إن التغريب، في أحد أوجهه، ليس إلا اللباس الثقافي للتصنيع. لكن تغريب العالم الثالث ( والذي تتكون معظم دوله من الدول المسلمة ) هو أولا، عملية محو للثقافة، بمعنى أنها تدمير بلا قيد ولا شرط للبنيات الاقتصادية والاجتماعية والعقلية التقليدية، لكي لا يقوم مقامها في حينه سوى كومة كبيرة من الخردة، مصيرها إلى الصدأ ... إن هذا الذي يُعرض على سكان العالم الثالث، لكي يحل محل هويتهم الثقافية الضائعة، إنما يتضمن صنع شخصية وطنية عابثة، ذات انتماء خدّاع إلى مجتمع عالمي ( هو الغرب ) ... إن ضياع الهوية الثقافية الذي ينتج عن ذلك، أمر لا يقبل الجدل، وهذا يساهم بدوره في عدم استقرار الشخصية الوطنية سياسيا واقتصاديا. وما يتبقى بعد ذلك من الإبداع الوطني، يكمن في حالة تبعية إزاء ثقافة تبدو لها أجنبية، وإنها لكذلك [5] .
سبل العلاج
? إن أولى خطوات العلاج في سبيل تأصيل هويتنا الإسلامية، هو تمسك الإدارات المحلية والبلدية بعدم إعطاء ترخيص للمحلات إلا إذا كان اسمها عربيا خالصا له معنى في اللغة العربية. ولنا في التجربة الفرنسية أسوة في هذا الموضوع. فقد تشددت فرنسا في عدم استخدام لغات أخرى غير اللغة الفرنسية في جميع المجالات، بل وصل الأمر إلى حد محاولة استخدام اللغة الفرنسية في تطبيقات الحاسب الآلي، حفاظا على الهوية الفرنسية من الضياع أو الاندماج في الثقافة الأمريكية. فيمكن استخدام الأسماء العربية في جميع ميادين الحياة. فتطلق هذه الأسماء على أسماء الشوارع والميادين والمدارس، بل وأسماء الفصول الدراسية في هذه المدارس. فبدلا من القول فصل ثالثة أول أو فصل ثالثة ثاني مثلا، يمكن أن يكون اسم الفصل خالد بن الوليد أو فصل الشجاعة أو فصل"القدس"... الخ.
? تخلي الأسر عن الطموح الجامح، وذلك بأن تعيش في حدود إمكانياتها، والتخلي عن مظاهر الاستهلاك الترفي والمظهري والعودة إلى الدين الصحيح بالالتزام بتعاليم الإسلام فيما يتعلق بعدم الجنوح والإغراق في الديون بغير داعٍ.
? وضع خطة للمبعوثين للدراسة بالخارج في دول أوربا الغربية أو الولايات المتحدة وغيرها، بحيث يكون لكل وفد رئيس من الواعظين ممن يستطيع أن يدحر الشبهات التي تلقى في وجه شبابنا أثناء تلقيهم العلوم بالخارج. كما يجب أن يكون من بين شروط الابتعاث للخارج حفظ قدر معين من القرآن، وليكن خمسة أجزاء على الأقل. كما يفضل تنظيم دورة سريعة لمدة ستة أشهر على الأقل لجميع الأفراد الذين وقع عليهم الاختيار للسفر للدراسة بالخارج يتم فيها دراسة علوم الدين والشريعة وبلغة البلد التي سيتم السفر إليها.
? على الإعلام التوقف عن الترويج للنموذج الغربي بكل قيمه الأخلاقية. فكيف تتحول"مغنيات الهبوط"إلى قدوة لفتياتنا؟ كما أننا نرى المذيعات في بعض المحطات الفضائية بغير الاحتشام المطلوب. فعلى كل المؤسسات أن تقنن الحرية داخلها حتى نعود للاعتدال، لأنه الوسيلة الوحيدة لحياة كريمة ومحترمة.
? كما أننا نفتقد لبيوت أزياء واعية باحتياجات الشباب تستطيع أن تعادل بين احتياجات الشباب والموضة والتقاليد وتطوعها حسب ظروف العصر. فنحن في أشد الحاجة إلى مؤسسة كبرى تدرس مطالب الشباب وتصنع لهم ما يرغبون في ارتدائه وبما يتناسب مع حضارتهم وهويتهم. [6]
? الاهتمام داخل الأسرة بحماية الأخلاق. فيجب على الأب أن يعود لدوره الأصلي في قوامة جميع أفراد أسرته. ذلك أن دور الأب انحصر في الآونة الأخيرة دور"الممول"المتمثل في مجرد جلب المال للأسرة، وترك جميع مقدرات الأسرة تدار بعيدا عنه.
? معرفة أهداف أعدائنا ومخططاتهم والعمل على التصدي لها. ذلك أن معرفة أن كل ما يحدث من حولنا إنما هو بتخطيط واعٍ وتدبير مدروس من القوى الغربية والصهيونية التي لا تريد لراية الإسلام أن ترتفع أبدا، إن معرفة ذلك والوعي به يضعنا جميعا أمام الطريق الصحيح للعلاج.
21 من جمادى الآخرة عام 1425 من الهجرة ( الموافق في تقويم النصارى 7 من أغسطس عام 2004 ) .
[1] متفق عليه: صحيح البخاري، 3456، و7320، وصحيح مسلم: 2669 (6) .
[2] فتح الباري بشرح صحيح البخاري، الحافظ/ ابن حجر العسقلاني، المكتبة السلفية، 1407 هـ. ج: 6، ص: 574.
[3] القدوة منهاج ونماذج، د/ سعيد قابل، دار التوزيع والنشر الإسلامية، ص: 97.
[4] الإسلام والغرب، د/ عبد الودود شلبي، مكتبة الآداب، 2004. ص ص: 55 - 56.
[5] التغريب: طوفان من الغرب، لواء/ أحمد عبد الوهاب، مكتبة التراث الإسلامي، 1990. ص ص: 13 - 14. نقلا عن: تغريب العالم، سيرج لاتوش، باريس، 1989.
[6] جريدة الأهرام، عدد يوم 27/7/2004.
د.شوقي أبو خليل فارس فكر ورحّالة تاريخ
د.عبد المعطي الدالاتي
فارس من فرسان الفكر، وجوّابٌ في آفاق المعرفة ، ورحّالة في دروب التاريخ ..
إلى مدرسة الأرقم ينتمي، فهولايدين بالأستاذية لغير معلم الأرقم..
و لا يغريه من التاريخ مثلُ سيرتِه ..
ولا يعجبه من الجغرافية مثل مدينتِه ..
ولايبهره من الأخلاق غير شمائلِه..
لقد استطاع قلم د.شوقي أن يصل بتوفيق الله إلى المعادل الموضوعي لطرح أقوى الأفكار، وأعمق المعاني ، بمنطق مقنع، و أسلوب ممتع..
فإنتاجه يجمع حرارة الإيمان ، وروعة الفكر ، وجمال الأدب ، في كأسٍ واحدة لذّة للشاربين ..
وأسلوبه عذب رقراق ، ينحدر كالغدير المتسلسل متسلّلًا إلى مسارب الروح ، وأعماق الفكر ، ليزرع فيهما القناعة والرضا ..
وفي كلمة واحدة ، لقد جمع د.شوقي أبوخليل الإنتاج الجليل والإخراج الجميل ..
كان رائده في الحياة محبة الله والرسول ، هذه المحبة التي تزداد مع الزمن نقاوة ونضارة وعمقا ..
وكانت قبلته التي يتجه إليها في البحث العلمي هي الحقيقة ، والموضوعية والعدل ..
ومن هنا حالفه التوفيق في إقناع الطلاب والقراء على السواء..
انظر إليه وهو على منصة الأستاذية يلقي محاضراته في"السيرة النبوية"، يحفّ به طلابه وحواريوه، وقد تلاقت عنده نظراتهم، وحامت حواليه أرواحهم الصغيرة ، لتجد في روحه الكبيرة أجوبة لتساؤلات كثيرة .
لم يكن الطلاب يستمعون إلى محاضرة ، وإنما كانوا يحلقون بوجدانهم وعقولهم في فضاءات السيرة المطهرة.
مكتبة د.شوقي أبو خليل:
أرأيت قوس السماء يزين بألوانه الوفيرة الفضاء!
ذلك مثله ، ومثل مكتبته العامرة التي رفد بها المكتبة العربية الإسلامية ..فمن التاريخ ورجاله وأحداثه وأطالسه ؛ إلى الأديان وخصائصها وحواراتها ، إلى الحضارة الإسلامية وعالميتها ، إلى الفكر الإسلامي وآفاقه وتجلياته ، إلى المرأة المسلمة ودورها ،إلى الأطفال وعالمهم الرحيب .
وفي كتابه الجامع"الحضارة العربية الإسلامية"تجلت ثقافة الدكتور شوقي الواسعة ، وإضاءاته الكاشفة للمعمار الكبير الجميل لحضارتنا العربية الإسلامية العريقة .
إنه كتاب فريد في بابه،أضعه باطمئنان إلى جانب كتاب"شمس الله تسطع على الغرب"للباحثة الألمانية زيغريد هونكه.
"الحوار دائما وحوار مع مستشرق":
في هذا الكتاب يتربع أسلوب د.شوقي على عرشه ، وفيه يتجلى دماثة الخلق ، وبراعة الفكر ، وعمق الوعي، فيه ترى المؤلف الواثق بما يمتلك من أفكار ، فهو لا يخاف من الحق إذا كان مع الآخر ، لأن الحق مطلبه .
لقد كان هذا الكتاب مِفصلا لكلماته التي صمم أن يقولها للأجيال، وقد تألق في تفعيل النقد الذاتي الداخلي، ليكشف عوار الأفكار المهترئة ، والبدع والخرافات والضلالات التي طالما رفعنا عليها لافتة القداسة .