فهرس الكتاب

الصفحة 1650 من 1942

ويريدون أن يقتدوا بسنة الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم فلا يجد أكثرهم ـ الآن ـ المال لدفع أجور التداوي المرتفعة، هذا إذا وُجدت مؤسسات التداوي أصلًا في مناطقهم. واسألوا أبناء ريف (موريتانيا ) أو (بنغلادش ) أو (نيجيريا ) أو (الصومال ) أو (تشاد ) .. مثلًا هل يجدون فرصة للتداوي عندما يمرضون ـ وهذا هو حالهم أغلب أيام السنة ـ ؟ اللهم إلاّ إذا لهثوا خلف المراكز التنصيرية، بل الواقع أن المنصِّرين هم الذين يلهثون خلف المحتاجين والمرضى والمعذبين والجائعين والمستضعفين المسحوقين واللاجئين المحرومين لتضميد الجراح وإطعام الجياع وكساء العراة، وإعطاء المحتاج، وإغداق المال بلا حساب.. وهكذا يغمرونهم (بالإحسان ) !!

ومنذ أواسط السبعينيات كان للكنيسة لجان تنسيق تخطط، مع الحكومات الوطنية، الخدمات الطبية في ست دول أفريقية على الأقل، منها (نيجيريا ) ذات الغالبية المسلمة وأكثر دول أفريقيا سكانًا (2 ) .

الضعف البشري

والمرض يجعل الإنسان قلقًا خائفًا لا يتردد في قبول المساعدة من أية يد تمتد إليه واعدة بإقالته من عثرته وشفائه من آلامه الجسدية والنفسية معًا.

ولقد أدرك المنُصرون هذه الحقائق منذ زمن بعيد وأتقنوا هذه اللعبة وتفننوا في استغلال هذا الضعف البشري الظاهر في كثير من ديار المسلمين في آسيا وأفريقيا، وحوَّلوا، عن طريقه، أعدادًا كبيرة من المحرومين المسلمين عن دينهم.

(يذكر تقرير حديث من إندونيسيا أنه خلال العقدين الأخيرين ـ أي خلال عشرين عامًا فقط ـ أنشأت الأقلية النصرانية هناك من المستشفيات ما فاق في عدده مؤسسات الأغلبية الساحقة من المسلمين، حتى إن جمعية الإنجيل الثانية أعلنت عام 1976م عن تنصير 000ر4000 شخص، وتلا ذلك نبأ وكالة(اليونايتد برس) أن 000ر500ر3 (ثلاثة ملايين ونصف مليون) من المسلمين قد تنصروا خلال ثلاث سنوات ) (3 ) .

وألفت النظر هنا إلى الأمر الهام التالي: إذا استطاع المسلم الأمي أن يقاطع مدارس المنصِّرين وفضَّل البقاء جاهلًا على أن يبيع دينه بدنياه، كما حدث لكثير من مسلمي نيجيريا مثلًا؛ وإذا استطاع المسلم الفقير مقاومة إغراء المال والرفاه الذي يؤمنونه له ولعائلته إذا اتَّبع ملتهم،.. فإن المسلم المريض لا يستطيع رفض اليد الرحيمة ـ ظاهرا ً ـ تمتد إليه هؤلاء المنصِّرين لتمسح جراحه وتنهي عذابه.. ثم تحوله لوجهها.! وليس من المنطق والمعقول والعدل أن ننتظر من إنسان أن يرقى بروحه ومشاعره وأفكاره وإيمانه إلى المستوى الإسلامي الرفيع ما لم تتوفر له حاجاته الأساسية من غذاء وكساء وصحة وتعليم وسكن وعمل.

ومن نافلة القول أن أذكر أن المسلم الصحيح القوي يستشعر عزته، كمسلم، أكثر بكثير من المسلم الفقير الضعيف الجائع الذي يشكو من علل كثيرة في جسمه.. هذا إذا افترضنا جدلًا أن المسلم المحروم يستطيع أصلًا الشعور بكل معاني الإسلام السامية؛ وعندما تنتهي آلامه ويشعر بالصحة والقوة يستطيع حينذاك الإحساس العميق بكرامته كإنسان كرّمه الله حين جعله الخليفة في الأرض؛ ومن هنا نرى أن ضعف المجتمعات المسلمة وهوانها على الأعداء راجع أكثره لفقدانها للحصانة الإسلامية روحًا وجسدًا: فالجهل والانحراف والخرافة والإذلال والاستبداد السياسي من جهة، والفقر والمرض والجوع من جهة أخرى .

والتكافل الإسلامي الذي هو أصلًا فرض على الفرد وأولي الأمر، في إطار الأمة، يصبح الآن، أيضًا، ضرورة استراتيجية ـ بلغة العصر ـ وسلاحًا فعَّالًا للدفاع عن عقيدة المسلمين ووجودهم الكريم، ومواجهة المحاولات الخبيثة المستمرة التي يتعرضون لها.

التعامل مع الواقع الأليم

يُضيق كثير من مسلمي العصر مفهوم (العبادات ) فيقصرونه على إقامة الشعائر، أما (المعاملات ) وهي جماع النشاطات الحياتية في هذه الدنيا الفانية،.. فلا ترقى في مستويات اهتمامهم إلي منزلة العبادات مع أنها التطبيق العملي للإيمان الواعي الذي وقر في القلب وصدّقه العمل، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدين المعاملة ) .

العبادات في الإسلام أوسع وأشمل مفهومًا وإطارًا، فكل عمل حسن أريد به وجه الله، هو نوع من العبادة، ولقد ضرب الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم المثل حين فضّل الأخ العامل على أخيه الزاهد الذي لا يفارق المسجد ويعيش عالة على أخيه، حين قال ما معناه: أخوه أعبد أو أتقى منه .

والعدل وتوخّيه والظلم واجتنابه ومكافحته من أسس التعامل الإسلامي: أمرٌ بمعروف ونهي عن منكر، فإذا وُجد المنكر يجب تقويمه باليد أولًا.. فإن لم تكن استطاعة فباللسان.. وإلاّ فبأضعف الإيمان .. بالقلب.

والظلم بأشكاله منكر سواء أكان في فقدان المساواة ـ والناس سواسية كأسنان المشط ـ أو في انعدام الحرية ( ويولد الناس في الأصل أحرارًا كما قال الخليفة العادل عمر رضي الله عنه ) ، أو في تسلط الحكام المستبدين، أو في احتكار السلع والحاجيات الضرورية للناس، أو في امتيازات خاصة بفئة أو طبقة أو لون أو عرق.

يقول الرسول القائد صلى الله عليه وسلم: (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ) والتكافل الإسلامي واجب في إطار الأمة على الفرد وعلى الجماعة، فإذا لم يقم.. فهذا تكذيب بالدين:

(أريت الذي يكذب بالدين. فذلك الذي يدُعُّ اليتيم. ولا يحض على طعام المسكين ) وينذر الله المرائين الذين يؤدون بعض العبادات.. ويفعلون عكس غاياتها في معاملاتهم:

(فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون . الذين هم يراؤون. ويمنعون الماعون )

( الماعون 1-7 ) .

والمؤمن الواعي هو الإنسان المطمئن الذي لا يخاف مكافحة الشرور ويسهم في عمل الخير، يؤدي فروض عبادته لله ويؤدى حق المحرومين المعلوم في ماله:

(إنَّ الإنسان خُلق هلوعًا . إذا مسهُ الشرُّ جزوعًا. وإذا مسه الخير منوعًا. إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون. والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم )

(المعارج: 19 ـ 25 ) .

مواصفات المؤمنين الأتقياء المحسنين معروفة وثوابهم في الآخرة معروف

(إنَّ المتقين في جنات وعيون. آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين. كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون . وبالأسحارِ هُم يستغفرون. وفي أموالهم حق للسائل والمحروم ) (الذاريات:15 ـ19 ) .والله يحب عياله من الخلق، بقدر محبتهم ومنفعتهم لبعضهم بعضا، قال عليه الصلاة والسلام:

(الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إليه أنفعهم لعياله ) ، لذا إذا افتُقد التكافل الإسلامي في بيئته أو مجتمع أو حي أو عَرضَةٍ فإن هذا (خروج ) من الإيمان، إلى درجة أن المسؤولين عنه تبرأ منهم ذمة الله، كما أسلفت:

(والله لا يؤمن من بات شبعان وجاره جائع ـ وهو يدري ـ ) . ( أيما أهل عَرضَةٍ أصبح فيهم أمرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله ) [الحاكم ]

(إن اللهجة الشديدة المنذرة بالخروج عن الإيمان لم تستعمل بحق مرتكبي الكبائر كشرب الخمر والزنى، كما استعملت هنا بحق هؤلاء، وذلك مما يدل على عظم مسؤولية المجتمع كله إذا وجد فيه فقراء معدمون لا ينهض أحد بأمرهم؛ وإن هذه الظاهرة ـ أعني إهمال المجتمع لمن فيه من الفقراء والمحتاجين والعجزة المضطرين والمساكين المعوزين وأمثالهم ـ تعتبر(جريمة ) أعظم من جرائم الزنى وشرب الخمر.. التي هي من الكبائر، وسكوت المسلمين على ظلم أغنيائهم وتحكمهم، مع يسارهم وترفهم، من الكبائر العظمى كذلك، خاصة إذا كان السكوت من دعاة الدين وعلماء المسلمين ) (4 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت