فهرس الكتاب

الصفحة 1655 من 1942

ومن مظاهر الوهن الحضاري، الذي تعاني منه الأمة المسلة: غياب الحس الديني، أي غياب فكرة الثواب والعقاب، عن أجواء البحث العلمي، حتى وصل الأمر ببعض العقول الكليلة من المسلمين إلى اعتبار هذه البحوث والتخصصات، من علوم الكفار التي تصرف الإنسان عن التعبد إلى الله بطلب العلم الشرعي. لقد سيطر هذا المناخ الثقافي المغشوش على العقل الإسلامي ردحًا من الزمن، حتى فاتنا الركب، ولا تزال رواسب هذا المناخ حاضرة، في نفوس الكثير منا حتى اليوم، على الرغم من المعاناة الشديدة، والمحنة الحضارية التي نعيشها بسبب ذلك. وليس غريبا أن نرى كثيرًا ممن اختاروا طريق العلوم التجريبية من المتدينين أو من الذين استدركوا أمر دينهم بعد الولوج في التخصص، يشعرون بعقدة الذنب الداخلي بسبب اختيارهم، لتوهمهم أن هذا اللون من الاختصاص، لا يقع في دائرة العبادة والفريضة، أو على الأقل هو من نظرهم خارج منطقة الكسب الديني، لذلك نجد بعضهم يتحول عن ممارسة تخصصه، أو ينقطع عنه، ويخلي مكانه للعمل في مجال الدعوة إلى الله، وكأن الكسب العلمي، الذي يؤدي إلى تمكين الأمة، والوصول بها إلى مرحلة الشهادة على الناس وقيادتهم وفق منهج الله ليس من الدعوة!!

ولعل الأغرب من ذلك، أن يعتقد بعضنا، بأن الله جعل الكفار في خدمتنا، لذلك فهم يتولون الصناعة لاستهلاكنا! أما نحن فنتفرغ للعلوم الشرعية، وكأن معرفة الحرفة والصنعة والإنتاج، ليس من العلوم الإسلامية، والتكاليف الشرعية! وما من الأنبياء نبي إلا كانت له حرفة، وهم في موقع الأسوة والقدوة ـ ولا ندري كيف يفهمون قوله تعالى في بيان نعمه على سيدنا داود (( وأَلنَّا له الحديد ) (( أن اعمل سابغات ) (( وقدر في السرد ) (( وعلمناه صنعة لبوس لكم ) ). وكيف يقرأون قصة ذي القرنين في القرآن الذي مكن الله له في الأرض باتباعه للأسباب: (( آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارًا قال آتوني أفرغ عليه قطرا ) ) (الكهف: 96 ) .

ومن مظاهر الوهن الحضاري أيضًا: أن الإصابة لم تقتصر على العلوم التجريبية كما يتوهم بعضهم، وإنما نعتقد أن الإصابة في العلوم التجريبية كانت ثمرة للإصابة في العلوم الشرعية نفسها، التي انتهت إلى لون من التقليد والمحاكاة والشرح تارة والاختصار أخرى، مما عزل هذه العلوم عن حياة الناس، وجعل منها تجريدات ذهنية بعيدة عن الوقع، وأفقدها الكثير من أبعادها الرحبة التي لو وجدت، فلا أن تثمر في مجال العلوم الأخرى، كما كان الحال في فترات التألق الحضاري والثقافي الإسلامي، حيث جاء الإبداع في مختلف المجالات، كما أن التخلف اليوم يعم مختلف المجالات.

ولم يكن نصيب العلوم الاجتماعية بأحسن حالًا من العلوم التجريبية وهي ميدان هام وهام جدًا في عملية الابتعاث الحضاري، فعلوم التاريخ والاجتماع والتربية والنفس والسياسة إلخ، هي من لوازم عملية الدعوة والبلاغ المبين وإعادة صياغة الإنسان وتشكيله، وإلا فكيف ندعو إلى الله ونرقى بالناس ونحن نعيش في عالم نجهل إنسانه ولا نمتلك الوسائل المدروسة لخطابه، والمعرفة الدقيقة لتاريخه ومعتقداته ولا ندرك خصائصه وكينونته البشرية؟! وإذا كان محل التكنولوجيا التي نتكلم عن ضرورة استنباتها، أو استيعابها، والإبداع فيها، هو وسائل الإنسان، فإن محل العلوم الاجتماعية هو الإنسان نفسه، الذي لابد من إعادة بنائه وتشكيله أولًا، حيث لا فائدة لوجود العربة بدون الحصان. وإذا وجد الإنسان السوي، وجدت الحضارة. فالإنسان لا يُستورد. وما الفائدة إذ استوردنا أشياء الإنسان ووسائله، وخسرنا الإنسان نفسه، لذلك نرى أنه لابد من إعادة النسغ الإسلامي للعلوم الاجتماعية، ووصل ما انقطع وتوقف، واستشعار أهمية ذلك ودوره بالقدر نفسه الذي نبحث فيه قضية العلوم التقنية أو يزيد.

وقد تكون المشكلة أن إنسان التخلف لا يبصر إلا أشياء الحضارة، ويصعب عليه إبصار أفكارها.

ونعتقد أن تخلفنا في العلوم الإجتماعية اليوم لا يقل عن تخلفنا في العلوم التقنية، أن لم يكن أخطر، لذلك نرى أنه لابد أن نعود لاستئناف البحث في العلوم الاجتماعية برؤية إسلامية، أو أن نعيد العلوم الاجتماعية إلى إطارها الإسلامي، أي لابد أن تمتد المدرسة الخلدونية، وتستمر، وبذلك وحده نكون قادرين على إدراك قوانين التسخير، وميكانيكية عملها، والتفسير الحضاري لها، وخطورة أهداف ومنطلقات وحكمة تلك العلوم، ودورها الهام في تشكيل ثقافة الإنسان، وتأهيله للنهوض الحضاري من خلال رؤية إسلامية.

ومن مظاهر الوهن الحضاري: الخلط العجيب بين المبادئ والقيم الثابتة التي وردت في الكتاب والسنة وبين البرامج والأوعية الزمنية التي تعني الاجتهاد والنظر البشري في إنزال تلك المبادئ على حياة الناس بما يتوافق مع ظروف كل عصر وبيئة والظن بأن التأثم هو في الخروج على برامج واجتهادات السابقين لما لاءم عصرهم.

إن هذا الخلط العجيب أدى إلى الانغلاق والركود، ووضع حاجزًا نفسيًا أمام العقل المسلم، أقعده عن الإبداع والاجتهاد، لما يوافق عصره، كما حال بينه وبين الإفادة من تجارب الآخرين، في مجال النظم والبرامج. ونعتقد أن الإسلام أرسى القيم والمبادئ والموجهات الأساسية، التي لابد أن تضبط السير، وتحذر من الانحراف والانزلاق. أما إبداع النظم والبرامج، فهو من اختصاص العقل الإنساني، ونعتقد أن من أهم عوامل التخلف، إن لم يكن أهمها، هو هذا الحجر وتلك المحاصرة التي أوقعناها على أنفسنا فحالت بيننا وبين الكسب والتصرف والحركة بما يلائم عصرنا.

ونحب أن نؤكد أننا باستعراضنا لبعض مظاهر الوهن الحضاري، الذي تعيشه أمتنا، إنما أردنا لفت النظر إلى بعض جوانب المحنة التي نعاني منها في الداخل الإسلامي، لأننا نعتقد أن الحس بالمعاناة هو سبب للتأمل في الدواء، والوقوف على عتبة النهوض وأن تحسيس الأمة بالأزمة هو إدخال لها في مرحلة القلق السوي على مصيرها.

فالصعوبات التي تواجه الأمة هي الحقيقة مبشرات، والحس بالصعوبة واستشعار أبعادها مؤشر على الدخول في هم الكفاح، والمواجهة الحضارية، واكتشاف مواطن الخلل، لأن الصعوبات والمحن، دليل الخلل في البناء الاجتماعي، ومن شروط الاستجابة التحدي. والله سبحانه وتعالى يقول: (الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح ) .

وبعد:

فلا شك أن الكتاب الذي نقدمه اليوم، للأخ الدكتور محمود محمد سفر، يمكن أن يعتبر إلى حدٍ بعيد، خطابًا أو دليلًا للنهوض الحضاري، إن صح التعبير، لأن مؤلفه ـ فيما نحسب ـ يعيش هم الأمة المسلمة العام، ويشعر بعمق الأزمة، ويحاول فتح النوافذ في النفق المظلم، لعل ذلك يوفر الجهود، ويبصر بالوجهة الصحيحة. ويمكن أن ندرك أهمية الموضوعات التي يعرض لها الأخ الدكتور محمود ويوليها همه واهتمامه إذا استعرضنا عناوين الكتب والدراسات التي قدمها للمكتبة الحضارية الإسلامية، ومن أهمها: الإقلاع الحضاري، إنتاجية مجتمع، الحضارة تحدٍ، الإعلام موقف، (ثغرة في الطريق المسدود ـ بالمشاركة ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت