ونحن نشعر بمزيج من المرارة ، والانكسار ، حينما نجد أن كتب السير الأدبية التي تحدثت عن هذه المرحلة الثرية الحاسمة من تاريخ الإسلام ، إنما اكتفت بتقديم المسرح البلاطي والأدبي - عادة الشعري والغنائي - ولم تفلح في رسم خارطة العمران البشري الإسلامي ، في عهود أربعة ملوك مع الامتدادات السياسية والمعرفية ، والروحية ، والفلسفية ، التي تساعد على دراستها والاعتبار بخصائصها . وإذا كان هذا حال كتب وضعها معاصرون لتلك المرحلة ، مثل كتاب ( طبقات فحول الشعراء ) ، لمحمد بن سلام الجمحي ، فما عسى يكون حال كتب جاءت بعد تلك المرحلة بعشرات بل ومئات السنين ، مثل كتاب الفهرست لابن النديم ( 988م ) ، أو كتاب زهر الآداب للحصري القيرواني ( 1022م ) ، أو كتاب طوق الحمامة لابن حزم ( 1027م ) ، إلى آخر الكتب الأدبية والتصنيفية المعروفة ، التي جاءت بعدها ، وشكلت - مع الأسف - مراجع أساسية لدراسة الحضارة الإسلامية , وخاصة بأقلام المستشرقين ، وتلاميذهم العرب . فدرج المؤرخون المسلمون وغير المسلمين - وبعضهم عن حسن نية - على استقاء مراجعهم من الكتب الأدبية ، وأغلبها مكتوب في بلاطات الملوك ، والأمراء ، بقصد تسلية ذوي النفوذ ، وأصحاب السلطان ، لا بقصد دراسة التاريخ والاعتبار به . فهذه الكتب ذات قيمة فنية متميزة ، ولكنها تاريخيًا لا تعدو أن تكون أجزاءًا ملحقة بكتاب ألف ليلة وليلة.
وهذا الخطأ الفادح ، ليس مقصورًا على القدماء ، بل إن المعاصرين يرتكبونه ، ولكن عن سوء نية ، وخبث مقصد . فإنك لو قرأت كتاب ( الخلافة الإسلامية ) للمستشار محمد سعيد العشماوي ، لعثرت في الهوامش على أغلب التصانيف الأدبية المذكورة ، كمراجع أساسية لدراسة الخلافة الإسلامية . وفي هذه الحالة كما في غيرها ، فإن المطلوب إثباته _ أيديولوجيًا - هو بطلان الخلافة الإسلامية ، ودموية الماضي الإسلامي ، وبالطبع اقتناع المسلمين بأنه ليس بالإمكان خير مما كان ، وأنه محكوم علينا بالتبعية لقوالب الغرب ، وأشكال نظامه ، وسائر شؤون حياته ، حتى نكون ( مجتمعات مدنية ) ، وشعوبًا محبة للسلام)!
ونحن لن نكون في واقع الأمر سوى أمم مغلوبة ، تابعة ، لا كبرياء لديها ، ولا ذمة ، ولا سيادة . وقضية المستشار العشماوي ، تتجاوز مجرد إبداء الرأي ، إلى كونها إسهامًا في صنع الهزيمة الحضارية للإسلام ، بأيدي الذي أسهموا في هزيمته السياسية ، والعسكرية ، منذ 1967م تحت شعار القومية العربية.
الفتنة ونشأة الفكر السياسي الإسلامي
رأينا في الفصل السابق ، كيف أن تاريخنا الإسلامي ، يصلنا أعرج معوقًا ، بعد مروره بالمحرفين من الحاشيات المتعاقبة على البلاطات ، وعرفنا كيف يكيد المعاصرون لتاريخنا بالطعن والتشكيك ، وقد نجحوا في ذلك العمل التخريبي بعض النجاح ، بتوجيه ذكي مخطط من أجهزة الإعلام والاستعلام المعادية ، حتى إن اسم الإسلام أصبح يعني لدى بعض الشباب ، العنف . والغريب المدهش أن أبناء الحضارة الغربية ، الذين رسخوا هذه المغالطة في أذهان الرأي العام ، ينتمون إلى الحضارة نفسها التي فجرت على مدى جيل واحد (ثلاثون عامًا) من 1914م إلى 1944م حربين عالميتين، راح ضحية أولاهما ثلاثون مليونًا من البشر ، وراح ضحية الثانية سبعون مليونًا من البشر ، وانتهت هذه الأخيرة بفاجعة نووية ، مسحت من على الأرض مدينتين كاملتين ، هما هيروشيما وناجازاكي باليابان . وهذه الأحداث ليست من عصر ما قبل التاريخ ، بل إن ( أبطالها ) وضحاياها ، ما يزالون يعيشون بيننا إلى اليوم .
والفكر المادي الغربي ، هو الذي أباد شعوبًا كاملًا ، كان آخرها شعب سكان أمريكا الأصليين ، الملقبين بالهنود الحمر ، منذ عام 1492م إلى أواسط هذا القرن العشرين ، وكذلك الملحمة الدموية المريرة للتجارة بالعبيد الأفارقة ، بعد اختطافهم من أدغالهم ، وقبائلهم ، مما يمثل اليوم وصمة عار على جبين أوروبا وأمريكا . وأقرب إلينا تاريخيًا محاولة إبادة ستالين لمخالفيه التي قدر عددها المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي السوفييتي نفسه ، بخمسة ملايين ضحية في ثلوج سيبيريا ، ومحاولة إبادة شعب فيتنام ، الذي افرغت طائرات أمريكا على رؤوس أبنائه قنابل توازي ما أفرغ أثناء الحرب الكونية الثانية ، على أوروبا بأسرها . وجاءت المأساة الاستخرابية المسماة زورًا بالاستعمارية ، فأظهرت للإنسانية بشاعة الفكر الغربي العلماني ، الذي استحل دماء الشعوب المستضعفة وأراضيها ، وخيراتها ، فسخرتها القوة العمياء لخدمة ازدهار الغرب ورفاهيته ، وزيادة استهلاكه.
وإنك لو قلبت تاريخ القرون الخمسة عشر من الحضارة الإسلامية ، على كل الوجوه ، لما عثرت على أمثال هذه المذابح ، والمجازر ، التي حدثت في الغرب ، انطلاقًا من الفكر الغربي ، أو من انحرافاته.
ونحن حين نذّكر بهذه الحقائق ، فبقصد إبطال مفعول السحر الزائف ، الذي أعمى عيون جيلنا المسلم ، لينظر إلى تاريخه بدون عقد أو مركبات نقص ، وليعرف أن ما يميز حضارته الإسلامية ، هو الفكر المضاد للفكر الرسمي ، الذي ساد عبر التاريخ . فكل سلوك بشري في الدول الإسلامية المتعاقبة ، مال إلى الاستبداد ، وخرج عن الشريعة ، واجه فكرًا إسلاميًا حرًا ، كان بمثابة كفة الميزان الشعبية الأخلاقية المرجعية ، لإعادة الحق إلى مجراه ، والعدل إلى منتهاه ، ورد الباطل عن هواه.
إن رصيد الإسلام من الفكر الحر المتمسك بالشرع والحق ، هو الذي صنع التاريخ الأكبر ، تجاه سلوك الاستبداد ، والظلم الفردي أو الرسمي ، الذي صنع التاريخ الأصغر . وذلك الرصيد المجيد ، هو المخزون، الذي يخوض به الإسلام صراع الحضارات ، في صورة حدوث صراع ، أو يدخل به حوار الحضارات، في حالة الجنوح للحوار.
وفي البدء كان فجر الإسلام ، التحم التاريخ الأكبر مع التاريخ الأصغر ، لصيانة أعظم تحول طرأ على الحضارة الإنسانية ، بظهور الإسلام وانتشاره السريع ، وتغيرت الخارطة البشرية في محيط يبلغ قطره حوالي ثمانية آلاف كيلومتر ، في ظرف جيل واحد ، شرقًا وغربًا ، وجنوبًا وشمالًا.
في البدء كان فجر الإسلام
وإنك إذا قرأت الأغلبية من كتابات المستشرقين ، أو تلاميذهم العرب ، لوجدت تسليط الأضواء على الفتنة وتبعاتها ، أي على التاريخ الأصغر ، وذلك لإثارة النقع على التاريخ الأكبر: تاريخ الفتوحات الزكية ، والبطولات الجبارة .
يعدد الدكتور شعبان محمد إسماعيل الخلافات بين الأشخاص في فجر الإسلام ، كما يلي:
أول خلاف: لم يتفق المهاجرون والأنصار على منصب الخلافة في سقيفة بني ساعدة ، بعد التحاق الرسول صلى الله عليه و سلم بالرفيق الأعلى.
ثاني خلاف: اعتزال على رضي الله عنه وبعض الصحابة وأهل البيت ، الدخول في البيعة .
ثالث خلاف: تفرق الكلمة في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه حول المرتدين ومانعي الزكاة .
رابع خلاف: تغلب الرحمة على الحزم ، واللين على الشدة ، في عهد عثمان رضي الله عنه ، مما أعان على استرسال الغواية .
خامس خلاف: مبايعة على رضي الله عنه في غمرة مقتل عثمان رضي الله عنه.
سادس خلاف: قضية التحكيم الشهيرة بين علي رضي الله عنه ومعاوية.
سابع خلاف: ظهور الفرق الثلاث نتيجة للفتنة:
(أ) جمهور الأمة ، الذي يرون وجوب الطاعة لولي الأمر.
(ب) أنصار علي رضي الله عنه وأهل البيت ، القائلون بأحقية علي في الخلافة.
(ج) الخوارج ، الذين عارضوا هؤلاء وأولئك.