إن الناس حيال هذا الأمر على عدة أقسام؛ ففريق منهم يفصل بين الأمرين؛ بين حياته في الدنيا وحقيقة الآخرة، فتراه-مثلًا- حينما يدخل المسجد يجد نفسه في روضة من رياض الجنة وفي رحاب الآخرة، فهو يتعبد ويذكر اللَّه كثيرًاويلجأ الى اللَّه ليخلصه من عذاب نار جهنم، إلا أنه سرعان ما تتغير سلوكياته وتوجهاته القلبية بخروجه من المسجدوهو يذهب إلى خضم الحياة.. إلى السوق.. المعمل.. المدرسة ..، فيتحول -نعوذ باللَّه- إلى إنسان ماكر وكائد، يلهث وراء زخرف الحياة الدنيا، ناسيًا حينها أحكام الشريعة وقيم السماء السامية.. إنه يدخل إلى الحياة الدنيا دون أن يلزم نفسه برادع أو كابح .
وفريق آخر من الناس ، تجده يترك الدنيا ويتجه إلى الآخرة، ويزعم أنه لو وجد صومعة في أعلى جبل وترهبن فيهاذاكرًا وصائمًا، قائمًا وقاعدًا، متوجهًا إلى البارئ تعالى، فإن هذا العمل سوف يقربه إلى اللَّه سبحانه ويحصل على السعادةالحقيقية.
والفريق الثالث تلحظه تاركًا الآخرة مطلقًا، فهو لا يرى حتى باب المسجد، وقد وضع القيم وآيات الكتاب المجيد وراءظهره، فيهرب من ( قيود) قيم السماء كهروبه من الأسد.
إن هذه الفرق والأقسام الثلاثة من الناس كلهم سوف يكونون إدام النار وحطب نار جهنم؛ فالذي يترك أهله ومجتمعه جائعين ويدع أمته عرضة لصولات وجولات العدو المستكبر، ويلتجئ إلى كهف أو صومعة أو.. مثل هذا الإنسان يكون أقرب إلى عدم التقيد والالتزام بحقائق القيم السماوية وإن تمسك وتنسّك بظاهرها وقشورها.
إن اللَّه سبحانه فرض على الناس واجبات وفرائض، كالجهاد والكد على العيال، كما أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. وهذه الفرائض هي من صميم القيم الإلهية التي سنّها سبحانه لتحقيق سعادة الناس في الدنيا والآخرة معًا.
وفي هذا المجال يروى أن الإمام الحسين عليه السلام لدى خروجه إلى كربلاء دعا بعض أهل المدينة للحاق به والوقوف أمام ظلم وفساد يزيد وبني أمية، فأجابه قائلًا: إن صلاة ركعتين في مسجد النبي أثوب عندي من أن أخرج معك!؟.. إن هذإ؛ّّالكلام بعيد عن روح الدين وحقائق الواقع، لأن هذه الأماكن المقدسة كمسجد النبي والكعبة المشرفة، لم تسلم أيضًا من جرائم وبطش يزيد وزبانيته حينما اعتدت جيوش يزيد على الكعبة المشرفة ورشقوها بالمنجنيق فأخذ الدم يسيل في داخل المسجد الحرام، وانتهكت أعراض المؤمنين والمؤمنات في مدينة الرسول، حتى لم تسلم بنت في هذه المدينة حينهامن الاعتداء الجنسي!
إن هذا الشخص وأمثاله يتصورون أن مجرد الانصراف لأداء بعض الركعات سوف يضفي قدسيةً على الدين وقيمه، إنه وأمثاله ترك حمل السلاح وجعل فريضة الجهاد وراء ظهره متصورًا أن ذلك سوف ينجيه من نار جهنم.
التدافع سنة إلهية
إن اللَّه سبحانه وتعالى يؤكد في كتابه الكريم على حقيقة (التدافع ) كسنة إلهية، فيقول: (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَ اللَّهَ لَقَويٌ عَزِيزٌ) (الحج/40) . إن المساجد بحاجة الى رجال يدافعون عن حريمها وحرمتها، فاللجوء الى قمةجبل والانشغال بالعبادة وترك المجتمع يتضور جوعًا ويتعرض الى الجهل والاستعباد، إن هذا العمل ليس له قيمة عنداللَّه سبحانه.
وقد روي أنه لما توفي ابنٌ لعثمان بن مظعون فاشتد حزنه عليه حتى اتخذ من داره مسجدًا يتعبد فيه، فبلغ ذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم فأتاه فقال له: (يا عثمان؛ ان اللَّه تبارك وتعالى لم يكتب علينا الرهبانية، إنما رهبانة أمتي الجهاد في سبيل اللَّه..) (2) وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (سياحة أمتي الجهاد) (3) ، فالدين الذين لا يتدخل في الشؤون الاجتماعية والسياسية للمجتمع لا يمكن أن يحقق أهدافه المرجوة، حتى النبي عيسى عليه السلام لم يكن ديدنه - كمايتصور البعض خطأ - الرهبنة وترك الدنيا ، بل إنها (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا) (الحديد/27) .
إن الرهبانية التي يراها الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم هي التوكل على اللَّه والدفاع المستميت عن قيم السماء، عبر الجهاد في سبيل اللَّه ومقاومة الظلم ومحاربة الأعداء. وهذا هو المعنى الحقيقي للرهبنة التي يقول فيها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (رهبانيةأمتي الجهاد) .. أي أن قيمة التسامي والتقرب إلى اللَّه تكمن في جوهر التصدي لقيم الزيف والزيغ والباطل؛ بل حتى سياحة الإنسان المؤمن وفرحه واُنسه تكمن في الذود عن حريم الرسالة والدفاع عن حقوق المقهورين والمضطهدين.
ممارسات قشرية
إن هذا الفريق الذي يترك الدنيا ويتعبد بقشور الدين هاربًا من لباب الدين وجوهره ومغزاه، هو أبعد ما يكون عن منهجية وسيرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وأهل بيته الأطهار الذين كانت حياتهم كلها تحدٍّ وتصدٍّ لأسباب الظلم والتعسف ،حتى نالوا جميعًا وسام الشهادة، فتقربوا واختصروا الطريق الى اللَّه سبحانه وتعالى.
أما الفريق الثاني الذي يفصل بين الدنيا والآخرة؛ فهو شعاره (ما للَّه للَّه، وما لقيصر لقيصر) و (ماللمسجد للمسجد، وما للسوق للسوق ) هذا التوجه وطريقة التفكير تصنع من المرء رجلًا ازدواجيًا ومصلحيًايلهث وراء شهواته ليلتهمها، ثم يلجأ الى المسجد وأداء بعض قشور العبادات ليغطي على سوءاته، إنه يقول لك: انظر في المسجد ماذا يقول لك الخطيب، انظر الى إمام الجماعة كيف يركع ويسجد ويقوم، افعل كما يفعل الإمام، ولكن في السوق انظر ماذا تقول لك (البورصة) ، وما الذي ينفعك فادخل فيه، ولا شأن لك بغير ذلك. إنه لا يهمه من صفقته التجارية فيما لو أضرّت باقتصاد البلد والمجتمع، إنه يتصور كأن السوق لا يحكمه قانون اللَّه.
إن اللَّه سبحانه لا يتقبل صلاة هذا الفريق فكيف بسوقه وتجارته، فالذي يصلي في المسجد ونيته الخروج منه لزرع الفساد والظلم في الأرض، هذا من الذين لا تقبل أعمالهم العبادية الظاهرية، لأن اللَّه سبحانه يقول: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ) (الماعون/7-4) فصلاة هذا الفريق لا قيمة لها، لأنها لا تنهى عن الفحشاء والمنكر.
أما الفريق الثالث الذي يخوض في الدنيا مع الخائضين ولا يهتم بالمسجد ولا بالأحكام والقيم الشرعية والإلهية؛ فهوالآخر سوف يؤول مصيره إلى نار جهنم، لأنه لا يهتم في الدنيا إلاّ بما يرضي شهواته وغرائزه الحيوانية الزائلة.