فهرس الكتاب

الصفحة 1654 من 1942

والادعاء بأن سبب التخلف هو التشبث بالماضي، والافتخار بهن يحمل في طياته الكثير من التجني. وفي اعتقادنا أن الأمة المسلمة اليوم، لو استطاعت أن تتمثل شخصيتها الحضارية التاريخية، وتستوعب إنجاز السلف على مختلف الأصعدة، لأدركت رسالتها، واسشعرت مسؤولياتها، وكان حالها على غير ما هي عليه اليوم، لكننا نرى أن انتسابنا إلى الماضي،، دعوى بلا دليل، بل نستطيع أن نقول: إن الافتخار بإنجاز الأجداد، والهروب إلى ملاجئهم والاحتماء بها، دون القدرة على تعدية الرؤية وصناعة الحضارة، ضرب من التوبيخ لأنفسنا، ولون من الإصابة التي تعني أول ما تعني، أن هذه الأمة أحالت نفسها على التقاعد، وأصبحت تستهويها قصص الماضين والذكريات التي تستردها لتزجية الوقت وشغل أوقات الفراغ، وهي بذلك تقع خارج الزمن بأبعاده الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل، وإنها لو أدركت ماضيها، واستوعبته، وكانت ابنًا شرعيًا له، لصنعت الحاضر، واستشرفت آفاق المستقبل.

من هنا نقول: بأن انتسابنا للماضي مشكوك فيه، إنه لون من الانحياز العاطفي الذي لا يسمن ولا يغني من جوع. فما الفرق بين من يجانب الماضي ومن ينتصر له، إذا كان الإثنان يعيشان خارج الماضي والحاضر والمستقبل؟ ولعل الكثير من معاركنا وصراعاتنا التي نعنون لها بالتراث والمعاصرة، تدور في الحقيقة خارج الماضي، وخارج الحاضر معًا، فلا التراثي استفاد من زاد التراث واستطاع توظيفه بشكل صحيح، ولا المعاصر أدرك مقتضيات العصر وأحسن التعامل معها، إنها معارك (حضارية ) بغير خصومة حقيقية.

ولعل من مظاهر الوهن الحضاري أيضًا الذي تعيشه الأمة: هذا الاضطراب في الموازين، والخلط في الأوراق. فمن أبجديات المنطق الأولى، أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وأن من أبرز سمات العصر الذي نعيشه، تقسيم العمل والتخصص، بل التخصص الدقيق في فروع المعرفة الواحدة، ليكون بعد ذلك الإنجاز والإتقان، ومن ثم الوصول إلى فجائيات الإبداع. أما في أمة الوهن الحضاري، فلا يزال الرجل الملحمة الذي يدعي أنه يفهم بكل شيء هو الشخص المميز. ولا نخشى أن نقول هنا: بأن مثل هذا الادعاء في هذا العصر يعني أن صاحبه لا يفهم في شيء، فكثير من المشتغلين بالقضية العلمية التجريبية يتقحمون ساحة التخصص الشرعي الدقيق، التي لا يبلغها إلا من أفنى عمره في بحثها. وعلى الجانب الآخر نرى بعض المشتغلين بالأمور الشرعية والفقهية يصرون على اقتحام ساحات العلوم التجريبية الدقيقة، التي يقتضي إدراك بعضها، عمر فرد وعلم أفراد، ظنًا منهم أنهم بذلك يحسنون أداء رسالتهم، أو الارتقاء بوسائل دعوتهم، وتحضير الأمة لممارسة دورها الحضاري المفقود.

والحقيقة أن هذا الخلط، لون من الثقافة المغشوشة، والعجز عن تجاوز النزعة الفردية إلى روح الفريق والجماعة والعمل المؤسسي، والإنجاز المشترك، لكل في ميدانه، وبذلك لا تقتصر الإصابة الحضارية على مجال دون سواه، كما أن الارتقاء الحضاري، لا يأتي إلا متكاملًا في الاجتهاد الشرعي والإنجاز العلمي على حد سواء.

وقد يكون من مظاهر الوهن الحضاري، على مستوى الإبداع العلمي والتقني: انعدام دور المثقفين والمفكرين والأدباء، في تصميم الذهنية ورعاية القابلية، وتحضير المناخ، وتشكيل العقلية القادرة على حسن التفكير والارتقاء بالتخصص، واكتشاف قوانين التسخير، والتعرف على الأسباب الموصلة إلى التمكين في الأرض وبناء الحضارة. ونستطيع أن نقول: بأننا نعاني من غياب كامل لما يمكن أن نسميه الأدب العلمي أو الثقافة العلمية، أو الثقافة التقنية، وتكاد تكون المكتبة الإسلامية اليوم، شبه خالية من الدراسات العلمية المتخصصة التي تغري بالبحوث وتسهم بعملية النهوض الحضاري وتشكل دليلًا لها، وقد أصبحت هذه الدراسات اليوم لازمه، بعد أن تجاوزنا إلى حد ما مرحلة مواجهة التبعية وضرورة الفكر التعبوي الذي مرت بها أدبيات الحركة الإسلامية الحديثة.

ومن مظاهر الوهن الحضاري: ما نشاهده اليوم عند الذين يحاولون تحديث مجتمعاتهم، والإفادة من تجارب الأمم الأخرى، من التوهم بأن الحضارة إنما تكون بتكديس المنتجات؛ وكيف انقلبت النتائج عندهم مقدمات، وصارت المقدمات نتائج، فلم يدركوا أن الحضارة هي التي تصنع المنتجات، وليست المنتجات هي التي تصنع حاضرة، وأن الإكثار من استيراد المنتجات الحضارية، والعبّ والاستهلاك منها بدون ضوابط، يساهم بتكريس الوهن، ويقتل الفاعلية ويؤدي إلى الركود والاستنقاع الحضاري. فكثير من المنتجات الحضارية في العالم الآخر، إنما اقتضتها الحاجة والضرورة، وانعدام اليد العاملة، وأهمية اختزال الوقت والجهد، وتوفيرهما ووضعهما في آفاق أخرى، اكثر جدوى في نظرهم؛ بينما نجد تلك المنتجات تزيد عند أمم الوهن الحضاري من مساحة وقت الفراغ، وتفتح على الإنسان سبل غواية الشيطان، وتحلق بالفرد العطالة التي تأتي بالطاقات الفائضة الكثيرة، فيكون وقته عبئا عليه، يورثه الكآبة، والملل، والضياع، والعبث، وما إلى ذلك بحيث نعيش أمراض الحضارة، مضافة إلى أمراضنا، في الوقت الذي لا يمكننا التحقق بمنجزاتها.

وأكبر مثال على ذلك، ما نراه اليوم في بعض بلاد المسلمين، التي استطاعت من خلال إمكاناتها، إحضار منتجات الحضارة كلها، ومع ذلك لم يغن الاستيراد عن إنسانها شيئا، بل لعل هذه المنتجات دفعته إلى لون من العطالة، والاستزادة من الاستهلاك.

ولئن أمكننا استيراد الآلات، والمصانع، والأدوات، لكن لا يمكننا أبدا استيراد البشر. من هنا نرى أنه لابد من التفكير السليم في حل هذه المعادلة.

إن عملية الاستيراد للآلة، والفني، والعامل، سوف يُبقي إنساننا في موقعه، مهما كان التظاهر بغير ذلك. وقد لا نستغرب كثيرًا عندما نرى الإنسان في عالمنا الإسلامي اليوم يجوب محلات بيع الساعات المتعددة، ويدفع الأثمان الباهظة للحصول على ساعة منضبطة، ودقيقة جدًا، وبعد ذلك نجد وقته كله يمضغه الضياع، فلا قيمة له، ولا إنجاز فيه. إنه اكتفى بالساعة الضابطة، عن إدراك قيمة الوقت المنتج، ونسي أنه وضعها في اليد العاطلة! وقد يكون هذا وأمثاله، من المناظر المألوفة كثيرًا في حياتنا. إن السبب كله يكمن في أننا نواجه مشاكلنا بمنطق الأشياء، لا بمنطق الأفكار، ونظن أنها تحل بالاستزادة منها، لذلك نبقى عاجزين عن التصرف في الإمكانات التي نمتلكها، وعن التبصر بها.

يضاف إلى أن لكل أمة معادلتها الاجتماعية، وعمرها الحضاري، وأولوياتها المطلوبة، الأمر الذي لابد أن يؤخذ بالحسبان أثناء عملية الاستيراد لمنتجات الحضارة. ونحن في هذا لا ندعو إلى إلغاء الإفادة من المنتجات الحضارية للأمم الأخرى، لأن ذلك أقرب إلى الاستحالة، وإنما ندعو إلى ترشيد الاستيراد، وتجسير العلاقة بين منتجات الحضارة، ومعادلة الأمة الاجتماعية، ذلك أن مخاطر المنتجات في عالم الاستهلاك، تختلف عن مخاطرها في عالم الإنتاج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت