فهرس الكتاب

الصفحة 1651 من 1942

والشيخ حسن البنا رائد الحركات الإسلامية المعاصرة ـ رضي الله عنه وأجزل ثوابه ـ لم يقتصر في قوله وعمله على العقائد، والعبادات ـ بالمفهوم الضيِّق ـ بل اهتم بأمور المسلمين كلها فأقام المؤسسات الاقتصادية والمشاريع التعاونية وفتح المدارس والمعاهد وأنشأ المستوصفات والمشافي ودرَّب الشباب على الإخشيشان والكفاح وواجه الظلم بأنواعه والظالمين حتى استشهد برصاصهم..

فما بال أقوام يهتمون اليوم ببعض الجزئيات على حساب المقاصد للشريعة، ولا يولون القدْر نفسه من الاهتمام للتأسي بأفعال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وأعماله وتعامله اليومي مع الناس، وهو سيد البشر جميعًا في أخلاقه وصفاته زكَّاه الله في محكم كتابه: (وإنك لعلى خُلُقٍ عَظيمٍ ) .

واليوم هناك عشرات الملايين من المسلمين الجائعين المرضى الأميين في ديار مصابة بالجدب والقحط والجفاف والأوبئة والحرمان التام، وكلهم من المستضعفين المظلومين على أيدي أولي الأمر من ذوي القربى.. وعلى أيدي الأجانب دولًا وشركات وجمعيات مشبوهة، وهم ينتظرون من إخوانهم العون والإسعاف والمؤاساة

فلماذا يخفف بعضهم من التركيز على العدل الاجتماعي والتكافل الإسلامي ولا يبرزها في دعوته؟

أو يظن هؤلاء الإخوة أن الزاد الروحي يكفي لإطعام هؤلاء الجائعين ؟ إن للجسد حقًا مثلما للنفس حقًا كما علَّمنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. ألا يعلم هؤلاء الإخوة أنهم يتركون، بذلك، هذه الساحة الاجتماعية للأفاكين من الملحدين الذين يهتمون، ظاهرًا، بالفقراء ويعدونهم ـ كذبًاـ بجنة ماركسية مستقبلية إذا ردّدوا كالببغاوات: (إن الدين أفيون الشعوب ) ؛ بل يترك هؤلاء الإخوة الساحة نفسها للأجانب و (الخواجات ) في جمعيات رحمة! وإسعاف وتوزيع أغذية وأدوية، وتأسيس رياض أطفال وثانويات بل وجامعات، وإقامة مستشفيايٍ وعيادات ومآوي عجزة، ونوادٍ اجتماعية وإغداق المساعدات المالية الضخمة في قروض زراعية وهبات وغيرها (5 ) .

ويعترض بعضهم على الدعوة للانخراط في العمل الاجتماعي بحجة أن هذا هو جزء من كل ويقولون: يجب التركيز على قيام الدولة الإسلامية، ومتى حدث ذلك.. تحل هذه المشكلات حلًا عادلًا؛ إلاّ أن العمل لقيام الحكم الإسلامي لا يمنع قيام عمل اجتماعي مواكب ربما أسهم في تسريع قيام هذا الحكم؛ وإلى أن يقوم الحكم الإسلامي في سائر دار الإسلام ماذا يرتئي هؤلاء الإخوة فعله لعشرات ملايين المحرومين ؟ إنهم بالفعل يتركونهم ـ حتى الآن ـ للجمعيات الأجنبية، أما سمعوا بالخواجا (أندرية سابيه ) البلجيكي الذي تبنى (30903 ) من أطفال المسلمين الصوماليين ؟ (6 ) .

ولقد نشرت إحدى الصحف العربية الرصينة (7) أربعة عن هذا الموضوع وذكرت أن البليجيكي (أندرية سابيه ) طالب حكومته بعلاوات عائلية تبلغ (37 مليون دولار ) ، وتقول الصحيفة بالحرف الواحد: والأغرب من هذا كله أن الدولة الأفريقية لم تكذب الموضوع بل وصل الأمر إلى أن أعلنت سفارتها في بروكسل أن ( أندريه سابيه ) سيمنح المواطنة الفخرية، بل وتفكر هذه الدولة الأفريقية صاحبة الأطفال في ترشيح ( أندريه سابيه ) الذي يعمل لحساب شركة بلجيكية ترتبط بعقود في أفريقيا، لجائزة (نوبل ) !! وتختم الجريدة الموضوع بقولها:

(وكل هذه الجهود الجماعية والفردية في تغيير اتجاهات الإفريقيين وتحولهم إلى الأديان والعقائد غير الإسلامية ليست بهدف تحقيق الذات أو إشباع حاجة إنسانية ) .

