فهرس الكتاب

الصفحة 1730 من 1942

التاريخ الأصغر هو تاريخ الرجال كأشخاص يتقاتلون من أجل سدة الحكم وهم - مسلمين أو غير مسلمين - لا يعدون كونهم أفرادًا لهم نفوس بشرية لم يعلن الله سبحانه ، ولا الرسول صلى الله عليه و سلم ، أنها معصومة من الخطأ والزلل ، وأنها منزهة عن الضعف والخلل ، بل قال الله تبارك وتعالى: (ونفس وما سواها ، فالهمها فجورها وتقواها ) (الشمس: 7 - 8) .

ذلك هو التاريخ الأصغر الذي تعلمته أجيال المسلمين ، وحجب عنها رؤية نور التاريخ الأكبر . تاريخ الأمة بأكملها: كيف نشأت ؟ وكيف جاهدت ؟ وكيف فتحت ؟ وكيف انتصرت ؟ وكيف سادت؟

وهذه الملاحم العظمى الخالدة ، بما فيها من شحنات تربوية ، كان من المفترض أن نؤسس عليها كبرياء أمتنا ، خلال القرون ، وقع مع الأسف اختزالها ، بل أريد لها كسوف كامل مثل كسوف الشمس وراء كوكب الفتنة الكبرى، وموقعة الجمل ( 656م ) .

وهذا مثال واحد من كامل مسلسل الغش والخديعة ، الذي زيف تاريخنا وجاء من بعده مثال الصراع بين الدولة وخصومها ، وهو من باب التاريخ الأصغر، حيث غطت القصص الأدبية الملفقة ، التي حيكت عن يزيد والوليد ، على أولى انتصارات المسلمين في الهند ، وعبور جيحون إلى بلاد الترك (من 664م إلى 667م) ، والحدث الحاسم المتمثل في فتح المغرب الإسلامي ، وتأسيس القيروان (670م) وبدء حصار المسلمين لمدينة القسطنطينية ، قلعة النصرانية في المشرق ( 678م ) ، وضرب أول دينار عربي (695م) واستقرار مؤسسات الدولة الإسلامية الأموية على يدي عبد الملك بن مروان.

كل هذه الأمجاد التى رسخت الإسلام ، ووطدت أركانه ، يمر عليها أغلب مؤرخينا مر الكرام ، في حين تطفو على سطح كتبهم ، ثورة المختار الثقفي بالعراق ( 685م ) ، وقصص استبداد الحجاج بن يوسف .

وهنا أيضًا ينجح التحريف التاريخي والأيديولوجي ، في إسدال الحجب السميكة على انتصارات الأمة ، بواسطة إبراز سلوك الأفراد . أي أن التاريخ الأكبر يضيع في دوامة التاريخ الأصغر.

وإن الذي يروم دراسة نهاية القرن الأول ، وبداية القرن الثاني للهجرة ( بداية وأواسط الثامن المسيحي ) ليصطدم ، بأن أخبار الوليد بن عبد الملك بن مروان ، وحاشيته ، وقصره ، تنشر سحابًا سميكًا على أحداث جليلة عملاقة منها فتح قتيبة بن مسلم لبخارى وسمرقند ، ومد السيادة الإسلامية على آسيا الوسطى (705م) ، وإتمام الفتح الإسلامي لشمالي أفريقيا ، وأول نزول للمسلمين بإسبانيا في حملة طريف (710م) ، ثم فتح الأندلس ، وبداية أذكى وأثرى حضارة في البحر الأبيض المتوسط على يد طارق بن زياد (711م) ، وكذلك بداية الفتوح المسلمة في فرنسا ذاتها ( 714م ) وغزو العرب للشبونة ( 716م ) .

ثم تمضي في حب اطلاعك على قمة بني أمية ، في انتشار الحضارة الإسلامية ، فيهولك ما تعرض له هذا الزمن المجيد الأبي ، من طمس ، فتطفوا على سطح الكتب ، مغامرات يزيد بن عبد الملك ، وحكايات هشام بن عبد الملك التي يعوز معظمها التحقيق العلمي ، بينما تغرق في قاع التناسي المتعمد أعمال عظمى غيرت مجرى التاريخ ، مثل فتح نربونة بجنوبي فرنسا (719م) ، ثم إن مجدًا أثيلًا مثل بسط السلطان الإسلامي على كامل جنوب فرنسا ، لمدة ربع قرن، يندثر تمامًا لكي تنفرد منه بالتعريف معركة بلاط الشهداء ، التي تواجه فيها عبد الرحمن الغافقي ، وشارل مارتال ، بسهول مدينة (بواتي) في قلب فرنسا (732 م) ، كما تندثر مناقب الدولة الأموية في دفع حركة التاريخ والحضارة باتجاه الحق والعدل ، لتنقل لنا كتب الرواة أخبار الشاعر عمر بن أبي ربيعة ، والوصلات الغنائية لمعبد ، والغريض ، وابن سريج ، وابن عائشة ، والأبجر.

أما إذا ولجنا باب الدولة العباسية منذ قيامها سنة (750م) فستندهش لتزاحم أخبار الصراع بين السنة والشيعة مع أنباء اضطهاد الفكر إلى جانب انتعاش الثورات ، وكأنما توحي إليك كتب الأدب والتاريخ بأن حضارة الإسلام تفردت بهذه الظواهر البشرية ، دون سواها من الحضارات ، بينما تشير وقائع الماضي الإنساني منذ فجر التاريخ ، إلى أن هذه سنة الله في خلقه ، وأن الإسلام جاء ليحد من نوازع الشر وغرائز الضعف ومكامن الجور ، لا ليعلن أن الأرض أصبحت جنة ، ولا ليقول: إن المسلمين أصبحوا ملائكة.

إن السر المختوم في القرآن هو أن نعتبر بالماضي وأن نتعظ بالقرون الخوالي ، وأن نتدبر حركة التاريخ، ونشوء الحضارات ، ونتأمل الأسباب ، ونربط بينها وبين النتائج . ولذلك نؤمل أن نعتمد التاريخ الصحيح للحضارة الإسلامية ، لا أن نعتمد التاريخ المحرف ، الذي وصلنا أغلبه عن طريق رواة الأدب ، وهم صناع أساطير ، ومثل من يأخذ عنهم اليوم ، كمثل من سيأخذ بعد ألف سنة عن أجهزة إعلام الغرب الراهنة لدراسة الإسلام في القرن العشرين . ومن تلك المرحلة العباسية ، خذ مثال غياب الغزوات الصيفية لبلاد الروم ، بعد تأسيس مدينة بغداد ، من كتب التاريخ الأدبي ، وتعويض هذه الأحداث الجسام ، بأخبار المغنية دنانير ( من 766 إلى 780م ) .. وخذ مثال طغيان التصادم بين الفكر الإسلامي الحر والدولة العباسية ، على المنعرج الثقافي الحاسم المتمثل في حركة إعادة إحياء الفكر اليوناني ، وتعريب أمهات كتب الفلسفة والعلوم الإغريقية ، ومن ثم إثراء الثقافة الإسلامية وقيامها بدور ريادة الثقافة الإنسانية من ( 800م إلى 850م ) أي من نكبة البرامكة على يد هارون الرشيد إلى نكبة القاضي أحمد بن أبي داوود على يد المتوكل.

ونحن إذا واصلنا هذا الجرد المختزل لتاريخ الحضارة الإسلامية ، فمررنا إلى الدولة الزيدية بجنوب بحر قزوين ، ثم باليمن ، وإلى الدولة الصفارية بشرقي فارس ، وإلى الدولة الطولونية في مصر ، والدولة الطاهرية بفارس ، ثم الدول المتعاقبة بالأندلس ، بإماراته المتناحرة ، ثم عددنا الثورات المتلاحقة ، التي تعز عن الحصر ومنها ثورة الزنج ، وثورة القرامطة ، لو قمنا بعمل كهذا ، لما كفانا جبل من الورق ونهر من المداد ، ولكننا أردنا بعرض أمثلة من القرون الأولى لانتشار الإسلام ، لندلل على أن هناك تاريخًا كبيرًا ، وتاريخًا صغيرًا لحضارة الإسلام . تاريخ أكبر صنعته الأمة في مسارها الواثق نحو الفتوح والتوسع ، وتأليف القلوب ، وتاريخ أصغر ، صنعه رجال بعينهم . فتشكل التاريخ الأكبر على مستوى الإسلام ، وإرادة الله سبحانه في تعمير الأرض ، وإنشاء المصالح ، وإقامة العدل ، في حين تشكل التاريخ الأصغر على مستوى القصور والبلاطات ، ولذلك اتجهت إليه أضواء الكشف ، وتناولته ألسنة الرواة والقصاص ، وأقلام المبدعين ، وقصائد الشعراء ، ونفخت فيه الفطرة الشعبية بالتضخيم والتهويل حتى اختلط مع مرور الزمن ، وبعد المسافة ، ما هو تاريخ محض ، بما هو خيال محض ، وانطلت على أبناء جيلنا المسلم أغلب الروايات ، فلم يعودوا يرون في تاريخهم ، إلا ما ظهر منه ، أي تعاقب الفتن وتواصل المحن ، غافلين عما صنع عظمة هذه الحضارة ، أي عبقرية الأمة ، المتمثلة في إجماعها.

نحن بصدد عرض ما بيد الحضارة الإسلامية من عناصر القوة والمنعة ، وهي تدخل صراع حضارات معلن ، لا بصدد تقديم كشف عن مآثر الإسلام ، فهي والحمد لله كالشمس تضيئ العالم ، وتبعث فيه الحياة ، وتجدد لديه الأمل.

ولذلك ننتقل إلى استخلاص فكرتنا الأساسية التالية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت