الإسلامي بأفكارهم ، ومسالكهم ورؤيتهم في النهوض والإصلاح فأنى لهم أن تقبل شهادتهم الحضارية على هذه الأمة! خاصة والمتأمل في تاريخ هذه الأمة الطويل، يرى أن حركات الانبعاث، والتجديد كلها، إنما جاءت من الداخل الإسلامي.
إن تفاؤلنا بقدرة هذه الأمة على النهوض، والبناء الحضاري، وتجاوز حالة الوهن، والهوان، التي هي عليها اليوم، لا يمثل بالنسبة لنا خيارًا، بقدر ما هو دين وعقيدة، مستمدة من مواثيق الله، ومبشرات الرسول صلى الله عليه وسلم، واستقراء التواصل الحضاري التاريخي لهذه الأمة، واستعصائها على التذويب، والتمويت والإبادة، لأنها تمتلك خميرة البقاء والنهوض، لكن ذلك لم يمنع من وقوعها في الوهن الحضاري، الذي نلمح مظاهره اليوم على أكثر من صعيد.