فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 1942

أما علماء الاجتماع الآخرون الذين رأوا أن الدين ليس معوّقًا فحسب، وإنما هو محفز وباعث إلى الحضارة فقد نظروا إلى الجوانب المشرقة من الدين، وهنا لا بأس من أن أبيّن فكرتين:

1/ ماذا نعني بقولنا (الجوانب المشرقة من الدين ) ؟

الجواب: إننا إذا راجعنا آيات الاجتهاد والسعي والتحرّك والحيوية والتعاون والتنظيم والعقلانية.. فإننا سنجد أن هذه الآيات هي كتلة من الحضارة، وأنها ينبوع التقدم.إن علماء الاجتماع الذين نفذوا إلى أعماق الدين وجدوا فيه ذلك الجوهر النقي، فقرروا على ضوء ذلك أن الدين يعد أكبر محفّز للإنسان على العمل، والنشاط والسعي والتحرّك من أجل بناء الحضارة.

2/ الفكرة الثانية تتمثل في كلام أورده المفكر الغربي المعروف (هاملتون جيب ) الذي يعتبر مرجعًا في فهم المجتمعات الإسلامية اليوم، وهو أن علماء الدين في العالم الإسلامي هم الوحيدون القادرون على بعث الحضارةالإسلامية وتجديد المجتمع في البلدان المسلمة. ويستدل على ذلك بدليل يستحق الاهتمام والملاحظة، وهو أن الدين عندما يكون باعثًا فإنه سيكون عاملًا إيجابيًا، وإلا فسوف يكون باعثًا سلبيًا يقف أمام تقدم المجتمعات.

ولا شك أن علماء الدين قادرون على أن يحركوا البواعث الكامنة في النفوس من جهة، وأن يبينوا للناس ذلك الدين الحقيقي الذي يبعث على التطوير من جهة اخرى.

الثورة في النفوس

وهنا تحضرني كلمة لأحد علماء الحضارة، ذات حدين ويرى بموجبها ضرورة إحداث ثورة في عمق الدين، أي الثورةفي الدين نفسه، أو بتعبير آخر؛ إحداث تغيير في الجانب النظري من الدين. وبالطبع فإني لا أؤيد هذا العالم في أن التغييريجب أن يكون منصبًا على الجانب النظري من الدين، لأني أرى أن النظرية الدينية هي نظرية متكاملة لا تحتاج إلى ثورة، بل إننا نحن من يحتاج إلى القيام بثورة في نفوسنا لنفهم الدين من جديد، وهذا هو الفرق، لأن هذا العالم يقرّر ذلك بصفته شخصًا علمانيًا، في حين أن الدين لا يحتاج إلى ثورة، فالقرآن يبقى نفس القرآن ولكننا بحاجة إلى أن نرتفع إلى مستوى فهمه.

مسؤولية الدفاع عن الحضارة

البند الآخر من بنود الحضارة يتمثل -كما نستوحي ذلك من سورة المائدة- هو ضرورة أن يتحمل الإنسان مسؤوليةالدفاع عن الحضارة، فإذا دهمك خطر ما فإن أمامك أحد أمرين؛ فإما أن تهرب من هذا الخطر، وإما أن تقف في مواجهته، وتدافع عن نفسك. وننظر في هذا المجال إلى الآيات القرآنية التي تضرب لنا الأمثال، وتبين لنا حقائق غامضةعنا، بلغة فطرية مفهومة من خلال إيراد قصة تاريخية هي قصة بني إسرائيل: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَآءُ اللّهِ وَأَحِبَّآؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ) (المائدة/18) .

والآية السابقة تقرر فكرة المسؤولية، فلا يوجد إنسان يقول إنه ليس مسؤولًا عن أعماله، لأنه مسؤول مهما كانت انتماءاته الدينية؛ وفي هذا يقول عز من قائل: (بَلْ أَنْتُم بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) (المائدة/18)

ولكن هذه المسؤولية بحاجة إلى أن تتكرّس ضمن أسس للدفاع عن النفس، كما يشير إلى ذلك سبحانه في قوله: (يَآ أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَآءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْجَآءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ * وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُلُوكًا وَءَاتاكُم مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ) (المائدة/20-19)

وهذه هي الحضارة التي أنعم اللَّه جل وعلا بها على بني إسرائيل، ولكنها كانت بحاجة إلى الدفاع، ولذلك قال لهم تعالى على لسان النبي موسى عليه السلام: (يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ) (المائدة/21) ، ولكنهم تخاذلوا عن الدفاع قائلين: (قَالُوا يَا مُوسى إِنَّ فِيهَا قَوْمًاجَبَّارِينَ وإِنَّا لَن نَدْخُلَهُا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فإِنَّا دَاخِلُونَ * قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنْتُم مُؤْمِنِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَدْخُلَهَآ أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلآ إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ *قَالَ رَبِّ إِنِّي لآ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ) (المائدة/25-22)

والنتيجة الطبيعية لهذا السلوك المتخاذل هي أن الذي لا يستعد للدفاع عن حضارته، ومواجهة التحديات، لابد أن يعيش في التخلّف (التيه ) كما يشير إلى ذلك تعالى في قوله: (قَالَ فإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةًيَتِيهُونَ فِي الأرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ) (المائدة/26) .

الدين حافز على التطوير

وعلى هذا فالدين حافز على التطوير، وإذا ما رأينا أن الدين يتحوّل عند البعض إلى معوّق؛ فإن فهمه لهذا الدين لابدوأن يكون قد اختلط بالمفردات التالية:

1-التراث

2-تحريف الدين

3-تأويل القرآن بالرأي وقسوة القلب.

ونحن إذا أردنا أن نتطوّر، فلابد أن نقوم بثورة في فهمنا للدين، لا في الدين نفسه، ومن أبرز معالم الدين المسؤولية؛ فكل واحد منا مسؤول عن عمله ومحاسبٌ عليه، صغيرًا كان أم كبيرًا، مسلمًا كان أم غير مسلم.

وعلينا أن لا ننسى في هذا المجال أن نتخذ من مبدأ (الشك ) منهاجًا في التعامل مع نظرتنا إلى الدين، فالواحدمنا ينبغي أن يسأل نفسه دائمًا: من يقول إن الأفكار التي أحملها عن الدين صحيحة كلها، فلعلّي اتبع التراث وأقلدالآخرين تقليدًا جاهلًا في صياغة هذه الأفكار؟

ولذلك؛ كان لزامًا علينا -إذن- أن نعود إلى القرآن الكريم، والسنة الشريفة وإرشادات الفقهاء عودةً واعيةً، ونحذر من أن نتبع مجموعة من المكررات والمرتكزات التقليدية الموروثة التي قد لا تكون صحيحة، وقد تكون مختلطة بأفكارمتخلفة منحرفة وأفكار رجعية لا تتناسب مع متطلبات ومقتضيات عصرنا التي تختلف بالتأكيد عن تلك التي كانت سائدة في العصور السابقة.

الإيمان والبواعث الحضارية

(وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلاَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ * فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ *أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ) (التين/8-1)

ما هي العلاقة المثلى بين الدنيا والآخرة؟ وكيف يجب على الإنسان المؤمن أن يجعل إيمانه بالآخرة متصلًا بحركته بالدنيا ،وحركته بالدنيا مرتبطة بإيمانه بالآخرة ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت