ماذا لو اعتبرنا أن تاريخ الإسلام الحقيقي ليس هو التاريخ الأصغر ، الذي يدور في فلك الأفراد من خلفاء وملوك ووزراء ، ولكنه التاريخ الأكبر الذي صنعه إجماع الأمة في ملاحمها الفتوحية بالأمس ، ويصنعه إجماع الأمة اليوم ، بمقاومة الدخلاء ، واستعادة الهوية ، واسترجاع الأصول؟
ماذا لو أعدنا النظر جذريا في مادة التاريخ ، فاعتززنا بالملحمة الفكرية وبالمغامرة الثقافية اللتين فجرتا عبقرية الأمة ، منذ فجر الإسلام إلى يوم الناس ، عوض أن نحصر تاريخ الحضارة الإسلامية في التاريخ الأصغر: تاريخ الإنسان الفرد باستبداده وقمعه وجبروته ، وضعفه وخيانته ، واستحلاله ما حرم الله ، عبر أحداث السياسة وتقلبات الملك؟
ثم ماذا لو اعتبرنا أنفسنا كمسلمين أمناء على رصيد الإجماع الإسلامي، وخزنة لذلك التراث العظيم، غير مسؤولين كأمة ، عن سلوك الأفراد مهما كانت مراتبهم ومهما علت مواقعهم؟
ونحن عندما ندعو لهذ الاتجاه لا نأتي ببدعة من عندنا ، بل نستخلصه من عبقرية الإسلام . فالإسلام هو دين الحضارة الإلهية ، أي ان عماد حضارتنا هو القرآن ، بما أنزل من تشريعات ، حدّت من تطرف الإنسان الفرد ، فعقلت يديه عن الطغيان بالضرورة ، ووضعت اجتهاده في كنف تلك التشريعات المنزلة .. وبعكس الإسلام ، كانت وما تزال الأمم غير المسلمة تعتمد على تشريعات بشرية فردية ، تحمل أسماء الملوك الذين وضعوها ، أو أوحوا بها لمن وضعها ..
يقول الدكتور أحمد حمد:( عندما أراد حمورابي قبل الميلاد بعشرين قرنًا ، أن يضع تشريعًا يسير الناس عليه في معاملاتهم ، جمع العلماء وأمرهم ، أن ينتهوا من وضع هذا التشريع في مدة حددها لهم .. ثم في عهد جوستنيان ، أي في النصف الأول من القرن السادس الميلادي ، صنع جوستنيان هذا الصنيع مع العلماء .. ثم في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي ، يأتي نابليون ليصنع هذا الصنيع كذلك مع العلماء .. وأدل دليل على ذلك ، أن هذه التشريعات التي صدرت بمجهود العلماء ، لا تنسب إليهم هم ، بل تنسب إلى هؤلاء الحكام ، فيقال: تشريع حمورابي ، وتشريع جوستنيان ، وتشريع نابليون .. ولم يحدث في أي عصر من العصور ، أن ينسب تشريع ما إلى حاكم من المسلمين ، فإن الشرع هو شرع الله ، والفقهاء إنما يجتهدون ثم يجمعون على ما يرضي الله من حكم ..
ولقد كان اهتمام الأمة بالعلماء ، وتعظيم شأنهم ، أن جعلوا اتفاق المذاهب على حكم في مسألة من المسائل إجماعًا ، يؤخذ به مأخذ الاتباع والالتزام ، فاتفاقهم حجة ، ونسبوا كل مذهب من هذه المذاهب إلى صاحبه لا إلى الحاكم الذي كان في عهده ، فقالوا: مذهب أبي حنيفة ، ومذهب مالك ، ومذهب الشافعي ، ومذهب أحمد بن حنبل ، بل إن الحاكم هو الذي ينسب إلى المذهب إذا مال إليه ، فيقال: هذا الحاكم حنفي ، والآخر كان شافعيًا وهكذا .. ).
نحن إذن بإزاء جوهر من جواهر الحضارة الإسلامية . فالإجماع هو المصدر الثالث للشريعة بعد القرآن والسنة ، وهو كما أسلفنا يعتمد اتفاق المسلمين أو أهل الحل والعقد منهم - حسب تعريف الغزالي، والرازي ، والآمدي - وهذا الجوهر الإسلامي ثابت من الثوابت عبر تاريخ الحضارة الإسلامية مهما اعتراه من خلل ، عندما استبد بعض الحكام ، فاضطهدوا بعض رجال الفكر والاجتهاد والصلاح . بل بالعكس ، إن تاريخ اضطهاد الأئمة والعلماء لعبرة لمن يعتبر ، إذا ما درسنا عاقبة الطغاة ، وكيف هبت ريحهم ، وانهار بنيانهم ، وزالت دولتهم ، وخسف الله سبحانه بهم الأرض ، وبقي فكر العلماء ، وإجماع المجتهدين ، آية من آيات الإسلام ، وحجة من حججه ، ونبراسًا هاديًا للأمة بالأمس واليوم وغدًا.
فالرأي عندي أن تنطلق صحوة الإسلام المباركة من عملية إعادة قراءة تاريخ الإسلام ، فنغير جذريًا من اعتباره تسلسل الدول فحسب ، إلى اعتباره تسلسل المدارس الفكرية ، والمذاهب الثقافية على مدى القرون. فالمنظور التقليدي السائد اليوم في دراسة التاريخ ، هو المنظور الأوروبي الذي يضع الحدث السياسي في قمة قراءة التاريخ ، ولا يكون الحدث الفكري إلا ثانويًا أو فرعيًا ، وهو منظور لعله ينفع في التاريخ الأوروبي ، لكنه منظور قاصر في التاريخ الإسلامي . فإذا كانت السياسة تحدد الفكر في أوروبا ، نظرًا لأسباب تاريخية ، ودينية ، وجغرافية ، واجتماعية يطول شرحها ، فإن الفكر هو الذي يحدد السياسة في العالم الإسلامي ، حتى لو اصطدم ذلك الفكر بالبلاط .
ويجدر بنا إذا أن نعيد الاعتبار لتاريخ الأفكار في الإسلام ، ونتبنى من ماضينا ، ما تعاقب من علماء وفقهاء ، وأئمة ، ودعاة ، وحكماء ، لنتخذه موروثا شرعيًا لجيلنا المسلم في القرن الحادي والعشرين ، منه نستمد طاقة الاجتهاد ، ورصيد المواجهة الحضارية ، وعليه نؤسس الصحوة المباركة .
وقد أخطأت كتب الأدب وتصانيف الرواة في حق الحضارة الإسلامية عندما أرخت للملوك وحاشياتهم ، وجيوشهم ، وفتنهم ، وصراعهم على سدة الحكم ، في حين أهملت تاريخ الفكر ، والمفكرين ، والمناظرات ، والمدارس الثقافية ، مقتصرين في أحيان كثيرة على الشعر والشعراء ، بسبب دوران الشعراء في فلك الملوك والخلفاء ، وتناولهم في المدح ، والهجاء ، لخصائص الملوك وأعدائهم ، وانقسام الشعراء في كل العصور إلى أحزاب تناصر هذا ، وتحط من قدر ذاك .
ثم إن الشعر بهذا المعنى لا يكون ديوان العرب ، بل المرايا المضللة ، والمحرفة ، لواقع العرب ، وبالتالي لحضارة الإسلام .
وإذا أخذنا مثلًا واحدًا من أمثلة عديدة ، لتأكدنا من صحة هذا الرأي . فالكتب التي تناولت نهاية عهد المعتصم بالله ، وعهد الواثق ، وعهد المتوكل ، وبداية عهد ابنه المنتصر ، تكاد تنحصر في ذكر الصراع الدموي داخل الأسرة الحاكمة ، وما صاحبه من مؤمرات القصر المتلاحقة ، دون التطرق الكافي إلى التدخل المكثف بين قضايا الحكم ، وقضايا الفكر في ذلك الجزء من القرن التاسع الميلادي .. فمنذ إنهاء محنة خلق القرآن ، ازدهرت المدرسة العلمية التطبيقية على يدي العالم الرياضي الخوارزمي ، وتنامي علم الجغرافيا على يدي ابن خرداذبة صاحب كتاب ( المسالك والممالك ) ، وتشكلت المدرسة الفكرية التي أسميها بالموسوعية ، على يدي الجاحظ بكتب الحيوان ، والبيان والتبيين ، والبخلاء ، والرسائل المعروفة ، وجاءت مساهمات عبد الله بن المقفع ، في الفكر السياسي ، بكتب كليلة ودمنة ، والأدب الكبير ، والأدب الصغير ، ورسالة الصحابة .. ثم ازدهر الفتح الإسلامي ، حتى بلغ روما ، وكاد يدخلها المسلمون ( 846م ) ، ووضع الإسلام يده على جزء كبير من بيزنظة .