والطريف أن الجريدة بدأت مقالها هذا بالمقطع التالي:

( المسلمون في أفريقيا يعانون معاناة شديدة، فهناك محاولات كثير ة للضغط على بعض هذه الجماعات الإسلامية في مناطق العوز والجفاف لتغيير اتجاهاتهم الإسلامية، فقد اشتدت أزمة الجوع في أفريقيا وزاد التخلف في مناطق متسعة بدرجة مخيفة لدرجة أن بعض الدول(النيجر) لا تستوعب في مدارسها سوى واحد بالمائة فقط من شبابها الذين وصلوا إلى سن التعليم الثانوي.. وزادت شدة الفقر.. وكل هذا يؤثر على استقلال هذه الجماعات في ممارستها عقائدها بحرية.. وقامت المنظمات الأهلية الغربية والأفراد بما عجزت عنه الأمم المتحدة!!.. وحدثت عملية جلب صغار اللاجئين من أفريقيا إلى الغرب وتعليمهم وتدريبهم ثم عودتهم بعد سنوات إلى مواطنهم الأصلية وهم يحملون في داخلهم علامات ذات صبغة رسمية وتعاقدية مع الغرب ليكونوا دعاة مخلصين ينشرون معلوماتهم المغلوطة وغير الصحيحة عن الإسلام والعرب ).

وتتابع الجريدة: (وفي قلب الريف الانكليزي تتم هذه الممارسات بشكل رسمي الآن فقد تم إنشاء(قرية الأطفال الدولية) في (سيد لسكومب) وتستقبل القرية آلاف الفقراء من الأطفال، بالاتفاق مع ذويهم، والذين لا يقل سنهم عن عشر سنوات ويشترط أن يمكث الأطفال في هذه القرية لمدة عشر سنوات). ثم تضيف الصحيفة: ( وفي الولايات المتحدة يمكن للمواطن أن يشتري طفلًا من أفريقيا، وسعر الطفل يتراوح ما بين ألفي دولار وثلاثة آلاف وخمسمائة دولار حسب العمر، ومصدر هؤلاء الأطفال مؤسسة تدعى مؤسسة(أمل) التي تقوم بشراء الأطفال من المستشفيات أو الملاجىء أو دور التربية في البلاد التي تعاني من المجاعة والفقر ثم تقوم بتصديرهم لبيعهم في العالم الجديد ) انتهى كلام الجريدة.

فما بال أقوام آخرين يوجهون جهودهم المالية، في مؤسساتهم المسلمة، إلى بلاد الغرب: أوروبا وأمريكا، لدعم جاليات مسلمة هناك واكثر هذه الجاليات مكتفية ماديًا وذات دخل كبير (8) ، أليس الأولى الدفاع عن كرامة المسلمين المحرومين وحمايتهم من الغزو الأجنبي في عقر دارهم؛ وتركيز الدعوة والخدمات الاجتماعية على عشرات ملايين المسلمين المرضى والجياع في أفريقيا وآسيا عوضًا عن صرف المال الكثير على اجتماعات ولقاءات وزيارات وحفلات في الخارج يكثر فيها الكلام ويقل بعدها العمل الهادف الدؤوب المبرمج، ولا يستفيد من هذه الأموال المصروفة إلا نفر قليل من المرتزقة الذين يعيشون على الإسلام ولا يعيشونه؟

وما بال قوم آخرين ـ أفرادًا ومؤسسات ـ يدفعون للمستشرقين ـ وجلهم من الصهاينة ـ في ميزانيات إقامة دوائر للدراسات العربية والإسلامية !!! إنهم يستعملون المعلومات المجموعة من هذه الدراسات لمزيد من التخريب والتفتيت المجتمعي وزيادة الانقسامات بين المسلمين، أفرادًا وحكومات، وأكثر دراساتهم عن: الفرق والطوائف والشيع في تاريخ الإسلام !!

أما آن الأوان لتحديد الأولويات في العمل للإسلام ووضع المال والجهد فيما يفيد ويجدي آنيًا ومستقبليا ؟ من المفارقات المؤسفة أن هناك مؤسسات وجمعيات مخلصة تعي هذه البديهيات إلا أنها محدودة الدخل والمال، وهناك مؤسسات وجمعيات قادرة ـ ماليًا ـ إلا أنها،على ما يبدو، لم تستوعب بعد هذه الأولويات..!

(المؤمن كيِّس فطن ) و (لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين ) هكذا علّمنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.. فاللهم اجعل قومنا جميعًا ممن يتحلون بالكياسة والفطانة لكي لا يلدغوا من الجحر نفسه مرات عدّة !

الخاتمة

* التخلف المادي الذي يخيم على المجتمعات المسلمة هو نتيجة طبيعية للتخلف الفكري؛ نحن بحاجة ماسة لإيمان عميق وإخلاص كامل مع وعي وبصيرة، ومتى تيسر ذلك يأتي التخطيط الدقيق والعلم النافع والعمل المستمر.. والتكافل المنشود، حينئذ نكسر طوق التخلف الذي يحيط بنا؛ ولكن.. لن يتغير حالنا.. إلى أن نغير نحن ما بنا: (إنّ اللّه لا يُغيَّرُ ما بقوم حتى يُغيِّروا ما بأنفسهم ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت