لقد انتهى أمر الدولة العربية الحديثة في هذا الشأن إلى ضرب من الكاريكاتير المضحك المحزن في آن معا، فهي قد استدارت عن تجربة الدولة الإسلامية في إفساحها مجالا واسعا من حرّية الإنجاز الحضاري للأمّة، والحال أنّ تلك الدولة هي الأنموذج الأقرب منها روحيا وثقافيا، ثمّ ذهبت تنسخ تجربة الدولة الغربية الحديثة، ولكنّه نسخ ممسوخ، إذ قد أصبحت فيه شمولية الدولة، تضمّ شمولية الاختيار إلى شمولية التنفيذ، فأُلغي دور الأمّة قرارا اختياريا وتنفيذا عمليا، ثمّ انتهى الأمر إلى أن استبدّت الدولة بالاختيار، وتقاعست في مستلزمات التنفيذ، ملقية بالكثير من أحمالها على عاتق الأمّة، التي أصبح عليها أن تنفّذ ما تختاره لها الدولة، وبذلك أصبحت هذه الدولة تطّرح في كلّ مرحلة أحسن الأوضاع، وتأخذ بأسوئها، حتى تمحّضت لها السيّئات.
ولا شكّ أنّ هذا المنتهى، الذي انتهت إليه الدولة العربية الحديثة، كانت له آثاره البالغة السوء على حركة النهضة، إذ النهضة لا تقوم بها إلاّ الأمّة، التي منها يكون الاختيار، ومن خصوبتها ينشأ الابتكار، وبيدها أو على عينها يتمّ الإنجاز، وما مهمّة الدولة إلاّ توفير الأسباب الدافعة إلى ذلك، والمساعدة عليه، وانتهاج الطرق الإدارية المفعّلة له والميسّرة لمسالكه.
وإذا ادّعت الدولة العربية الحديثة أنّها ستقوم- بديلا من الأمّة- بإنجاز كلّ تلك المهامّ، ومنعت المجتمع من أن ينتظم في مؤسّسات سياسية واقتصادية وتربوية، يقوم من خلالها بمهامّه الحضارية، وإن هي سمحت بشيء من ذلك، فبشرط أن تطبّق اختياراتها هي لا اختياراته هو، ثمّ هي قابلت بالقمع كلّ الاحتجاجات الصادرة عن المجتمع، ناقدة لهذا الوضع، ومطالبة بتصحيحه، وكانت خلاصة ذلك كلّه كبت قوى الأمّة أن تنطلق، وإعاقة خصوبتها أن تثمر، والحجر على قدراتها أن تأخذ طريق الابتكار والإبداع، فانكفأت على ذاتها تجترّ انكسارها، وتراوح مكانها في ميدان التقدّم، إن لم تكن تقهقرت في أكثر من مجال من مجالات الحياة
مستقبل الإسلام في الغرب ! (1/2)
يحيى أبو زكريا - السويد الإسلام اليوم 19/10/1423
استطاع الإسلام بما يملكه من ديناميكيّة ذاتيّة أن يفرض نفسه على الخارطة الغربية وأن يصبح سؤالا ملحّا على الغربيين بمختلف مستوياتهم الاجتماعية والثقافية و الفكريّة .
وقد خططّت الإستراتجية الإعلامية الصهيونية في الغرب أن يكون الإسلام عدوا رقم واحد للحضارة الغربية والغربيين والديّانة المسيحيّة لكنّ هذا التخطيط نجح في وسائل الإعلام الغربية إلى حدّ ما غير أنّه أنتج حالة فضول لدى الإنسان الغربي بضرورة التحرك فكريّا لإجراء مراجعة فكرية وثقافية للإسلام من خلال البحث عن الكتب التي تتحدث عن الإسلام والإقبال على شراء معظم الكتب المعرفيّة التي تشرح الظاهرة الإسلامية في أبعادها العقائديّة والتشريعية و الثقافيّة , إلى درجة أنّ صحيفة سويدية مشهورة سألت مطربة سويدية مشهورة أيضا عن الكتاب المفضّل الذي تقرأه هذه الأيّام فأجابت بأنّه القرآن .
وفي هذا السيّاق يشار إلى أنّ الكتب التي تتحدّث عن الإسلامباتت تحققّ أعلى المبيعات في معارض الكتب في الغرب , كما أنّ دور النشر الغربية اتصلت بالعديد من المتخصصّين في الدراسات الإسلامية والحضارة الإسلامية والعربية للكتابة في مواضيع بعينها على صلة بالإسلام , كما أنّ المعاهد الجامعية الغربية باتت تحضّ الباحثين الراغبين في إنجاز أطروحات دكتوراة للكتابة عن الحركات الإسلامية أو المذاهب الإسلامية وغيرها من المواضيع ذات العلاقة بالإسلام .
أمّا البرامج التلفزيونيّة التي تصوّر حياة المسلمين في أكثر من قطر إسلامي فقد أصبحت من الكثرة بحيث يندهش المشاهد للقنوات الغربية لهذا السيل الإعلامي الذي يتناول ظواهر الإسلام والمسلمين في خطّ طنجة - جاكرتا.
ورغم جدارات برلين الاجتماعية والثقافية والسياسية والأمنية والإستراتيجية المتعددة التي أقامها الغرب بينه وبين الإسلام منذ طرد المسلمين من الأندلس ومرورا بالحركات الاستعمارية ووصولا بالغارة الكبرى على عالمنا الإسلامي , إلاّ أنّ الإسلام استطاع أن يصل إلى جغرافيا الغرب , تماما كما تمكنّ الغرب من الوصول إلى مواقعنا على متن البواخر الشراعية فالبواخر الحربية والطائرات , والمفارقة الأساسيّة بين قدوم الغرب إلى مواقعنا الجغرافيّة و ذهاب الإسلام إلى مواقع الغرب الجغرافية تكمن في أنّ المعسكر الغربي قدم إلى مواقعنا بقوّة السلاح فيما ولج الإسلام الخارطة الغربية بقوته الذاتية أصلا منذ فتح الأندلس وإلى يومنا هذا . بالإضافة إلى ذلك فإنّ حركة انتقال المسلمين من الإسلام وإلى النصرانية ضئيلة للغاية إذا ما قورنت بحركة الأسلمة وسط الشباب والشابات الغربيين والأكاديميين الغربيين التي باتت ظاهرة في حدّ ذاتها .
وهذه الديناميكيّة التي يتمتّع بها الإسلام في الغرب لم تكن وليدة تخطيط معمّق وإستراتيجية دقيقة من قبل مسلمي الغرب الذين لجأ ثلثاهم إلى الغرب بداعي تحسين الوضع الاقتصادي أو الفرار من الوضع الاجتماعي القائم في واقعنا العربي والإسلامي , بل إنّ جزءا كبيرا من جاليتنا العربية والإسلامية أساءت إلى حضارتها وحدّت من ديناميكية الإسلام في الغرب بشكل محدود , بل إن الإسلام يملك عوامل القوة الحضارية الذاتيّة .
فماذا لو كان للمسلمين في الغرب تلك الإستراتيجية التي بموجبها يصلون إلى العقل الغربي عبر تفعيل حركة الترجمة من اللغة العربية وإلى اللغات الغربية وعبر تملّك وسائل إعلام هادفة فلو تحققّت هذه المعادلة أي ديناميكية الإسلام زائد وعي المسلمين في الغرب لأمكن في ظرف وجيز أن يصبح الإسلام ظاهرة حضارية وفكريّة راقيّة ,وقد صدق ذلك الأستاذ الأوروبي الذي أسلم وقال لأحد علماء الأزهر: أدركوا أوروبا بإسلامكم قبل أن تتهندس أو تتبوّذ أي تصير هندوسيّة أو بوذيّة .
ومع كل ما جئنا على ذكره فقد أصبح مستقبل الإسلام في الغرب سؤالا ملحا ومكررا لعشرات الدوائر والمعاهد , وأفرز هذا السؤال مجلدات وكتبا من الأجوبة ومازال يحرك العديد من الخلايا الدراسية في الدوائر الحسّاسة والمراكز الإستراتيجية السريّة والمعلنة أحيانا.
وتذهب بعض هذه الدراسات التي وضعت من قبل منظرّين غربيين إلى أنّ الإسلام في الغرب أصبح حقيقة قائمة لا مناص منها ولا مفّر , فلا يخلو شارع أوروبي من مسجد أو امرأة محتجبة أو مدرسة إسلامية أو ملحمة كتب على بابها: نبيع اللحم الشرعي أو لحومنا مذكاة على الطريقة الإسلاميّة وغير ذلك من التمظهرات الإسلاميّة .
كما أنّ بعض هذه الدراسات تؤكّد بأنّ ملايين المسلمين أصبحوا أوروبيين بحملهم الجنسيات الأوروبية وأنّهم متساوون في الحقوق والواجبات مع السكّان الأوروبيين الأصليين , لهم أن يصوتوا ولهم أن يشكلّوا أحزابا ولهم أن يفتحوا إذاعات وتلفزيونات وما إلى ذلك . والأخطر ما في هذه الدراسات إشارة إلى أنّ التكاثر بين المسلمين الغربيين في اطراد فيما النسمة الغربية آيلة إلى الشيخوخة , وقد أشارت دراسة حديثة إلى أنّ نسبة المتقاعدين من الغربيين بعد عشر سنوات سيكون مذهلا والذي سيعوّض مناصب الشغل سيكونون من المهاجرين العرب والمسلمين وبقيّة القادمين من العالم الثالث ومعنى ذلك أنّ المسلمين سيدخلون في قلب المعادلة الاقتصادية للغرب والغرب يعتبر أنّ أمنه الاقتصادي كأمنه السياسي